يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1248 (5 أكتوبر - 12 أكتوبر) 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

الإنسان والدين والسلوك

 
 

د. سعد المغربي

 

  إن النظر إلي الدين في علاقته بالسلوك ينطلق من وجهة نظرنا من إطار مرجعي يقوم علي المسلمات التالية:
* إن الإنسان كائن متدين، بمعني أنه يدين بأيديولوجية أو نسق فكري معين، يقدم له تفسيرا معينا للكون ولما وراء الكون، ولأسباب الخلق والوجود والمصير، فضلا عن العلاقة بين الإنسان وبين هذا كله، وبينه وبين أخيه الإنسان.
* والإنسان بهذا المعني متدين بغض النظر عن نوع الدين ومستواه، أو طقوسه أو محتواه، أو مدي قربه أو بعده عن التفكير الأسطوري الخرافي أو التفكير العقلاني، وبالتالي فلا اختلاف بين الأديان السماوية وغير السماوية.
* إن الدين حالة ذاتية، تنطوي عليها نفس الإنسان، تتمثل في توجيه الحب للمعبود وطاعته، والانقياد له عن طريق الممارسات المختلفة في طقوس العبادة وشعائرها من ناحية، وفي السلوك والعلاقات التي يدعو إليها الدين والتي تقوم علي الحق والخير والعدالة والجمال.
* وتنطوي الديانات السماوية - وبخاصة الإسلام - علي شقين رئيسيين:
الأول : شق العبادات أي ما يتعلق بعلاقة الإنسان بربه وإيمانه به، وتصوره له، وما يرتبط بذلك من إجراءات وطقوس تختلف من دين لآخر.
الثاني: شق المعاملات، وهو ما يتعلق بعلاقة الإنسان بالطبيعة من ناحية، وبأخيه الإنسان بل وبجميع الكائنات من ناحية أخري.
بالنسبة للشق الأول تدعو الأديان وتنهي عن التدخل في عقيدة الآخر، أو في رؤيته أو طريقته في عبادة ربه، إلا ما كان للمعرفة والتنوير وبالتي هي أحسن دون قسر أو إرهاب فالأديان السماوية، بل والكثير من الأديان غير السماوية تتفق في جوهرها، وفي مبادئها الأساسية علي الدعوة للحق والحب والخير والتسامح والسلام.
* كذلك من المسلمات التي لا خلاف عليها، أن الدين هو أحد المصادر الأساسية، سواء للتشريع أو الأخلاق أو القيم والعادات والتقاليد، أو غير ذلك من أشكال وإنماط السلوك الاجتماعي، وتتساوي في ذلك الأديان السماوية وغير السماوية.
* إن الاختلاف حول علاقة الدين بالسلوك لا يرجع إلي الدين في ذاته أو مبادئه، وإنما يرجع إلي الاختلاف في فهم وتناول وتطبيق المباديء العامة التي يدعو إليها الدين، والتي تتمثل في الاتجاهات العامة التالية:
- الإهمال أو الإغفال التام في تطبيق المباديء الدينية العامة.
- التخلف الفكري في التطبيق، بما لا يناسب المنطق والتفكير العقلاني والمنهج العلمي في تناول القضايا والمشكلات.
- الجمود والتعسف في تطبيق المباديء دون مراعاة لظروف المكان والزمان والأفراد والإمكانات.
ولما كان الدين ظاهرة اجتماعية وسلوكا مكتسبا يتم أثناء عملية التربية والتنشئة الاجتماعية لذلك تقع المسئولية علي المربي في محيط الأسرة والمدرسة، كما تقع من جانب آخر علي علماء الدين - ولا أقول رجال الدين والمشتغلين به - المتفقهين فيه باعتبارهم أصحاب مسئولية في نشر الدعوة الدينية وفي تخطيط وتنظيم عملية التربية الدينية سواء للصغار أو الكبار، وعلي هذا الأساس نجد تقصيرا يسأل عنه بالدرجة الأولي علماء الدين.. كما نجد إدانة يسأل عنها أولئك الذين يتصدون لأمور الدين دون علم أو دراية.
ويمكن تحديد هذا التقصير وتلك الإدانة في الأمور التالية:
* إن الوعي بحقيقة الدين وروحه وجوهره ومبادئه الكلية العامة، إما أنه وعي مفقود، أو هو وعي زائف، ذلك لأنه يفتقر إلي إطار ديني مرجعي عام، وتصور شامل لمعني الدين، وذلك بغض النظر عن التفصيلات الفرعية التي ينطوي عليها الدين.
* إن البعض من رجال الدين، يحولون بين الناس وبين الفكر والتفكير الديني، هادفين بذلك إلي خلق نوع من الكهنوت منغلق علي كهانة.. يتهمون غيرهم بالخروج علي الدين أو الكفر إذا حاولوا التفكير في بعض القضايا، التي تدفع متغيرات العصر والمكان والظروف إلي ضرورة إعادة تناولها والتفكير فيها، وبذلك يحولون بين الدين، وبين الأصل في أن يكون دافعا ومحركا للتقدم وبناء علاقات إنسانية أفضل.
إن بعض رجال الدين يستنكرون الانفتاح أو الإفادة من فكر أو علم أو خبرات الأمم الأخري في بعض الأمور المتعلقة بالنشاط الإنساني، أو العلاقات الإنسانية، تأسيسا علي أن الدين قد حوي كل شيء، ولم يترك صغيرة أو كبيرة إلا أحصاها.
وهذا الاتجاه مردود عليه من ناحيتين:
الأولي: إن الدين نفسه يحض علي استخدام العقل وطلب العلم من أي شخص وفي أي مكان يملكان العلم وشروطه مهما كان بعد هذا المكان فالعلم صناعة المؤمن يبحث عنه أينما وجده حتي ولو كان في الصين.
الثانية: إننا حين ننفتح علي العلم أو الخبرة أو التجربة في أقطار أخري، لا يقصد بذلك استيراد قيم أو مباديء أو مفاهيم جديدة تتعلق بأصول العقيدة الدينية، أو ننفتح علي قيم معارضة للقيم الدينية، وإنما المقصود هو العلم بالأساليب والطرق والأدوات التي وصل إليها تقدم العقل البشري في تطبيق المباديء والقيم الجوهرية للدين والتي تهدف إلي سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.
ومثال ذلك - إذا كان الدين يحض علي العمل والإخلاص فيه وإتقانه، بقصد تقدمه كما ونوعا - فما هي أحدث الطرق والوسائل لتحقيق هذا المبدأ الديني؟ المفروض إذن أن نستفيد من علم وخبرة الآخرين طالما لا يوجد تعارض بين الطريقة والوسيلة من ناحية وبين المبدأ من ناحية أخري.
وإذا كان الدين ينادي بالشوري والحوار وتبادل الأفكار.. فلا مانع من الأخذ بأحدث النظم الديمقراطية التي تحقق هذا المبدأ الديني.. حتي وإن أخذناها عن مجتمع آخر يختلف معنا في الدين، وهكذا في كثير من أمور الحياة، لأن تقدم الفكر أو العلم البشري، هو ملك للبشرية جمعاء بغض النظر عن اختلاف الموطن واختلاف الأديان.. وحيثما كان هذا العلم في صالح الإنسان وإنسانية الإنسان.
* إن الكثير من رجال الدعوة والدين يبددون الكثير من الجهد والطاقة والوقت عندما يلحون ويركزون أكثر مما ينبغي علي قضايا دينية نعتقد أن الفكر البشري قد تجاوزها منذ زمان طويل، ومن أمثلة ذلك قضية الشرك بالله، فالفكر البشري بحكم تطوره وتقدمه لم يعد يقبل بغير الوحدانية في تصوره الله، وإذا جاز هذا الاهتمام والتركيز فإنما ينبغي أن يوجه إلي شعوب لم تصلها رسالات السماء، ومثال ذلك أيضا الإسراف والإلحاح الشديد علي أمور تتعلق بطقوس العبادات في الصوم والصلاة، يحدث ذلك علي حساب تناول قضايا أخري أكثر أهمية وأكثر إلحاحا في حياة الناس.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة