يمثل الرئيس الراحل جمال عبدالناصر حالة خاصة في الوجدان
الشعبي المصري، فهو زعيم الثورة الأول الذي غير وجه الحياة
الاجتماعية والسياسية في مصر، من خلال ما أعلنه وما طبقه
من مبادئ أرست قواعد الحرية والعدل والمساواة بين أبناء
الشعب الواحد.
لذا كان فراقه بمثابة حالة من الأسي عمت أبناء الوطن فكان
يوم الاثنين 28 سبتمبر 1970 يوم حداد جماعي، وفي جنازته في
الأول من أكتوبر كانت الملايين تسير في الشوارع من رجال
ونساء وشيوخ وأطفال وشباب تبكي قصة الأمل الذي انهار، ومع
هذه الجماهير التي كانت تردد اسم البطل الراحل في عبارات
وشعارات تخلد ذكراه كان هناك نشيد واحد تردده الجموع
الغفيرة من المواطنين وهو:
الوداع يا جمال.. يا حبيب الملايين
ثورتك ثورة كفاح.. عشتها طول السنين
الوداع
انت عايش في قلوبنا.. يا جمال الملايين
انت ثورة إنت جمرة.. لاجل كل الشقيانين
الوداع
يا فقير يا بن الفقير.. إنت أب الكادحين
يا جمال
إنت نوارة بلادنا.. واحنا شوقنا الحنين
يا جمال
إنت قلة مية صافية.. تسقي كل العطشانين
إنت عصفور الكناريا.. لأجل كل الحزنانين
يا جمال
إنت قنديل الغلابة.. تهدي كل المحرومين
يا جمال
إنت ريحة زكية.. في قلوب الفلاحين
إنت جمعت بعزيمتك.. النفوس الغضبانين
يا جمال
يا رسول الإنسانية.. لأجل كل المحتاجين
يا جمال
سنكافح سنكافح.. رغم كل الحاقدين
سنقاتل سنقاتل.. يا شباب الناصرين
يا جمال
ورغم أن هذا الهتاف الشهير يتذكره الكثيرون من محبي
عبدالناصر نظرا لأن الجموع الغفيرة التي حضرت موكب الجنازة
والذي بلغ اتساعه ما يقرب من 40 كيلومترا، إلا أنه ليس
مجهول المؤلف كمعظم الهتافات، فما هي حكاية هذا الهتاف
الأقرب إلي بنية الأغنية؟.
أثناء تصفحي لبعض الأوراق القديمة عثرت علي حوار مع الكاتب
عبدالرحمن عرنوس أجرته معه جريدة «الطلاب» التي أسسها
عبدالناصر وكانت لسان حال الاتحاد العام لطلاب الجمهورية
العربية المتحدة - هكذا كتب علي الترويسة الرئيسية للجريدة
- في عددها الصادر في 10 أكتوبر 1970، وفي هذا الحوار الذي
أجراه «شريف باشا» يحكي «عرنوس» عن ميلاد هذا النشيد
الجنائزي فيقول: «إن لحن هذا النشيد وكلماته ولد من الشعب
وإلي الشعب، وفي ميدان طلعت حرب حيث كانت تمر العديد من
المواكب التي كانت لا تنقطع طوال اليومين السابقين
للجنازة».
فمن شارع سليمان باشا حيث كان يتقدم موكب من الشباب وهم من
عمال وفلاحين، وممسكين في أيديهم أغصان شجر وجذوع نخل،
وكانوا يرددون لحنا فرديا علي وزن:
يا عزيز يا عزيز.. ضربة تطلع الإنجليز وكانت كلماته تقول:
الوداع يا جمال.. أودعناك عند الرحمن
وبعد ذلك تحولت كلمة أودعناك علي اللسان الشعبي الدارج إلي
«ودعناك»، ومن شارع الانتكخانة كانت تسير «مندبة» حزينة
تضم عددا كبيرا من النساء يصرخن - بشدة - وكنا يرددن:
مصر خسرت.. مصر خربت
يا حبيب الغلبانين
ونلاحظ أن الإيقاع في هذه الشطرة هو نفس ذات الإيقاع
الحزين الجنائزي في المقطع الأول الذي يقول «الوداع يا
جمال الوداع».
ومن شارع قصر النيل كان يسير موكب لا نستطيع أن نصف شكل
الجلال المهيب الذي كان يشعر به الرائي، وهو موكب يضم
مجموعة من القساوسة وقد كانت هذه المجموعة تسير بخطوات
جنائزية، وفي هذه الأثناء كنت أقف مع مجموعة من الشباب لا
أعرفهم في انتظار مجموعة من «شباب البحر» الذي كانوا
متخصصين في كتابة الشعارات والنزول بها إلي الجماهير.
ويضيف عرنوس وفي أثناء انتظاري للزملاء فوجئت، بأن أحد
الشباب كان يترنم قائلا: «يا جمال يا حبيب الملايين»
فأمسكت بالزميل وبدأت أترنم بأغنية «يا جمال يا حبيب
الملايين» فتجمع حولنا عدد كبير من المواطنين، بعد ذلك
فوجئنا بالجماهير كلها تلتف حولنا وتردد معنا:
ثورتك ثورة كفاح - عشتها طول السنين
وكانت تنوع فتقول مرة «عشتها» ومرة أخري «عشناها» دلالة
علي التوحد بين القائد والأمة بين الجسد والروح.
وكان هذا الموكب في مساء الأربعاء 30 سبتمبر أي قبل
الجنازة بيوم، ومن ثم خرجت مجموعة من فرقة «شباب البحر»
وهم خليل جادالحق، وحاتم زهران، وعادل الروسي، والسعيد
مصطفي، وأحمد عسل، وحسين عفيفي إلي الشارع وهم يرددون
الأربعة كوبليهات الأولي من اللحن في وسط شارع شامبليون،
وسرعان ما حفظت الجماهير التي شاركت في الجنازة هذا اللحن
الهتاف.
ويضيف «عرنوس» وتخليدا لذكري الزعيم الراحل جمال عبدالناصر
فقد غيرت «فرقة شباب البحر» بعد ذلك اسمها إلي «فرقة شباب
ناصر» وذلك لأن أعضاء الفرقة الثمانية عشر كلهم من الشباب
الناصري.
وفي نهاية حواره مع جريدة الطلاب يؤكد عبدالرحمن عرنوس -
الذي كان وقتها معيدا بالمعهد العالي للفنون المسرحية -
أنه ليس شاعرا ولا زجالا وإنما يقول كلمة من الإحساس..
إحساس الجماهير ويضيف قائلا «كلماتنا ليست مدروسة الدراسة
الأكاديمية السليمة، وأنا أرفض أن يقال علي شاعر وملحن،
فأنا أولا وأخيرا ممثل، وزملائي هؤلاء مجموعة من الشباب
المتحمس أبناء بورسعيد، الذين أوجدتهم الظروف في القاهرة.
وإن كل أعمالنا من الشعب، وفي حدث المغفور له جمال
عبدالناصر كنت مازلت متأثرا بالإيقاع السريع، ولكن
الجماهير عدلته إلي الإيقاع البطيء، وهذا يؤكد أننا نأخذ
من الشعب ونعطي للشعب».
تعليق:
أردت هنا من إيرادي لكلام «عرنوس» أن أؤكد علي الفعل
الشعبي القائم علي إدراك حقيقي للظرف التاريخي، وأن الهتاف
والشعار إنما يملك مصداقيته بما يحمله من أحاسيس ومشاعر
إنسانية في الأساس، فتأتي كلماته أشبه برؤية صوفية عميقة
حيث يتحد اللفظ مع المعني في تواشج حميم.
هتافات أخري
وعلي طول البلاد وعرضها كانت هناك هتافات أخري تحمل فطرية
وبراءة الأداء الشعبي، مع الإحساس بعمق المأساة، ومنها:
لا إله إلا الله.. عبدالناصر حبيب الله
بالجيش بالشعب.. حنكمل المشوار
ابكي ابكي يا عروبة.. علي اللي بناكي طوبة طوبة
عبدالناصر ساب وصية.. خلو بالكم من الفدائية
ابكي ابكي يا بنات.. علي اللي بنالكم سد ومات
ورغم أن الموقف كان يدعو إلي الأسي، وكان يقتضي - كعادة
مثل هذه الأمور - أن ينظر الهاتفون إلي ماضي الزعيم الراحل
- فقط - لكن الجماهير المكلومة تودع جمال بقلبها وتنظر
بعيونها إلي الخطر الصهيوني، مستدعية كلام الزعيم عن ضرورة
المواجهة والتضحية من أجل الوطن، ودفع الغالي والثمين
لتحقيق حلم الحرية.
