القرار الذي اتخذه اجتماع وزراء الخارجية العرب في جدة
الأسبوع الماضي بإيفاد الأمين العام عمرو موسي إلي العراق
والتحضير لمؤتمر للمصالحة الوطنية يعتبر من أهم الخطوات
التي اتخذها العالم العربي نحو العراق الذي تحول إلي ساحة
للتدخل الأجنبي بداية من الاحتلال الأميركي البريطاني
المدعم بقوات من دول تؤيد هذا الاحتلال لأسباب تحالفية
ومصالح مشتركة وصولا إلي قوي ودول لها مصالح في تدمير
العراق وتمزيقه أو إضعافه مثل تنظيم القاعدة الذي لا يضع
أمن الشعب العراقي واستقلاله في حسبانه، وإنما خوض حرب ضد
الولايات المتحدة علي حساب الشعب العراقي وفي أرضه في إطار
استمرار معارك «الفسطاطين» و«المعسكرين» المتضادين، فسطاط
الإيمان في مقابل فسطاط الكفر؟!
وصولا إلي أطماع إيرانية بدعم القوي الشيعية الصاعدة
ولإنهاء أي تواجد سياسي قوي للسنة يقابلها تدخل تركي
لتحجيم قوي الأكراد، ودعم النفوذ التركماني في العراق.
وفي السعودية والكويت آثار مباشرة لأنشطة القاعدة حيث قامت
الأفرع المحلية في البلدين بعمليات إرهابية لتحدي الأنظمة
السياسية والأمنية في البلدين، وكانت المواجهات الأعنف في
المملكة التي نجحت إلي حد كبير في مواجهة تنظيم القاعدة
لبلاد الرافدين، وإن كان الخطر مايزال موجودا تحت الأرض،
واحتمال قيام عمليات إرهابية في أي وقت احتمالا قائما بشدة
في ظل تكتيكات الإرهاب وتنظيم القاعدة الذي يحرص علي تنوع
عملياته وعلي المفاجأة وفتح ساحات الصراع والعمليات في كل
مكان سواء علي الأراضي العربية كما حدث في الكويت
والسعودية واليمن ومصر والمغرب وتونس، وصولا إلي أوروبا
كما حدث في مدريد وباريس ولندن وصولا إلي جزر بالي في
أندونيسيا.
المستنقع العراقي وإذا أضيف إلي تصاعد عمليات الإرهاب وأنشطة القاعدة،
المأزق الكبير الذي تواجهه قوات الاحتلال في العراق وعجزها
عن حسم الموقف عسكريا واستعادة الأمن في هذا البلد، فإن
التدخل العربي أصبح ضرورة ملحة خاصة أن العراق مقبل أيضا
علي استفتاء جديد حول مشروع الدستور الذي يشهد أصلا خلافات
شديدة تهدد بأن يتسبب احتمال رفضه إلي دخول العراق في ساحة
خلافات سياسية مشتعلة قد تساهم مع الانفلات والفوضي
الأمنية والعمليات الإرهابية التي تستهدف المدنيين إلي حرب
أهلية مفتوحة.
إنقاذ من؟ هكذا فإن المبادرة العربية التي انطلقت من مؤتمر جدة
بتكليف الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسي بالعمل من
أجل المصالحة الوطنية تعتبر طوقا للإنقاذ تأخر العرب كثيرا
في إلقائه داخل البحر العراقي، المليء بالأمواج والعواصف
المدمرة. وعلي الرغم من ضبابية الهدف وعدم تحديد خريطة فإن
ذهاب عمرو موسي بنفسه إلي العراق خطوة جسورة يري البعض
أنها قد تكون مغامرة خاسرة في ظل الظروف والخلافات
والانشقاقات التي تضرب العراق بشدة.
فهناك من يري أنها طوق نجاة للولايات المتحدة والرئيس
الأمريكي جورج بوش حيث تعيش القوات الأمريكية في حرب
استنزاف مستمرة دون حسم نهائي للوضع ميدانيا، وهو ما يتمثل
في استمرار عمليات عسكرية تحت مسميات مختلفة آخرها في
«تلعفر» علي الحدود مع سوريا، ورغم ذلك فالجنود الأمريكيون
يقتلون يوميا، والجيش العراقي عاجز والشرطة مخترقة ويتعرض
أفرادها للمذابح.
وشعبية الرئيس بوش داخل الولايات المتحدة تتهاوي، وتنكشف
كل يوم قصص حول فشل الخطط الأمريكية لإعادة بناء العراق
بعد أن تم تدميره بالكامل بمعرفة الولايات المتحدة، وجاءت
فضائح الرشاوي الهائلة بخصوص صفقات السلاح المتهم فيها
وزير الدفاع السابق حازم الشعلان بقيمة تتعدي 2 مليار
دولار بمثابة ضربة لإمكانية قيام قوة عراقية عسكرية أو
شرطية تتولي المسئولية لحفظ الأمن في العراق، ومغادرة قوات
الاحتلال.
وبالتالي فهناك داخل العراق من يري في المبادرة العربية
للمصالحة طوق نجاة للرئيس بوش والولايات المتحدة؛ فمن
ناحية فالدول العربية لا تريد ولا تطالب الولايات المتحدة
بانسحاب سريع وعاجل من العراق، بل تري أن هذا الانسحاب
الآن يشكل كارثة للوضع هناك، وبالتالي فالمطالب العربية
بتحقيق المصالحة وإيقاف العمليات العسكرية ضد المدنيين
بالذات يحقق هدفا أمريكيا مباشرا.
دعم للسنة وهناك تفسير آخر يري في المبادرة العربية جهدا لدعم
السنة الذين يعيشون حالة من اختلال موازين القوي بشدة، وأن
الهدف العربي هو الضغط علي طرفي المعادلة الآخرين الأكراد
والشيعة لإعادة تعديل مواد في الدستور تعطي السنة حقوقا
سياسية ومزايا أخري خصوصا فيما يتعلق بنظام الحكم وتوزيع
الثروة. وأعلنت قوي شيعية عن تشككها في المبادرة العربية
لهذا الغرض.
ولم تسلم المبادرة العربية من انتقادات رسمية أبداها
الرئيس جلال طلباني الذي كان من أكثر المنتقدين للغياب
العربي عن الساحة العراقية وهو قد حرص علي إلقاء خطابه في
الأمم المتحدة وأمام الجمعية العامة باللغة الكردية إلي
جانب فقرات بالعربية في إشارة إلي طبيعة العراق الجديد
متعدد القوميات والثقافات، وهو ما يعني أن هناك واقعا
جديدا في العراق أمام الجامعة العربية.
هوية العراق ولعل التعديل الذي جري علي المادة الخاصة بهوية العراق
العربية توضح هذه الأجواء والتحولات التي تتم علي الأرض،
فقد تم استبدال الصيغة التي كانت تقول بأن «الشعب العربي
في العراق جزء من الأمة العربية» بصيغة جديدة تقول «بأن
العراق عضو مؤسس وفعال في الجامعة العربية وملتزم
بميثاقها».
وجاء هذا التعديل لتعزيز هوية العراق العربية، ولكنها في
رأي كثير من المحللين أضعفت هذه الهوية، فتعريف العراق
بأنه عضو في الجامعة العربية لا يعني شيئا كثيرا،
فالانضمام إلي الجامعة متاح حتي لدول وشعوب لا تعرف
العربية، ولم يتمكن رئيس جيبوتي في إلقاء خطابه أمام
الجامعة باللغة العربية، وبالتالي فعضوية الجامعة ليست
مقياسا للهوية العربية.
هل تنجح الجامعة
يبقي التساؤل هل ينجح عمرو موسي وتنجح الجامعة العربية في
إنقاذ العراق بطوق نجاة عربي في هذه المرحلة التي تشهد
فشلا وهزيمة أمريكية علي جميع الأصعدة؟
هل يجد الفرقاء العراقيون في سفينة الجامعة إنقاذا للعراق،
أم يتم تحطيم تلك السفينة وتتكسر الجهود العربية وتغرق
سفينة موسي في مستنقع العراق كما تغرق سفينة بوش وأتباعه
في الوقت الحالي؟!.
وهل ستقبل الحكومة العراقية أصلاً بتلك المهمة؟؟