أثارت قرارات دمج بعض البنوك قسرياً العديد من المخاوف حول
مصير صناديق التأمين البديلة والتي يتمتع بمزاياها
العاملون بهذه البنوك خاصة أن قرارات الدمج التي صدرت
موخراً بشأن بنكي المهندس ومصر الدولي قد أغفلت مصير هذه
الصنادريق التأمينية. وصناديق التأمين البديلة هي صناديق
أنشئت وفقاً لأحكام القانون رقم 64 لسنة 1980 بشأن الأنظمة
البديلة وتختص وزارة التأمينات الاجتماعية بالموافقة
والإشراف علي نظام التأمين الاجتماعي الخاص البديل والذي
يتضمن مزايا أفضل مما نص عليه قانون التأمين الاجتماعي
الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 ويشترط للموافقة علي
إقامة نظام تأميني بديل ألا يقل عدد العاملين الدائمين به
عن ألف عامل وألا يقل رأسماله المدفوع عن 10 ملايين جنيه
في حين نصت المادة 12 من القانون علي أنه يجوز لوزارة
التأمينات الاجتماعية إصدار قرار بحل صندوق التأمين
الاجتماعي الخاص وتصفيته في حالة ضعف المركز المالي
للصندوق أو في حالة أن يصبح نظام التأمين الاجتماعي المقرر
بالقانون رقم 79 لسنة 1975 بإصدار قانون التأمين الاجتماعي
مساوياً أو أفضل من النظام الخاص.
وقد أثارت قرارت الدمج الخاصة بكل من «بنك المهندس» و«بنك
مصر الدولي» تحديداً العديد من علامات الاستفهام حول مصير
العاملين التأميني وبالنسبة لبنك المهندس الذي صدر بشأنه
قرار الدمج في البنك الأهلي المصري «لم ينفذ قرار الدمج
حتي الآن» فصندوق العاملين البديل الخاص بالبنك يتم تمويله
من خلال حصة العامل بنسبة 11% من كامل الأجر الأساسي بدون
حد أقصي والمتغير بحد أقصي 500 جنيه في حين يسهم البنك
بنسبة 38% من أجر العامل الأساسي بدون حد أقصي و 24% عن
الأجر المتغير بحد أقصي و 500 جنيه بالإضافة إلي ريع
استثمار احتياطات الصندوق وأمواله وكذلك تكلفة أقساط المدة
السابقة للعاملين مع ما يؤديه البنك من التزامات وفقاً
لأحكام اللائحة وقد بلغت الاحتياطات المستثمرة في الصندوق
في نهاية ديسمبر الماضي 5،66 مليون جنيه منها 50% تستثمر
في بنك الاستثمار القومي طبقاً لأحكام القانون 64 لسنة
1980 و 50% تستثمر في أوعية ادخارية بالبنك ويهدف
«المهندس» من إنشاء هذا الصندوق تحقيق مستوي معيشة لائق
لموظفي البنك عند نهاية الخدمة نظراً لما يتضمنه هذا
الصندوق من مزايا تأمينية تفوق النظام العام ورغم ترحيب
صغار العاملين ببنك المهندس بقرار الدمج في البنك الأهلي
علي اعتبار أن الأخير يتمتع بمركز مالي قوي إلا أن الأمر
اختلف بالنسبة لكبار العاملين الذين فضلوا تقديم
استقالاتهم احتجاجا علي قرار الدمج الجبري في البنك الأهلي
والذي سيؤدي لضياع المزايا التأمينية.
ويقول فوزي المنهراوي رئيس اللجنة النقابية للعاملين ببنك
المهندس إن حجم الاستقالات التي تم تقديمها احتجاجاً علي
قرار الدمج تجاوزت 300 استقالة خاصة أن الجهات المعنية مثل
وزارة الاستثمار والبنك المركزي ووزارة التأمينات
الاجتماعية لم تبد أدني أهتمام تجاه هذه القضية رغم
المناشدات التي تقدم بها بنك المهندس للمسئولين.
ويضيف المنهراوي أن هناك نية بين جميع العاملين للاستمرار
في تقديم استقالاتهم حفاظاً علي حقوقهم التأمينية قبل أن
يصبح قرار الدمج أمراً واقعاً.
أما قرار الدمج الذي صدر بشأن بنك مصر الدولي بنك الأهلي
سوسيتيه جنرال للاستحواذ علي حصة المال العام ببنك مصر
الدولي فقد أغفل مصير صندوق التأمين البديل للعاملين مرة
أخري رغم أن البنك المدمج فيه «سوسيتيه جنرال» تبلغ قيمة
أصوله نحو 600 مليار يورو ولديه استثمارات في نحو 80 دولة
حول العالم من خلال 2000 فرع بما يعني المركز المالي القوي
الذي يتمتع به سوسيتيه جنرال.
