في حديث تليفوني حظيت به مع الرئيس حسني مبارك قلت: إنني
أستأذن سيادتك في عرض تصاميم المبني الصحفي الجديد
.. وفوجئت بالرئيس يحدد لي موعدا (!!).
بعد نتائج الانتخابات التي جرت في نقابة الصحفيين يوم
الخميس.. ليس أمام النظام السياسي في مصر.. الآن.. إلا أن
يختار بين أحد مصيرين:
إما أن يحترم إرادة الجماعة الصحفية.. ويعمل علي استعادة
الأموال التي نهبت من المؤسسات الصحفية.. ويبدأ من تلقاء
نفسه بتقديم المسئولين عن الفساد الفاحش في صحف الدولة
للمحاكمة.. ليقول القضاء كلمته.. بعيدا عن الحملات الصحفية
المتبادلة.
أو أن يترك الأمور تجري في أعنتها.. ويلتزم بحكمة القرود
الثلاثة «لا أري.. ولا أسمع.. ولا أتكلم».. بما ينطوي عليه
ذلك من تداعيات.. لا يمكن التنبؤ بعواقبها!!.
القضية الآن لم تعد تحتمل التسويف والتأجيل.. والإبقاء علي
الأوضاع علي ما هي عليه.. وعلي القيادة السياسية أن تدرك
قبل فوات الأوان.. أن الدنيا قد تغيرت.. وأن الاعتقاد
بأننا لا نحكم إلا بالأحذية قد اثبت فشله.. وأن ربع قرن من
الحكم بـ «الأحذية».. يكفي.. وزيادة!.
مصر.. تستحق أن تكون لها صحافة شريفة.. ونقابة قوية!.
صحافة تقترب من نبض الشارع.. وليس فقط من نبض الحكومة!.
ولذلك فإن نتائج الانتخابات الأخيرة تكتسب أهميتها من أنها
تأكيد علي نتائج الانتخابات التي جرت في نفس النقابة سنة
2003.. أي منذ عامين.
هي تأكيد علي شعار «التغيير» الذي رفعه جلال عارف في
انتخابات سنة 2003.
وتأكيد علي شعار «التطهير» الذي رفعه في الانتخابات
الأخيرة سنة (2005).
الجماعة الصحفية.. تطالب بالتغيير والتطهير.. وترفض سيطرة
الدولة علي نقابتهم!.
واختارت الجماعة الصحفية في انتخابات 2003 وانتخابات 2005
نقيبا.. لم ترشحه الحكومة.. ولم تختره الحكومة.. ولم يركب
المرسيدس وليس من مجموعة الصحفيين التي تصافح الرئيس
مبارك.. وتستقل طائرة الرئاسة.. وليس من الذين صدرت
القرارات السيادية.. بوضعهم فوق المؤسسات الصحفية.. بصرف
النظر عن الموهبة أو الكفاءة.. أو حتي المؤهلات الدراسية!.
اختارت النقيب.. الأقرب إليها.
ورفضت النقيب.. الأقرب إلي الحكومة.
اختارت النقيب الذي يتحدث عن «التغيير» و«التطهير».. ورفضت
النقيب الذي يلوح بالعلاوات والامتيازات والأبونيهات..
والرشاوي.. إلخ
وكانت تلك علامة فارقة.. تشهدها نقابة الصحفيين منذ أكثر
من ربع القرن!.
لقد اعتادت الجماعة الصحفية.. أن تشهد مرشحا للحكومة..
يتحدث بلسان الحكومة.. ويقدم الوعود.. والملايين..
والامتيازات التي ستقدمها الحكومة من أموال الشعب.. حال
فوزه!.
مرشح الحكومة يفوز.. والشعب يدفع الفاتورة.. يدفع الثمن!.
هكذا بدت الأمور لسنوات.. طويلة.. بيد أن الجماعة الصحفية
تحملت هذا النهج.. لأن الأمور لم تكن قد وصلت داخل الصحف
القومية.. إلي الحضيض الذي بلغته بعد حركة التعيينات التي
صدرت سنة 1991.. والتي أطاحت برموز الصحافة.. وأصدرت عليها
أحكام الإعدام.. لتضع مكانها أفرادا.. لا علاقة لهم
بالصحافة.. ولا بالموهبة.. أو الثقافة.
جماعة مطعون في كفاءة البعض منها.. وفي سمعة البعض الآخر..
وفي المؤهلات الدراسية «المزورة» التي التحق بها بعض ثالث
بنقابة الصحفيين!.
كان «بعض» الرجال الجدد أقرب لرجال الأعمال.. منهم إلي
الكفاءات الصحفية.. التي تقرأ.. وتكتب.. وتعلم.. وتجري
وراء الأحداث!.
كانت فكرة الصحافة غائبة عن ثقافة «بعض» القيادات الصحفية
التي جاءت بها حركة 1991.. وبالتالي قد سارعت باستثمار
أجواء الفساد العام.. واقترابها من القيادة السياسية
وتمتعها بامتيازات.. ليست متاحة لأي صحفي في العالم.
سارعت باستثمار هذه الأجواء في التربح.،. في المضاربة في
الأراضي.. وبناء الصروح العملاقة.. والتعاقد علي شراء
المطابع العملاقة.. مقابل عمولات أودعت في البنوك
السويسرية!.
وهكذا تعدت صحافة الحكومة دورها الرقابي.. وأصبحت جزءا من
الفساد العام.. في الوقت الذي اختلط فيه دور القيادة
الصحفية.. بدور الوسيط والسمسار.. ورجل الأعمال.. وتاجر
العملة!.
وعرفت مصر لأول مرة.. المسئول الأول في المؤسسة الصحفية
الذي يتحرك بسيارة مرسيدس يبلغ ثمنها عدة ملايين من
الجنيهات.. وفرتها له المؤسسة الصحفية.. من مرتبات
المحررين.
سيارة يتحرك بها.. وسيارة علي نفس المستوي تتحرك بها
«المدام».. علاوة علي سيارات الأنجال.. والحراسات!.
والمؤسسات الحكومية هي التي تدفع تكاليف رحلات الصديقات
للتسوق في باريس.. والسفر لآخر الدنيا لاصطحاب «مومياوات»
الملوك الفراعنة.. من أمريكا (!!).
كانت الفكرة المسيطرة علي رئيس المؤسسة الصحفية الحكومية
أنه ليس صحفيا.. إنه والي «ولاية».
هو حاكم.. يحكم.. ويتحكم.
وكانت صحف الحكومة أشبه بمغارة علي بابا.. يدخلها المسئول
الأول عنها كل صباح وعلي ظهره مقطف.. وهو يصرخ صرخة علي
بابا:
دهب.. ياقوت.. مرجان.. عبي.. عبي.. شيل.. شيل.. أحمدك.. يا
رب!.
***
وفي إطار تبادل المصالح بين الفساد العام.. والفساد داخل
مؤسسات الدولة.. شهدت ميزانيات الصحف القومية ظاهرة
جديدة.. وهي تبادل الهدايا في رأس السنة الميلادية بين
رؤساء المؤسسات الصحفية.. ورجال الأعمال وكبار المسئولين
عن الفساد!.
بلغت قيمة هذه الهدايا في إحدي المؤسسات الصحفية التابعة
للحكومة ثلاثة ملايين جنيه.. في الوقت الذي كانت فيه نفس
المؤسسة تستغني عن خدمات ألمع نجومها.. لخفض النفقات (!!).
ثلاثة ملايين جنيه هدايا.. كانت تكفي لإعالة أسر مئات من
كبار الصحفيين.. وإنقاذ أسرهم.. وحماية الأبناء من العمل
في دورات مياه الفنادق.. من أجل لقمة العيش (!!).
ظلم لم تعرفه مصر.. في أحلك حقبات تاريخها.
وهذه المعلومات.. وغيرها.. مما تشيب له الأبدان.. لم تكن
خافية عن عيون.. أجهزة الدولة.
كانت معروفة.. ومسكوتا عنها وسط بيئة سياسية حاضنة لكل
ألوان الفساد.
مثلا..
في الوقت الذي كان الوسط الصحفي يتحدث فيه.. عن إسراف مروع
وعمولات عملاقة يحصل عليها رئيس إحدي المؤسسات الصحفية
الحكومية.. كتب نفس الصحفي السطور التالية.. لإسكات أصوات
المعارضة.. داخل مجلس الإدارة.. وخارجه:
في حديث تليفوني حظيت به مع الرئيس حسني مبارك، قلت:
إنني أستأذن سيادتك في عرض بعض تصاميم المبني الصحفي
الجديد الذي سيضم كل الإصدارات.. وأجابني الرئيس:
- أي مبني تقصد.. في 6 أكتوبر؟
وأجبت:
لا سيادة الرئيس.. وإنما في شارع الصحافة!.
وفوجئت بالسيد الرئيس يحدد لي موعدا.
فالرئيس.. رغم كل اهتماماته، وكل مشاغله، وكل ارتباطاته
السياسية.. محلية وعربية، وعالمية وافق علي أن يستقطع
جانبا من وقته الثمين لمقابلتي والاستماع إلي أحلام الدور
الصحفية القومية.. ويشاركها.. ببساطته المعهودة والمعتادة
بإبداء الرأي في اختيار التصميم المناسب لمبناها الجديد.
صفحة كاملة استقطعها، رئيس المؤسسة الصحفية.. ليقول كلمة
واحدة «رئيس الدولة يقف وراء المشروع».
وفي ظل هذه العلاقة التي يختلط فيها الحابل بالنابل.. وبين
ما هو صحفي.. وما هو «بيزنس» تراجع دور الصحافة الحكومية..
وفقدت بريقها.. ونجومها.
وأصبح بعض سادة الصحف.. يلعبون بملايين الجنيهات ويقدمون
الهدايا والرشاوي للمسئولين.
زمان أيام الملك فاروق.. كانت الدولة تقدم «المصروفات
السرية» لبعض الصحفيين.
وجاء عبدالناصر ليحارب الذين حصلوا علي هذه المصروفات
السرية.. ويطالب بتطهير الصحافة منهم.
كانت كشوف المصروفات السرية تضم أرقاما تتراوح ما بين خمسة
جنيهات وعشرين جنيها.
الآن يحدث العكس.. وتقدم الصحف الحكومية الرشاوي والهدايا
إلي المسئولين.. الذين يردون هذه التحية بأحسن منها.
وإلي جانب ما يتردد عن العمولات العملاقة التي تودع في
البنوك السويسرية.. بمباركة الدولة.. وتشجيعها يسمع الوسط
الصحفي عن المرتبات التي تبدأ من 150 ألف جنيه شهريا.. إلي
أن تصل إلي الملايين كل شهر (!!).
في الوقت الذي تتضور فيه القاعدة العريضة في الصحفيين
جوعا.
القاعدة العريضة من الصحفيين تحصل علي أدني المرتبات..
وتعمل في أجواء معتمة من الفساد.. والظلم الفادح.
القاعدة العريضة من الصحفيين تري الامتيازات التي تحصل
عليها المحظيات والساقطات اللاتي يتمرغن في بلاط السلطان..
بلا رقيب ولا حسيب.
وتخرج الأجيال الجديدة.. في ظل حكم الحزب السرمدي.. بدروس
مستفادة.. أهمها.. أن الهروب من الجوع والظلم.. له باب
واحد.. هو النفاق.. واللحاق بقطار الفساد.
وأن باب الفساد.. هو الباب الملكي للبقاء علي قيد الحياة..
والخروج من دائرة الجوع!.
بات الفساد في بلدنا.. هو طريق الرقي!.
***
في ظل هذه الأجواء جرت انتخابات سنة 2003 ورفع جلال عارف
خلالها شعار «التغيير».
وفي المقابل رشحت الحكومة الكاتب اللامع صلاح منتصر.. الذي
قدم نفسه.. كدمياطي أصيل.. ووعد بامتيازات حددها بالقرش
والمليم علي الطريقة الدمياطية.. التي يكن لها كاتب هذه
السطور.. كل الإعجاب.. والحب!.
وفاز جلال عارف الذي طالب بالتغيير.
ولم يحالف الحظ الزميل صلاح منتصر.. الذي جاء بالامتيازات.
ولم يكن العيب في شخص صلاح منتصر.. الكاتب.. الذي تولي
العديد من المواقع القيادية.. ويعد من بين الصحفيين الذين
صافحوا الرئيس مبارك وسافروا معه علي متن طائرته.
وإنما القضية أيامها.. كانت قضية «التغيير».. ورفض الواقع
الذي تعيشه الجماعة الصحفية.. وبالتحديد القاعدة العريضة
من الصحفيين الذين لا يستطيعون توفير الحد الأدني من
المطالب الإنسانية المشروعة.
من مأكل.. ومسكن.. وعلاج.. ومواصلات.. ودروس خصوصية.. إلخ.
ولذلك أقول إن «التصويت الاحتجاجي» سيطر علي انتخابات 2003
وأطلق العديد من الإشارات الداعية للتغيير.. وأدي إلي نجاح
جلال عارف.
ولذلك كانت نتائج انتخابات 2003.. هي دعوة صريحة للتغيير
وإنصاف أربعة آلاف صحفي جائع.. وسط عدد من الصحفيين يقل
عددهم عن عدد أصابع اليد الواحدة.. يتحدثون باسم الرئيس
مبارك.. ويحصدون ملايين الجنيهات.. بلا أي رقيب أو حسيب!.
إنها مغارة.. علي بابا!!.
***
ولا يخفي علي أحد.. أن نتائج انتخابات 2003 كانت «صدمة»
للعقلية القديمة التي تعتمد علي سلطة الحكومة.
الحكومة هي التي تعين.. وهي التي تدلل.. وهي التي تقيل،
إذا عن لها ذلك.. دون استشارة أصحاب الشأن.
لا.. عند التعيين.. ولا.. عند الإقالة.. لأن أصحاب الشأن
في نظرها.. ليس لهم شأن.. وليست لهم قيمة ولا وزن.. ولا
يساقون إلا بالأحذية!.
صدمة كبيرة.. ظهرت في مؤتمر اتحاد الصحفيين العرب الذي عقد
في أكتوبر 2004.. وفقد أصحاب العقلية القديمة صوابهم
وحاولوا استبعاد نقيب الصحفيين المصريين.. وتهميش دوره.
بدت الصورة، أيامها، كما لو كانت «إمبراطورية» تضيع من
أصحابها.. أمام جماهير زاحفة تطالب بحقوقها وبالتغيير.
إمبراطورية تهتز.. ويدق أصحاب الحقوق أبوابها بقوة وحماس
وإصرار.. فيما يشبه ثورة الجياع!.
كانت النقابة.. إمبراطورية كبيرة.. يتفرع عنها إمبراطوريات
في كل المؤسسات الصحفية الحكومية.
كل إمبراطورية.. علي رأسها إمبراطور.. لا يهمه ما سيحدث
بعده.. ولا يشغله سوي المتعة!.
حاكم.. يحكم.. ويتحكم!.
فرعون صغير.. يتحرك في إطار «طبقة» سياسية تستمد نفوذها من
نظام الحكم.
وعلي الرغم من سيطرة هذه الإمبراطورية.. علي لقمة العيش
لما يزيد علي أربعة آلاف صحفي.. إلا أن «النقابة» نجحت في
إحداث تغييرات.. أطاحت بأصحاب العقلية القديمة.. وفتحت
الأبواب أمام جيل جديد من الصحفيين المشهود لهم بالنزاهة.
وقال جلال عارف بعد إعادة انتخابه:
لقد فتحنا المجال للتغيير في المؤسسات الصحفية.. بقيادات
شابة.. والإرادة الصحفية تتأكد لطلب التغيير.
بما يعني أن التغييرات الصحفية الأخيرة.. جاءت في إطار
الجهود التي بذلتها النقابة في الفترة السابقة من أجل
التغيير!.
وكانت التغييرات الأخيرة.. هي أعظم إنجازات النقابة!.
***
الآن..
أكدت نتائج انتخابات يوم الخميس.. إصرار الجماعة الصحفية
علي استئناف المسيرة بدعوتها للتطهير.. واستعادة الأموال
المنهوبة.
وهي رسالة توجهها القاعدة العريضة من الصحفيين الذين أكلت
القيادات الصحفية القديمة حقوقهم.. وشردتهم.. وحرمت
أولادهم من أبسط حقوق الإنسان.. وهي حقهم في مواصلة
التعليم!.
هي صرخة تنطلق من شارع عبدالخالق ثروت.. يطلقها الجائعون
في بلاط صاحبة الجلالة.. علي أمل الوصول إلي سكان
المنتجعات الذين انقطعت صلتهم بالواقع منذ سنوات..
وسنوات!.
الجائعون.. قالوا.. لا!.
وعندما يقول الجائع.. لمن شردوه.. وكسروا كرامته.. لا..
فإنه يعني ما يقول..
إن الله مع الجائعين!.