وافق الشعب الجزائري بأغلبية ساحقة علي ميثاق «السلم
والمصالحة الوطنية» بنسبة 36.97%، ومشاركة 6.14 مليون
مواطن من الذين لهم حق الاقتراع وعددهم قرابة 18 مليونا.
وهذه النسبة الهائلة تعتبر انتصارا سياسيا مهما للرئيس
عبدالعزيز بوتفليقة، الذي وضع ثقله وكذلك ثقل الدولة
بمؤسساتها المختلفة وفي المقدمة الجيش من أجل إنجاح هذا
الميثاق وضمان أكبر تأييد شعبي له.
وينص الميثاق علي عدة بنود ستتحول إلي قوانين في وقت لاحق،
في المقدمة منها إغلاق ملف الجماعات الإسلامية المسلحة
التي لجأت إلي الجبال، ودعوتها لإلقاء السلاح وإنهاء كل
صور العنف مقابل العفو التام عنهم، وإعادتهم إلي وظائفهم
وإعادة تأهيل الباقين منهم ودمجهم في المجتمع.
ويمنع القانون الجديد عودة هؤلاء إلي العمل السياسي تحت أي
غطاء بدعوي أن الجماعات المسلحة استخدمت الدين لإثارة
العبث وبث قلاقل مزعجة في البلاد وعليها أن تدفع الثمن
وبالتالي فالمعروض صفقة للمصالحة وإغلاق صفحة الماضي التي
استمرت 14 عاما في ظل حرب أهلية طاحنة قتل خلالها أكثر من
150 ألف جزائري، علاوة علي اختفاء الآلاف يقدر عددهم
بحوالي 20 ألفاً آخرين لا يعرف مصيرهم حتي الآن.
المعارضة وعلي الرغم من هذا التأييد الكاسح لمشروع المصالحة،
فإن قوي معارضة كثيرة أعلنت منذ اللحظة الأولي رفضها
للمشروع علي أساس أنه يغلق الأبواب أمام محاكمة مجرمين
سواء داخل النظام أو في أوساط الجماعات المسلحة ويساعدهم
علي الإفلات بجرائمهم.
والنقطة الأخري في أسباب المعارضة استمرار اعتقال قيادات
إسلامية من جبهة الإنقاذ التي أعلنت سنة 1999 التخلي عن
العمل المسلح ورغم ذلك فإن أهم قياديها مازالوا رهن
الاعتقال حتي الآن مثل «علي بن حاج».
ورفضت القوي الاشتراكية الاستفتاء من أصله لقناعتها بأن
هناك مسئولين كباراً في النظام مسئولين بدرجة أكبر من
الجماعات المسلحة عن ارتكاب أعمال عنف وجرائم يجب ألا
يفلتوا بها في ظل قانون المصالحة وتسبب هؤلاء في تكبيد
الجزائر الخسائر البشرية الهائلة وخسائر مادية فاقت 30
مليار دولار.
وأكد زعيم جبهة القوي الاشتراكية حسين آيت أحمد وهو أحد
القادة التاريخيين للثورة الجزائرية وينتمي إلي التيار
القبائلي «أن الجزائر لا تحتاج إلي استفتاء مزور جديد»
مؤكدا أن السلم الدائم والمصالحة لا يمكن أن يتحققا
بقرارات ومبادرات فوقية، بل يتم تجسيدها من الإرادة
الشعبية للجماهير، وأن تساهم في تحقيقها الأطراف السياسية
والاجتماعية الفاعلة وكل ضحايا المأساة الوطنيين وعائلات
المفقودين.
كما تري تلك الجبهة أن وثيقة المصالحة تعالج الأزمة
الأمنية فقط من دون معالجة الجوانب الحقيقية للأزمة، مثل
عمليات الاغتيال السياسية والانقلابات وعمليات التزوير
ومصادرة نتائج انتخابات 1992 التي فازت بها جبهة الإنقاذ.
ومعارضة الجبهة، للقوي الاشتراكية كانت متوقعة، وهو ما
انعكس في نسبة الإقبال الضئيلة في بعض مناطق القبائل،
وبالطبع فإن أسباب رفض الدولة الاعتراف بالأمازيجية «لغة
القبائل» كلغة وطنية رسمية والاقتصار علي الاعتراف بها
والسماح بتدريسها، يعد أهم أحد أسباب المعارضة القبائلية
لمبادرة بوتفليقة.
الخطوة القادمة وإذا كانت الحكومة قد هونت من شأن المعارضة لمشروع
المصالحة في إطار نتائج الاستفتاء الكاسحة، فإن عليها أن
تستغل هذا التفويض الشعبي الهائل للمضي قدما في عملية
المصالحة وتحقيق السلام الوطني.
وهي عملية ستحتاج إلي إصدار قوانين إدارية داخلية لاستيعاب
آلاف المسلحين في المجتمع، والأهم من ذلك توفير بيئة فكرية
سياسية تسمح بنجاح عملية الدمج تلك، صحيح أنه تمت عمليات
«مراجعة» مثل التي قامت بها الجامعات الإسلامية في مصر،
إلا أن هذه العملية لم تصل إلي درجة التوافق مع سياسة
الدولة في ظل وجود استقطاب آخر يتزايد للجماعات السلفية
التي أعلنت رفضها نتائج الاستفتاء وهددت بتصعيد عملياتها،
ولم تنس الإشادة بأبي مصعب الزرقاوي وأسامة بن لادن.
وهذا التيار المتصاعد قادر علي أن يحل مكان الجماعات
المسلحة التي قد تلقي السلاح وتستفيد من العفو، وخاصة أنها
قد تنتهج طريق العمليات الانتحارية التي يقوم بها تنظيم
القاعدة، وهي عمليات لا يمكن لأي قوة أمنية إيقافها.
وهناك المعارضة السياسية للنظام نفسه، حتي داخل حزب جبهة
التحرير الجزائرية، حزب الاستقلال والكفاح الذي أصبح في
المعارضة بعد أن تركه «بوتفليقة»، وأصبح نهبا للانشقاقات
والصراعات.
علي خطي مانديلا
ويأمل بوتفليقة رغم كل تلك الأجواء أن تنطلق عملية
المصالحة في ظل نتائج الاستفتاء، وأن يتم إغلاق صفحة الحرب
الأهلية الدامية علي قاعدة من الاعتراف بالذنب المتبادل،
وهو ما فعله زعيم جنوب أفريقيا الأسطوري نيلسون مانديلا،
حين فتحت محاكم للاعتراف من أجل راحة الضمير، وأتاحت
الفرصة للقاتل والمجرم أن يكفر عن أخطائه ويقدم اعتذارا
للضحايا، ولأهالي الضحايا والشعب كله إلي أن يقدم الصفح
والسماح ويقبل بدمج المجرمين السابقين في المجتمع من جديد.
وفي المغرب عملية اعتراف مماثلة، حيث تم فتح ملفات التعذيب
البشعة التي تمت في أيام الملك الحسن الثاني ونالت الآلاف
من المغاربة، وهي تجربة تتم علي خطي مبادرة بوتفليقة
واعتذارات الفاتيكان والكنائس الكبري.
يبقي هل تنجح تجربة الجزائر ويسود السلام والصلح وتغلق
صفحات الحرب الأهلية الدامية، إذ هل يكفي الصلح والعفو
للبدء في فتح صفحة جديدة في الجزائر.. هذا ما سوف تظهره
الأحداث القادمة.