ولذلك رأينا هتافات تدعو إلي التصدي للعدو الإسرائيلي مثل:
يا ديان.. يا ديان.. عبدالناصر في الميدان
من أسوان لبورسعيد.. حتكون القوة من حديد
أغلي أغلي يا قنال.. مصر لسه فيها جمال
ناصر قال لنا تار.. إسرائيل علي خط النار
نام وارتاح يا جمال.. واحنا حنكمل المشوار
عبدالناصر يا شهيد.. عن مبادئك ما بنحيد
عبدالناصر يا حبيب.. عمر الثورة ما هتخيب
يا استعمار ما تفرحشي.. عبدالناصر لسه ما ماتشي
عبدالناصر يا بن مصر.. مين حيخطب يوم النصر
يا شباب يا شباب.. أوعوا تقولوا إنه مات
بالجيش بالشعب.. حنكمل المشوار
تداعيات النكسة
ولم تكن هذه هي المرة الأولي التي هتفت بها الجماهير باسم
«ناصر» فبعد هزيمة 5 يونيو 1967 والتي كانت بمثابة انكسار
للحلم القومي صاحبه انكسار أكبر في الوعي الشعبي، فالشعب
الذي آمن بمنجزات الثورة وعاش أحلامها، وراح يتطلع إلي
المزيد من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وكل المفاهيم
الاشتراكية التي روج لها «عبدالناصر» ورفاقه فجأة استيقظ
علي كابوس مرير حين انكشف اللثام عن تاريخ من الأكاذيب حول
القوة العسكرية المصرية التي لم تصمد أمام الجيش الصهيوني
سوي دقائق قليلة، بعدها فتح الستار عن أصعب كوميديا سوداء
شهدتها مصر في تاريخها الحديث. ولم يكن المواطن العادي
بعيدا عن الأحداث، فما من بيت - علي امتداد الوطن - إلا
واستشهد أحد أبنائه في حرب أقل ما توصف به أنها «حرب
الخدعة الكبري».
وفي 9 يونيو 1967 ونتيجة للغضب الجماهيري أعلن الرئيس
الراحل «جمال عبدالناصر» تنحيه عن السلطة وأنه علي استعداد
لتحمل مسئولية الهزيمة كما ورد في خطاب التنحي. لكن
الجماهير خرجت من كل مكان تعلن ولاءها لعبدالناصر والتمسك
به رئيسا وقائدا، وكان من نتيجة ذلك أنه عدل عن رأيه نزولا
علي رغبة الجماهير.
وقدحفلت المظاهرات الموالية «لجمال عبدالناصر» - في تلك
الأيام - بمجموعة من الهتافات، لعل أشهرها:
عبدالناصر مية مية
وهو الهتاف الذي تردد في ربوع مصر بعد أن أعلن «ناصر»
ترشيح زميله زكريا محيي الدين رئيسا للجمهورية بدلا منه.
فما هي قصة هذا الهتاف..؟!!
القصة يرويها لنا «محمد سعيد» الأمين العام المساعد لحزب
التجمع - مؤلف الهتاف - والذي يبدأ كلامه قائلا: «منذ عام
1956 وأنا أخرج في مظاهرات رغم أن عمري وقتها كان عشر
سنوات فقط، وهي مظاهرات منظمة كانت تقام لتأييد عبدالناصر
كرمز مصري في مواجهة العدوان الثلاثي، وكنا نردد هتافا
شهيرا هو:
إيدن مات يا جمال
ودفناه في القنال
وفي 9 يونيو 1967 كنت - وقتها - موظفا في التأمينات، وحين
سمعنا خطاب التنحي اتفقنا أنا ومجموعة من الشيوعيين
والماركسيين ومنهم فرنسيس لبيب عضو لجنة شهداء اليسار،
وممتاز فرغل من مركز البداري بمحافظة أسيوط، وزكي مراد
وآخرون، الذين اقترحوا أن نقف علي باب هيئة التأمينات
ونبدأ في عمل مسيرة، وبالفعل استجاب لنا «ألفونس شحاتة»
مؤسس التأمينات في مصر فخرجنا من عمارة قوت القلوب بشارع
26 يوليو، ثم مررنا علي مكاتب التأمينات المجاورة، وخرجنا
في جماعات متتالية حتي وصلنا إلي «وسط البلد» فالتحمنا
بالآلاف من الجماهير، واتفقنا أن نسير في مظاهرة حاشدة حتي
بيت الرئيس «عبدالناصر» وبالفعل تحقق ما أردنا، وقد وجدتني
- في لحظتها - أؤلف هذا الهتاف السابق، تعبيرا عن موقفنا
تجاه هذا الزعيم الرمز التاريخي الذي لا ينسي».
هتافات أخري
وقد حفظت لنا الذاكرة الشعبية مجموعة من الهتافات
والشعارات التي توافقت مع الحدث، وكانت تحمل في طياتها
خطابات محبة لعبدالناصر، بما فيها من روح كلاسيكية وعبارات
شفيفة صاغها الوجدان الشعبي من مثل:
مكتوب علي قلوبنا
عبدالناصر محبوبنا
مكتوب علي إيدينا
عبدالناصر في عنينا
أنور أنور يا سادات
إحنا اخترنا جمال بالذات
ومن الهتافات البارزة في تلك الفترة - فترة ما بعد هزيمة
يونيو - شعار شهير يندد بالسياسة الأمريكية المعادية
للعرب، والموالية لإسرائيل وهو «ولا يهمك م الأمريكان يا
ريس». ونجد أن هذه الهتافات وغيرها قد تمحورت في أغان
شهيرة لعبدالحليم حافظ وأم كلثوم ووردة الجزائرية، وقد
استلهم الشعراء روحها وهي ميزة لمؤلفي الأغاني في تلك
الفترة حيث الاقتباس من الوعي الجماهيري.