يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1248 (5 أكتوبر - 12 أكتوبر) 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

هكذا

 
 

أفكار قصر النظر.. وقلة الحيلة!

 
 

رءوف توفيق

 

 
لا أصدق أن هناك قرارا صدر في محافظة القاهرة بإخلاء مجمع التحرير تماما
من جميع المصالح الحكومية التي تشغله خلال تسعة أشهر
.. تمهيدا لتحويله إلي فندق سياحي!.
لا أصدق.. ولا أريد أن أصدق.
فهي بالتأكيد فكرة مجنونة، طقت في دماغ واحد رايق من بهوات هذا الزمان.. الذين لا يطيقون رؤية الناس الغلابة في سعيهم البائس المرهق لإنهاء مصالحهم وأعمالهم المعطلة في دواوين الحكومة.. فكانت الفكرة الجهنمية بتشتيت كل هؤلاء البائسين.. واستبدالهم بالزبائن الخواجات أصحاب البشرة الوردية بملابسهم المزركشة الجذابة.. فهم ألطف وأجمل.. ومكاسبهم أكثر باليورو والدولارات!!.
لا أصدق.. ولا أريد أن أصدق.. أن يصل بنا التفكير إلي هذا الحد من الهزل والعبث.
فمجمع التحرير.. هذا البناء الضخم العملاق، الشامخ في موقعه عبر عشرات السنين.. بطوابقه الأربعة عشر.. وبعدد مكاتبه التي تصل إلي 1356 حجرة.. تضم ألوف الموظفين - ناهيك عن مدي كفاءتهم في العمل - إنما المفروض أن يستقبلوا عشرات الألوف من المواطنين يوميا لإنهاء مصالحهم.. أين يذهب كل هؤلاء؟.
وإذا كان الإهمال - سمة كل المصالح والمباني الحكومية - قد أصاب مبني المجمع في مقتل.. سواء في المصاعد الكهربائية المعطلة دائما.. وسواء في دورات المياه الفاسدة تماما.. وسواء في صيانة المباني ونظافتها.. وإصلاح ما أفسده سوء الاستعمال في النوافذ والأبواب.. ودرجات السلالم التي انبرت تحت وطأة الأقدام الصاعدة والهابطة في كل لحظة من لحظات العمل اليومي.
هذا الإهمال المستقر في كل ركن من أركان مجمع التحرير، ليس مبررا لإخلائه من الموظفين وإغلاقه في وجه الجمهور.. وإلا سرت نفس القاعدة علي المدارس الحكومية المتهالكة.. والمستشفيات الحكومية الغارقة في مياه الصرف الصحي.. وأتوبيسات النقل العام التي تكلست الأتربة والقاذورات علي أرضياتها ومقاعدها ونوافذها.. وقطارات السكك الحديدية حتي بدرجاتها الأولي المكيفة والتي أصبحت نموذجا مجسما للإهمال وعدم الصيانة.. حتي مترو الأنفاق والذي كنا نزهو به وقت بداية تشغيله.. أصبح اليوم يسير في ركب الإهمال والفوضي.
لم يعد هناك شيء نستثنيه من هذه الحالة المتدنية.. إلا أقل القليل الذي نقف أمامه مبهورين في دهشة.. كيف نجا من وباء الإهمال! فهل يكون الحل هو وقف كل هذه الخدمات والأنشطة في وجه الجمهور؟.
إن ما حدث في مجمع التحرير.. يمكن إصلاحه من خلال حملة مكثفة ومدروسة بعناية لإصلاح ما أفسده الإهمال وسوء الصيانة ليعيد إلي هذا المبني الشامخ رونقه وشبابه.
بل يمكن أن يكون مجمع التحرير اسما علي مسمي.. تتجمع فيه كل الإدارات الحكومية للوزارات المرتبطة بخدمة الجمهور.. بدلا من هذه البنايات الحكومية المتفرقة المشتتة في قلب القاهرة وأطرافها.. فتجميع الخدمات في مكان واحد مكسب كبير للمواطنين الذين يدوخون السبع دوخات في زحام القاهرة بحثا عن مكان إدارة أو مصلحة حكومية مسئولة عن إنهاء أعمالهم المعلقة.
مكسب في الوقت.. وفي الجهد.. وفي الإحساس بالكرامة الإنسانية.
