يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1248 (5 أكتوبر - 12 أكتوبر) 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

قضية للمناقشة

 
 

محنة المسرح

 
 

فريدة النقاش

 

 
قال الدكتور «مارك هول أميتين» المسرحي الأمريكي ورئيس لجنة التحكيم للدورة السابعة عشرة لمهرجان القاهرة للمسرح التجريبي في كلمته الختامية للمهرجان «لقد تناولت الفرق المشاركة كثيرا من القضايا المهمة بالنسبة للمجتمعات كافة، ونحن جميعا ندعم هذه القيم الرفيعة وهي حرية التعبير الفكرية والثقافية، ووضع حد للحرب والعنف والاستغلال والمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة وحماية البيئة0وقد طرحت العروض الكبري في هذه الدورة القضايا المشار إليها بأرقي الأشكال الفنية وأجملها وأكثرها تكاملا من كل النواحي، بل إن العروض التي لم تتوافر لها الحرفية قدمت علي الصعيد الفكري رؤي عميقة لا فحسب حول وجود الإنسان في هذا العالم ومخاوفه العميقة من المجهول واللامرئي بل أيضا حول الاستبداد والقمع والدولة التسلطية والقهر الاجتماعي فجاءت مقاومة لكل ما يشد الإنسانية إلي الخلف ويعوق تأسيس اليوتوبيا الفاتنة للعدالة والمساواة والحرية والكفاح من أجلها حتي يتوصل البشر في المجتمع الجديد المقبل إلي مراعاة كل الشروط الأولية للحياة والإقبال علي العطاء دون حساب للمنفعة الشخصية لأن ما هو شخصي سوف يصبح عاما والعكس بالعكس00وفي الزمن المقبل الذي لم تتوقف البشرية عن أن تحلم به وتكافح من أجله حيث يجاهد الإنسان منذ خطا علي الأرض لكي ينتصر علي الوحش ويصبح إنسانا حقا في هذا الزمن الجميل القادم حيث تقوم المدينة الفاضلة علي أطلال العالم القديم، عالم الانقسام الطبقي والاستغلال واستعباد الإنسان للإنسان00 سوف تظل بقايا القديم عالقة في الجديد، وهنا يمكن أن نكتشف أحد أسرار فتنة المسرح الحقيقي الذي يقف علي أرضية هذا التوتر العالي بين شوق الإنسان للانعتاق وقوة الجاذبية الأرضية إذا جازت لنا هذه الاستعارة00 والجاذبية الأرضية هنا هي الخيوط التي تشد إلي الماضي حيث يجثم الأموات علي صدور الأحياء كما يقول «ماركس»0
وفي العرض المصري «حارة عم نجيب » الذي أعده وأخرجه ولعب الدور الأول فيه الفنان أحمد حلاوة طرحت قضية سطوة الماضي علي الحاضر وهيمنة القديم علي الجديد رغم عنفوان الأخير وهي واحدة من القضايا الأساسية في الوطن العربي كما في عالم «نجيب محفوظ» قدمتها الفرقة التي تداخلت في عملها مستويات ثلاثة بمهارة فائقة حين أصبح غناء «محمد عزت» وموسيقاه وفريقه جزءا من نسيج العمل شأنه شأن ألعاب الأراجوز التي قصد منها السخرية من العالم القديم، ولم تجد لجنة التحكيم ما يكفي من عناصر التجريب في هذا العرض لمنحه إحدي جوائزها رغم تميزه وجرأة إشاراته السياسية والأداء الرفيع لبطليه أحمد حلاوة ويوسف رجائي0
بينت الدورة أيضا أن المسرح مازال عاجزاً عن حل المعضلات الكبيرة للتنافس مع الوسائط الأخري وخاصة السينما والتليفزيون وحدث إسراف في بعض العروض في استخدام التقنيات الحديثة بينما جنحت أخري لما أسميه بالشعرية الصامتة من علاقة الإنسان بالمجتمع وبالوجود وبصخب العالم وعنفه والفوضي الضاربة فيه، وكانت هناك عروض قليلة قد نجحت في الاحتفاظ للنص المسرحي بقيمته وشعريته الخاصة مع تقنيات جديدة في الإضاءة واستخدام المفردات الأخري مثل الموسيقي والديكور والتكوين الجماعي وشكل الحركة والعلاقات، وبقيت الإشكالية قائمة حتي إن المسرحي والشاعر اللبناني «بول شاءول» قال في إحدي الندوات باختفاء الإنسان من المسرح الحديث لصالح التقنية0
أما تلك العروض التي حركت المشاعر وهزت القلوب فكان الإنسان فيها أعلي كثيرا من التقنية وهي رسالة لكل فناني المسرح الذين يبحثون عن حل خلاق للإشكالية0 ونحن نتذكر هنا قول الناقد الاشتراكي جورج لوكاش «في كل فن جميل أبحث عن الإنسان»
لم يكن حادث بني سويف الفاجع مخيما علي المهرجان فقط بسبب من فقدناهم من المسرحيين والمتفرجين ولكن أيضا وهو الأهم بسبب المفارقة المذهلة بين المهرجان الذي تتوافر له إمكانات هائلة، وبين ما يكاد يكون موتا للمسرح المصري بسبب شح الإمكانات وإهمال الدولة المشين لفرق الأقاليم والتي حرمت كلها من الاستفادة من المهرجان الذي قاطعه غالبية المسرحيين المصريين والشباب منهم بخاصة، وكانت قاعات العروض تكاد تكون خاوية باستثناء الصغيرة جدا منها لولا دعوة الفرق - والعربية علي نحو خاص- لأصدقائها ومحبيها0
قال المسرحي الفرنسي الراحل «جان فيلار» مؤسس مهرجان «أفينيون» إنني بعد تجربة طويلة مع المسرح تبين لي أن هذا الفن الجميل يمكن أن يزدهر ويؤتي ثماره في مجتمع صحي أما إذا كان المجتمع مريضا فسوف يظل المسرح يخسر كثيرا وسوف يبقي عاجزا عن الوصول إلي جمهوره الحقيقي، وقد حلم «برتولد بريخت» بجمهور كرة القدم لأنه الجمهور الحقيقي للمسرح0
ويضرب مرض عضال جسد المجتمع المصري روحيا وعضويا فما أتعس هذا الفن الجميل00 فن المسرح الذي طالما حلم فنانوه العظام بتغيير العالم القبيح، وجعل اليوتوبيا تمشي علي قدمين0
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة