تقول الأرقام إن 48% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر،
ولكن الأرقام لم تقل لنا كيف ينام حكام هذا البلد ويأكلون
ويبتسمون ويواصلون خداعنا واستنزاف مواردنا بينما يعيش علي
أرض هذا البلد مواطنون ليس في بيوتهم الطافحة بالفقر حفرة
- مجرد حفرة - يمكنهم قضاء حاجتهم بها.
أن نكون فقراء مع كل أشكال التدمير لثرواتنا وفقا لسياسات
الحكم فهذا أمر طبيعي ونتيجة منطقية لهذه السياسات وأن
يكون الفقر والإفقار جريمة يرتكبها هذا النظام فهذا ما
رأيناه بأعيننا لحد الذهول والإحساس بالعار والمهانة في
ورشة العمل التي نظمها مركز دراسات المرأة والإعلام بكلية
الإعلام بجامعة القاهرة ومؤسسة «فريد ريش إيبرت» في محافظة
المنيا حول «الإعلام والتمكين الاقتصادي للمرأة» والتي
شارك فيها عدد من الإعلاميين الممثلين لمختلف الصحف
القومية والحزبية والخاصة والإذاعة والتليفزيون وأساتذة
وباحثين بكلية الإعلام.
وتأتي ورشة العمل التي عقدت في الفترة من 26 إلي 29 سبتمبر
الماضي ضمن سلسلة من ورش العمل التي عقدت في عدة محافظات
مستهدفة وقوف الإعلاميين بالتجربة العملية علي ما تحقق من
شعار «تمكين المرأة اقتصاديا» والإجابة من أرض الواقع علي
الأسئلة المتعلقة بمشاركة المرأة في عملية التنمية
والمعوقات التي تواجهها.
ملايين الجنيهات .. لماذا؟ بدأت ورشة العمل بلقاء مفتوح مع دكتور «عادل شعبان»
منسق «مشروع المنيا متعدد الأهداف» الذي يستهدف تحسين
أوضاع المرأة في أربع قري بالمحافظة هي قري «صفانية - غرب
الثوابت - تونا الجبل - دير البدرمان» ويقوم المشروع علي
تمكين المرأة اقتصاديا بالإقراض المتناهي الصغر ومحو
الأمية، رفع كفاءة الجمعيات الأهلية، وبرنامج للتوعية
الحقوقية والصحة الإنجابية، مع التنسيق بين كل الهيئات
التي تعمل في التنمية.
ميزانية .. ولكن وقد رصد المجلس القومي للمرأة للمشروع ميزانية تصل إلي
7 ملايين جنيه خصص منها ثلاثة ملايين جنيه لبرنامج الإقراض
والأربعة المتبقية لبقية أهداف المشروع، الذي أنهي مرحلة
جمع وتسجيل البيانات في القري وقد توصل من خلال المسح إلي
أن متوسط عدد الأسر من 5 إلي 10 أفراد، وإلي أن 23% يتزوجن
في سن من 12 إلي 15 سنة، وأن الختان يصل إلي 100% من
الإناث، بينما يتسرب من التعليم الأساسي 25% من التلميذات
في المحافظة والمشاركة السياسية للنساء لا تتجاوز 2%
وتتعرض 24% من النساء للضرب من أزواجهن، وتصل الأمية بين
النساء وفقا لنتائج المسح العام إلي 53% وترتفع في قرية
البدرمان إلي 66%.
أسئلة معلقة وقد فجرت أرقام المسح وأيضا المشروع كله أسئلة ستظل
معلقة في رقاب واضعي سياسات الحكم فما معني أن يتسرب 25%
من الفتيات من التعليم الأساسي في القري الأربع بينما تنفق
الملايين لمحو أمية النساء مقدمة من المجلس القومي للمرأة
غير ملايين أخري تنفقها هيئة محو الأمية التي أنشأت خمسة
فصول لمحو الأمية في كل قرية أليس من الأجدي أن نبحث عن
أسباب التسرب من التعليم بدلا من إهدار هذه الملايين خاصة
مع إشارة الدكتور «عادل شعبان» إلي مشكلة تواجه عملية محو
الأمية وهي الارتداد للأمية!!
كما وضع البرنامج المحدد للإقراض والذي لم يبدأ بعد قضية
الإقراض متناهي الصغر في الوضع الذي يوصف معه بقروض تثبيت
الفقر فهذه القروض مهمتها توفير الحد الأدني للبقاء علي
الحياة، حيث تقدم للمعدمات من نساء لا يملكن قوت يومهن
ويقمن بإعالة أسرهن وتستثمر القروض المقدمة بفائدة 5% في
بيع الخضار، والبقالة وتربية الدواجن، إذا فهذه الملايين
التي تمزق توزيعا لمشروعات - تجاوزا نسميها مشروعات - لن
تحل كارثة الفقر والإفقار بشكل جذري ومنتج بل ستبقي علي
الفقر والفقراء في دائرة مفرغة لن تتجاوز سد الرمق بالعيش
الحاف.
الكشك الصعيدي وفي اللقاء باللواء «حسن حميدة» محافظ المنيا كان
الحديث بلغة الأرقام من جانبه وقد بدأ حديثه بعد الترحيب
بالضيوف بالإشارة إلي أن المنيا هي أول محافظة تنشئ إدارة
لشئون المرأة وإدارة للتعاون الدولي حيث يتم التعامل مع 76
دولة مانحة، وأكد أنه لا يتعامل إلا بلغة الأرقام من خلال
مركز معلومات المحافظة، الذي قام بالإجابة عن 112 سؤالا
خاصة بالأسرة وكل قرية ومواردها والبنية الأساسية هادفا
إلي عمل قاعدة معلومات شاملة كل صغيرة وكبيرة بالمحافظة
تقدم بالأرقام؟
وقد استوقفنا عرض المحافظ للمشاريع الأساسية أو التنموية
في المحافظة وإلحاقها أو سبقها ب«الدولة المانحة» وذكر أن
المنيا حصلت علي 970 مليون جنيه منحا من «الدول المانحة»
خلال السنوات الخمس الماضية وإن الدول المانحة قدمت قروضا
للمشروعات متناهية الصغر في عام 2005 ب 33 مليون جنيه.
وعن القروض والمشروعات التي استخدمت فيها والتي قدمتها
«الدول المانحة» أشار إلي إقراض النساء المعيلات لأسرهن
خمسة آلاف جنيه لشراء بقرة أو جاموسة، كما أشار إلي أحد
المشروعات الناجحة وهو مشروع إنتاج وتصنيع «الكشك الصعيدي»
وبعد أن شرح كيفية تصنيعه من القمح واللبن انتقل إلي
التطور المنتظر للمشروع بوضعه في موقع علي «النت» وإنشاء
مصنع بمواصفات معينة بالسيراميك بهدف التوسع في إنتاجه
بغرض التصدير للخارج وهكذا سنصبح من مصدري الكشك الصعيدي
بفضل قروض الدول المانحة.
وعن البنية الأساسية فقد ذكر أن الدول المانحة منحت منحا
للبنية الأساسية من مياه وكهرباء وصرف صحي للقري وتسهيلا
علي المواطنين فسوف يتم إدخالها إلي بيوتهم مقابل دفع
تكاليف إدخالها للبيوت بأقساط مريحة وميسورة.
ولا نعرف ما هي الميسورة تلك في محافظة تعد من المحافظات
الأكثر فقرا والأدني في التنمية وفقا لتقرير التنمية
البشرية الذي أكد المحافظ أن مثل هذه التقارير تفيده في
تفاوضه مع ممثلي الدول والجهات المانحة للحصول علي منح
للتنمية!!
وأجاب عن معلومة أن أقل نصيب من مياه الشرب للفرد في
الجمهورية في المنيا بينما نهر النيل يترقرق أمام أهلها
بأن هناك مشروعين لمحطتين سوف يتم إنشاؤها بمنحة من
الوكالة الأمريكية وعن سوء طعم المياه فسر ذلك بأن
المواطنين لم يتعودوا علي طعم المياه الحلوة وعن معلومة
أخري وهي ارتفاع نسبة هجرة الشباب من المنيا للمحافظات
الأخري قال: أنا سعيد جدا إن شباب المنيا بيخرج ويسعي
للرزق ومش متكاسل وقاعد في المنيا»
منح في منح وبعد استقبالنا بالزغاريد من النساء في مقر جمعية
تنمية المجتمع المحلي بقرية صفاينة ومركز ومدينة العدوة
وبعد توزيع الجاتوهات و«الحاجات» الساقعة وتقديم إنجازات
الجمعية من تقديم قروض منها.. مليون جنيه من الصندوق
الاجتماعي، ومليون و 158 ألف جنيه من «مشروع متعدد الأهداف
للتنمية والنهوض بالمرأة في المنيا» ومنحة 500 ألف جنيه من
المجلس القومي للمرأة قروضا متناهية الصغر بفائدة 5% تسدد
علي 14 شهرا تعود بعد سدادها للجمعية لإعادة تدويرها، كما
حصلت الجمعية علي منحة كندية 15 ألف جنيه لتركيب عدادات
مياه بالبيوت.
طبعا لن نقول إذا كانت الحكاية كلها منح في منح طيب الدولة
بتعمل إيه لأننا نعرف ماذا تفعل دولتنا!!
خرجنا من وسط القاعة التي أعدت لاستقبالنا بالميكروفونات
ولافتات الترحيب وحولنا نساء ورجال كان قد تم جمعهم
لاستقبالنا وقالت إحداهن لنا: «قالوا لنا تعالوا دول
جايبين القروض وجايين علشان يوزعوها عليكو!».
ومن خلفها قالت سيدة كانت تحاول الاقتراب: «قروض إيه إللي
حناخدها إحنا حنقدر نسدد منين افرضي الجاموسة ولا الفراخ
ماتت أسدد منين، أنا مش عايزة قرض أنا عايزة شغل لولادي
الخمسة إللي خلصوا تعليمهم وقاعدين جنبي».
رائحة الفقر المهين وفي بلدنا وفي القرن الواحد والعشرين وفي عصر الحكومة
الإلكترونية والقرية الذكية تشم رائحة الفقر تصفع الضمائر
التي نامت فقر في الوجوه وفي الأزقة الضيقة والبيوت التي
لا تتجاوز مساحتها 30 مترا يعيش فيها ما لا يقل عن عشرة
مواطنين بلا دورة مياه إنها قرية «أبشادات».
خرجنا بعد الاستقبال و«الحاجة» الساقعة محاطين بالتنفيذيين
والأمن المعلن والمتخفي سائرين في حواري ضيقة كل البيوت
توشك أن تختنق علي من فيها وقفت أمام بيتها سيدة لن أقول
«مسنة» فالأعمار لا يمكن تقديرها فالفقر يأكل العمر ويضيف
ثقله علي السن والصحة والوجوه وعلي العيون الملتهبة
المغمضة علي صديد يحيط بها، وعلي أفواه تفتح في خجل بصوت
منخفض مالت علي واحدة من النساء «يا ست أنا عايزة محل بس
مش عايزة غير محل» ولما سألتها عن نوع المحل الذي تريده
أنا معتقدة أنها تريد محلا للتجارة ولكنها أدركت أنني لم
أفهم ما تريده شدتني من يدي إلي داخل ما يطلقون عليه بيتا
وقالت: «أنا عايزة محل أدب يا بنتي كل البيوت ليس فيها
محلات أدب» أي دورات مياه ويقضون حاجتهم في صفائح يحملونها
في المساء لإفراغها في الخلاء.
نساء يعشن في بيوت طوبها وجدرانها من الفقر لم نر سريرا
ولا كنبة ولا فرشة لا يتجاوز دخلهن 80 جنيها معاش الضمان
الاجتماعي، لم نر رجالا فهم يعملون عمال تراحيل واليومية 8
جنيهات، المثير للدهشة أننا لم نصادف في الشارع لا بطة ولا
فرخة كما اعتدنا أن نري في قرانا سألت واحدة من ساكنات
بيوت القهر فقالت: «ما هي الفراخ عايزة تاكل واحنا ما
عندناش أكل يشبعنا ويفيض علشان نديه للفرخة».
صناعة الفقر
وفي قرية إيزادورا «شهيدة» الحب التي غرقت في النيل أثناء
عبورها لشطه الآخر للقاء حبيبها قبل عدة قرون سابقة علي
دولة القرية الذكية في قرية تونة الجبل وبعد الاستقبال
الرسمي و«الحاجة» الساقعة والجاتوه، وفي الشارع التف حولنا
نساء أكلهن الفقر وكثرة الإنجاب والطلاق امرأة عمرها
ثلاثون عاما لديها خمسة أطفال مطلقة وأمها عمرها ثمانية
وأربعون عاما ومطلقة، وامرأة وراء الأخري كلهن مطلقات
وكلهن تتراوح أعمارهن بين العشرين والخمسين، حتي ابنة
العشرين المطلقة تحمل علي صدرها طفلا وتجر خلفها اثنين
كلهن يصرخن من الفقر كلهن نساء فالرجال في السخرة أو في
رحلة الهروب من الفقر صرخن بعد أن خرجنا للشارع ذلك الشارع
الذي يقع في مدينة المنيا التي احتضنت دعوة إخناتون والسيد
المسيح وعشش فيها الفقر لدرجة جارحة ومهينة تدفعنا للصراخ
مع نساء المنيا ونطالب بمعرفة أين تذهب كل هذه الأموال
التي سمعنا أرقامها؟ أين تذهب أموالنا؟!.
وهنا بكل قوة نتساءل كيف ينام حكام هذا البلد وهم يعرفون
حجم الذل الذي يعيش فيه فقراؤه؟
يبدو سؤالا ساذجا فنحن نعرف الإجابة ،إنها سياسات المنح
والقروض المتناهية الصغر.. قروض صناعة الفقر وتثبيته
وترسيخه وتأكيده....!