وهو أيضا مكسب لتفريغ قلب القاهرة من الإدارات الحكومية التي تشغل مباني متعددة ليست مرتبطة ارتباطا مباشرا بخدمة الجمهور.. وإنما مجرد إدارات لكبار المسئولين في هذه الوزارات وما يتبعها من مكاتب للوكلاء والمديرين والسكرتارية.. وكلها تمثل تكدسا خانقا للمرور.. ولنسمة هواء نظيفة.
ولو تصورنا إعادة ترتيب مبني مجمع التحرير.. وخصصنا الطابق الأول والثاني لاستقبال المواطنين وإرشادهم للمصالح الحكومية المطلوبة وتقديم خدمات النسخ والتصوير الضوئي ومكاتب التوثيق وبيع الطوابع والإشعارات الحكومية مع تخصيص مكان لكافتيريا تقدم المشروبات السريعة.
طابقان لخدمة كل زوار المجمع.. ليبقي أمامنا إثنا عشر طابقا وحوالي 1200 حجرة.. يخصص لكل وزارة طابق محدد ومائة حجرة.. مثلا هناك طابق لوزارة التعليم.. وطابق لوزارة الداخلية.. وطابق لوزارة الصحة.. وطابق لوزارة التموين.. وهكذا مع كل الوزارات التي لها علاقة مباشرة مع الجمهور.. هنا يصبح لمجمع التحرير معناه وهدفه الحقيقي في تجميع الوزارات، ومن خلال مكاتب تم اختيار موظفيها علي أعلي مستوي في الكفاءة والإنجاز.
ولست أدعي الخبرة في الهندسة المعمارية أو تصميم المباني.. ولكن هذا هو ما أفهمه في إنشاء المجمعات الحكومية، أن تلتقي في مكان واحد كل الأجهزة المسئولة لخدمة المواطن.
أما مسألة إخلاء مجمع التحرير من المصالح الحكومية.. وتحويله إلي فندق سياحي.. فهو قمة التفكير العشوائي الذي يتبني شهوة الهدم قبل أن يفكر في شكل البناء!.
ذلك لأن عملية إعادة إصلاح مبني المجمع بكل مرافقه المهلهلة.. ثم إعادة تأهيله ليكون فندقا سياحيا متميزا.. يحتاج إلي تكلفة تصل إلي المليارات من الجنيهات.
بالإضافة إلي أن منطقة ميدان التحرير مكدسة أصلا بعدد من الفنادق المختلفة المستويات من فنادق الخمس نجوم إلي فنادق الثلاث نجوم فأقل.. ثم إن طبيعة الزحام في ميدان التحرير وكثافة المواصلات ومواقف الأتوبيسات العامة كلها عناصر لاتشكل إغراء سياحيا.. إلا فقط في قربها من قلب القاهرة التجاري.
وإنشاء فندق بحجم كتلة مجمع التحرير.. لا يشكل متعة بالنسبة للسائح الأجنبي الباحث عن الخصوصية والراحة والهدوء.. بل يحوله إلي شخص تائه بين الطرقات الطويلة والمتفرعة عبر 14 طابقا مع اختلاف اتجاهات المداخل والمخارج.. وهي نفس الحالة التي يمر بها نزيل فندق «راسيا» بقلب موسكو.. حيث البناية الضخمة التي لا تعرف من أين تدخلها لتصل إلي الطابق الذي فيه غرفتك.. وإذا وصلت إلي الطابق المحدد دخلت في متاهة جديدة للوصول إلي مكان غرفتك.. وقد مررت شخصيا بهذه الدوامة في أول زيارتين لي لموسكو.. فرحت بضخامة المبني.. ثم شعرت بعد ذلك بأني مفقود.. مفقود!.
إن القاهرة غنية بالأماكن التي تصلح لإقامة فنادق سياحية متميزة.. ولكن قصر النظر وقلة الحيلة تجعل البعض يقف أمام مبني عتيق.. ويهتف في فرح وانتصار: فلنهدمه ونبني برجا شامخا.. أو فندقا سياحيا!.
ويا أيها المسئولون في محافظة القاهرة.. انظروا أولا إلي أحوال المواطنين الغلابة التائهين في دروب القاهرة بحثا عن الإدارات الحكومية التي يمكن أن تنجز أعمالهم.. وبدلا من أن تعلقوا علي أبواب مجمع التحرير لافتات «خارج الخدمة».. اجعلوه لائقا بكرامة المواطنين فهم دافعو الضرائب الذين يستحقون منكم كل رعاية.. وكل الخدمة المميزة.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة