الآباء والأبناء يبحثون عن عائل بعدما فقدوا الأمل في وعود المسئولين
عمرو عبدالراضي - أميرة عبدالسلام
عندما تنفجر القنابل الموقوتة تأتي العواقب أكثر ضررا وأشد
فداحة وأعنف ضراوة ولدينا في مصر أكثرمن 15 ألف معتقل
يقبعون داخل السجون تتلاعب بأهاليهم وأسرهم الأقدار
وتصريحات المسئولين منذ أن أطلق الرئيس مبارك وعوده
الانتخابية ومن بينها الإفراج عن المعتقلين، العديد من
أهالي المعتقلين وأسرهم نظموا إضرابات عن الطعام والبعض
الآخر اعتصموا في نقابة المحامين، وتظاهروا مطالبين
بالإفراج عن ذويهم، وهكذا تفجر هذا الملف الشائك من جديد
ليطرح سؤالا حول حياة أهالي وأسر المعتقلين، وكيف يعيشون
في ظل غياب عوائلهم أو ذويهم؟ وما طبيعة العلاقة بينهم
وبين الحكومة؟، وهل يمكن أن يتحولوا في يوم من الأيام إلي
قنابل موقوتة؟ تساؤلات كثيرة يمكن استنباط إجاباتها من
أفواه هذه الأسر ومعاناتها.
كانت قد ترددت مؤخرا أنباء عن إعادة النظر في ملف
المعتقلين وزعم البعض أنه سيتم إطلاق سراح بضعة آلاف من
المعتقلين، بينما أكدت مصلحة السجون أن عملية الإفراج عن
كل المعتقلين مازالت قيد الدراسة وأن هناك لجنة مشكلة من
المباحث الجنائية ومباحث أمن الدولة ومصلحة السجون ومكتب
النائب العام تتولي دراسة هذا الملف، كما أشارت جهات
حقوقية إلي أن الضغوط التي يمارسها حاليا أهالي وأسر
المعتقلين الذين يصرون علي تنفيذ أحكام الإفراج المعطلة
بفعل وزارة الداخلية ربما تثمر خلال الأيام القليلة
القادمة عن نتائج ملموسة فيما يخص المعتقلين وأسرهم.
وفي المقابل، يتشكك أهالي المعتقلين في صحة هذه الأنباء
ويقولون إنها فقط لمجرد الاستهلاك الإعلامي حيث إنهم سمعوا
الكثير من هذه الوعود علي لسان مسئولين في مصلحة السجون
ووزارة الداخلية، حتي إن الأمر وصل مؤخرا وبالتحديد في
أعقاب انتخابات الرئاسة إلي التأكيد علي الإفراج عن عدد من
المعتقلين خلال أيام معدودة دون أن يتحول ذلك إلي واقع
حقيقي.
ومن بين المتشككين في التصريحات الحكومية الحاجة سرية محمد
علي أبوالدهب التي تبلغ من العمر 77 عاما وهي والدة الطبيب
المعتقل حسنين طه أحمد محمد والتي تناشد المسئولين في
وزارة الداخلية أن يرأفوا بحالها بعد أن تدهورت حالتها
الصحية فهي تعاني من أمراض ضيق الشرايين والذبحة الصدرية
وفشل في إحدي الكليتين ومرض السكر وارتفاع ضغط الدم، وتقول
إن ابنها المعتقل الذي حصل علي 30 إفراجا قضائيا لم ينفذ
واحد منها هو العائل الوحيد لها ولأولادها وتضيف الحاجة
سرية أن ابنها ليس له أي علاقة بأي أنشطة دينية وهو ينبذ
العنف ومجتهد في عمله ودراساته العليا التي أضرّ بها
اعتقاله، مع العلم بأن أحد أبناء الابن المعتقل قد أصيب
بالمرض النفسي من جراء اعتقال أبيه حيث دخل الجنود المنزل
يحملون الأسلحة مما أدي إلي ذعر الأطفال وإصابة ابنه بحالة
نفسية لم يشف منها حتي الآن.
وعلي باب مكتب النائب العام يقف عبدالله (11 سنة) ومعاذ (9
سنوات) والدهما عمرو عبدالعزيز الروبي (32 سنة) عامل يومية
تم اعتقاله في 15/10/1996، ألقي القبض عليه و«عبدالله» لم
يكن قد أكمل عامه الثاني وعمر «معاذ» أشهر معدودة.
ويحكي عبدالله المأساة التي يعيشها أثناء زيارة والده
ويعبر بأسلوبه البريء قائلا «كل الزيارات سلك ومفيش عند
بابا بطانية، وأتمني أن يضمني والدي إلي صدره وأن أري
ملامحه فهي دائما بعيدة وغائمة، والقاضي قال إنه بريء لكن
الشرطة رفضت الإفراج عنه رغم أنه وقع إقرارا «بنبذ العنف»
ويقصد عبدالله بكلامه أنه لا يوجد الزيارات المسماة
ببطانية أي يلتقي السجين بأهله ويجلسون معا علي بطانية أو
علي دكة ولكن الزيارات من وراء الأسلاك فقط».
بينما قالت جدته إنها لا تأتي إلي الزيارة في كثير من
الأحيان نظرا لعدم امتلاكهم المال وأجرة المواصلات من
القناطر الخيرية إلي وادي النطرون فالظروف المالية صعبةكما
وصفت الجدة لكن الحمد لله علي كل حال كل اللي احنا عايزينه
ينفذوا قرار المحكمة ابني لا بتاع سياسة ولا غيره.
ومن خلال «الأهالي» توجه نداء إلي الرئيس مبارك: «ارحم
يرحمك ربنا».
وأمام نقابة المحامين يتواجد العديد من الأسر في انتظار
قرار النائب العام بالإفراج الفوري عن ذويهم.
ومن بينهم أم شريف كمال الدين حسن 36 سنة مقيم بالسيدة
زينب الذي اعتقل في 18/11/2001 اعتقالا جنائيا كما قالت
الأم فهو أعزب أسرته مكونة من 5 أفراد هو الذي يصرف عليهم
فهو الأمل الوحيد لهم ومصدر رزقهم الأوحد.
أما ممدوح السيد جادالرب الذي يبلغ من العمر 26 سنة - كما
أشارت شقيقته - مقيم بالهرم، اعتقل اعتقالا جنائيا في
24/5/2001 ويودع بسجن 430 بوادي النطرون علما بأنه تظلم من
قرار الاعتقال وحصل علي قرار بالإفراج في 12/2/2002 ومازال
معتقلا حتي الآن.
وعلي جانب آخر، توجد ظاهرة أكثر سوءا وهي الاعتقال المكرر
والتي تعتبر بالنسبة لأصحابها مأساة حقيقية.
تقول زوجة «خالد محمد أحمد نظامي» إنه معتقل من تاريخ
10/11/1993 وصدر له 7 قرارات اعتقال مقابل 6 أحكام
بالإفراج ومازال مودعا بسجن الفيوم حتي الآن ويبلغ من
العمر 47 عاما وله طفلان لم يرهما منذ أكثر من 10 سنوات
وأضافت: أين العدل يا وزير العدل؟! ارحموا من في الأرض
يرحمكم من في السماء.
تسببت هذه الظاهرة في تدمير مستقبل الكثير من الشباب دون
أدلة قوية من بينهم أحمد فاروق 27 عاما طالب بالفرقة
الثانية ـــ كما يقول والده ـــ بكلية التربية جامعة أسيوط
صدر ضده 9 قرارات اعتقال مقابل 8 أحكام إفراج ولكنه حتي
الآن مودع بسجن الوادي الجديد ولا يسمح له بأداء
الامتحانات السنوية مما عرضه إلي الفصل من الجامعة وأضاف
الأب المكلوم «في شرع مين ده يا رب».
حالة أحمد مختار محمد مشابهة.. يبلغ من العمر 30 سنة اعتقل
في 7/11/1994 طالب بالفرقة الثالثة بكلية العلوم جامعة
الإسكندرية مودع بسجن دمنهور كما ذكرت والدته صدر له 21
حكما قضائيا بالإفراج ويعاد اعتقاله عقب كل إفراج وحتي
الآن هو رهن الاعتقال ولا يسمح له بأداء الامتحانات مما
أدي إلي تدمير مستقبله أضافت والدته «كنا نعده لكي يكون
طبيبا وليس معتقلا مجرما في نظر المجتمع».
أما ابنة المعتقل مصطفي محمد محمود سلامة فقد أجبرتها
الفترة الطويلة علي غياب والدها علي النزول والمشاركة في
المظاهرات المطالبة بالإفراج عن المعتقلين وهي تحمل لافتة
مكتوبا عليها «أين أبي؟؟» وتقول الطفلة سامية «إن والدي
معتقل منذ 7 سنوات بينما أنا عمري 12 عاما وكنت أتذكره
دائما وهي يلعب معي وأنا صغيرة في السن لكن بعدما أخذوه
مني وذهبت لرؤيته في إحدي الزيارات وجدت ملامح وجهه قد
تغيرت لقد أصبح أبي عجوزا مريضا، وزملائي والمدرسون في
المدرسة دائما يسألونني عنه ولا أعرف ماذا أقول لهم وبعضهم
يسألني متي سيخرج أبوك؟ ولا أجد ما أرد به سوي أنني أبكي
وهم يواسونني.
من ناحية أخري عبر الأهالي عن تعرضهم للعديد من المضايقات
الأمنية من قبل مباحث أمن الدولة خصوصا عندما يتوجهون إلي
وسائل الإعلام أو إلي منظمات حقوق الإنسان مثلما قال والد
المعتقل أشرف ياسين زكي الذي يبلغ من العمر 25 سنة والذي
كان معيدا في كلية العلوم قبل اعتقاله منذ 3 سنوات وولده
مريض ومصاب بفقر في الدم أما الولد المسجون في سجن أبوزعبل
فكان أبوه يعده للإنفاق علي إخوته والبيت لكن أجهزة الأمن
لم تسمح له بذلك، من هنا يضيف والد المعتقل، لم أجد أمامي
سوي مد اليد والتسول في الطرقات حتي أستطيع أن أنفق علي
إخوته الصغار السن الذين يحتاجون إلي مصاريف للدراسة
والأكل والشرب وغير ذلك عن الأعباء، وأنا رجل كبرت في السن
ولا أستطيع أن أعمل فماذا أفعل؟ لم أجد أمامي سوي التسول
في الشوارع وسؤال الآخرين.
ولم تتوقف معاناة أسر المعتقلين عند هذا الحد، فقد حملوا
الكثير من الشكاوي حول سوء الأوضاع في السجون ومن بينها
سجن أبوزعبل حيث تحول الأسلاك الشائكة بين المعتقلين
وأهاليهم، وأيضا سجن وادي النطرون قالوا عنه إنه لا يوجد
به وجبات كافية للمسجونين حيث يعطي لكل معتقل أو مسجون 3
أرغفة يوميا أي بما يعادل رغيفا واحدا في كل وجبة وهو ما
أدي إلي إصابة الكثير من المعتقلين بأمراض سوء التغذية
وغيرها من الأمراض المعدية الأخري.
ويعلق علي ذلك، محمود حامد أمين لجنة الدفاع عن الحريات
بحزب التجمع قائلا: إن قضية المعتقلين مأساة حقيقية فمن
غير المتصور أن يتم الإلقاء بالشباب في غياهب السجون لسنين
طويلة دون توجيه أي اتهام لهم، ففي ظل حالة الطواريء
المعلنة طوال حكم مبارك يجد الأمن سبيله نحو خنق المجتمع
فالطوارئ تتيح له اعتقال المواطنين بدون توجيه أي اتهام
وبناء علي ذلك جري اعتقال الكثير من الأبرياء لتزداد حالة
الاختناق في المجتمع وكان الأولي توجيه اتهام حقيقي
وإعلانهم بالتهمة لتصبح دعوي قضائية يحكم فيها القضاء
بعيدا عن جبروت الأمن.
ويضيف محمود حامد قائلا: إن الاتهام الحقيقي نوجهه لجهات
الأمن فهي متهمة بسوء استخدام السلطة استنادا إلي حالة
الطواريء وهي متهمة بعدم الامتثال لقرارات القضاء القاضية
بالإفراج حيث لا تهمة ولا اتهام للمقبوض عليهم، وهي متهمة
اجتماعيا بخراب العديد من البيوت وذلك باعتقال العائل
الوحيد وما يترتب علي ذلك من إصابة الأم والأب بأمراض
خطيرة وإصابة الأبناء بحالات نفسية وهم يعيشون بعيدا عن
حضن أبيهم.
ويري محمود حامد أن ملف الاعتقال والمعتقلين يمثل وصمة عار
في جبين أي مسئول في هذا الوطن كما أنه صفحة سوداء في
تاريخ الحكم بصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع أفكار
المعتقلين علما بأنه ليس صحيحا أن كل المعتقلين إرهابيون..
هذه أكذوبة أطلقها رجال في الحكم لتغطية سوءاتهم الكثيرة.