ويقول مصدر مسئول سابق ببنك مصر الدولي قدم استقالته
احتجاجاً علي قرار الدمج إن البنك الأهلي سوسيتيه جنرال
كان قد التزم أمام البنك المركزي في مذكرة الفحص الفني
التي قدمها عند عرضه شراء حصة المال العام في مصر الدولي
بأن يحافظ علي الموارد البشرية للوصول إلي شبكة فروع محلية
تزيد علي 100 فرع في عام 2007 لكن هذه الوعود تبخرت عندما
تم التغاضي عن مصير صندوق العاملين البديل ومن ثم بدأت
سلسلة من الاستقالات شملت خيرة الخبرات المصرفية بالبنك
حيث إن صندوق العاملين بالأهلي سوسيتيه جنرال لا ترقي
ميزاته بالطبع لمستوي صندوق مصر الدولي، ورغم أنه وفقاً
لقانون البنك المركزي والذي نص صراحة علي أنه لا يضار عامل
من الخصخصة أو الدمج إلا أن الواقع يوضح عكس ذلك.
ويشير د. رشاد عبده أستاذ العلوم المالية والإدارية
بالأكاديمية العربية إلي أنه لا يمكن استيضاح موقف بنك
المهندس لأنه حتي الآن لم ينفذ قرار الدمج بالإضافة إلي أن
عدد موظفي وعاملي البنك محدود، لكن المشكلة متوقعة بالفعل
ومن الممكن أن يكون حجم المشاكل الناجمة عن الدمج في هذا
البنك أكبر من مشاكل بنك مصر الدولي لأن بنك «المهندس»
يعاني من مشكلات كثيرة ويعتبر بلغة الاقتصاد سلعة غير
مطلوبة وبالتالي فإن البنك الذي سيستحوذ عليه سيثير الكثير
من التساؤلات حول حقوق العاملين به في حين أن الأمر يختلف
بالنسبة لـ «مصر الدولي» حيث إنه بنك منتشر جغرافياً ويحقق
أرباحا طيبة وبالتالي فهو بالنسبة لسوسيتيه جنرال صفقة
لقطة سواء في السعر أو في مزايا الصندوق التأميني.
ويضيف عبده أن صندوق بنك مصر الدولي ارتكب خطأ فادحا حيث
نص علي حق إمكان الموظف في أن يشتري مددا سابقة وبالتالي
فإن تكلفة السنة الواحدة تختلف من شخص لآخر طبقاً لسنه
وعمله ومركزه داخل البنك مما أدي لوجود مشكلة اختلال في
الحسابات لأن المشتري «سوسيتيه جنرال» لديه نظام آخر مختلف
ومزاياه أقل ومن ثم فإن سوسيتيه جنرال رفض مزايا صندوق بنك
مصر الدولي واتجه لشراء الصفقة رخيصة، ففي حالة أن يكون
البنك المدمج مزاياه أكبر من البنك المدمج فيه بالنسبة
لصندوق التأمينات تثار الكثير من المشكلات حيث إن البنك
المشتري لديه مشكلة في فروق التكلفة.
وتعليقاً علي حجم الاستقالات التي تقدم بها العاملون في
«مصر الدولي» يقول د. عبده إننا أمام مصطلح اقتصادي يطلق
عليه «تكلفة الفرصة البديلة» بمعني إننا أمام خيارين
اختيار المزايا الأقل والآخر اختيار مزايا أفضل، ومن
الطبيعي أن يتجه العاملون للخيار الثاني لأن الامتيازات
المادية والتأمينية في مصر الدولي أفضل من سوسيتيه جنرال.
ويطالب د. عبده الدولة بأن يكون لها موقف صارم للتدخل علي
أن تتحمل فارق التكلفة وتقديم بعض التنازلات في مقابل حصول
العاملين علي حقوقهم كاملة لكن المشكلة تكمن في أن الدولة
تخلت عن دورها الأساسي وبالتالي فإن تخليها عن المستقبل
التأميني للعاملين بالبنوك التي صدر بشأنها قرار بالدمج
بات أمراً عادياً.
ويوضح د. سامي نجيب الخبير التأميني المعروف أن موضوع
الصناديق التأمينية البديلة تتشابك فيها جوانب تأمينية
وعمالية وقانون مدني فقد نص قانون العمل علي أن عقد العمل
لا ينتهي بقرار الدمج بما يعني أن العامل يحتفظ بحقه في
الأجر الذي كان يتقاضاه من البنك الذي صدر بشأنه قرار
الدمج بالإضافة إلي ملحقات هذا الأجر المتمثلة في الصناديق
التأمينية المتميزة حيث تنص المادة «9» من قانون العمل علي
أن يظل البنك الجديد مسئولاً عن نفس الحقوق بالنسبة لمصر
الدولي لأن العقد لم ينته وبالتالي فإن بنك سوسيتيه جنرال
عليه أن يلتزم بجميع الحقوق والالتزامات لأنها حقوق
بطبيعتها مستمرة، كما أن قانون النظم البديلة ينص علي أنه
يجوز تحويل الأموال لصندوق آخر في البنك المدمج فيه.
ويضيف د. نجيب أن كلاً من قانون العمل والقانون المدني ينص
علي أن الخلف مسئول عن الحقوق التي كانت موجودة في السلف
وهذا نص صريح في المادة 19 من القانون 12 الصادر في 2003
فهناك مكاسب عمالية كبيرة لا يجوز الإضرار بها حتي بعد
الإدماج لكن الوضع الحالي أدي إلي أن 20% من العاملين ببنك
مصر الدولي قدموا استقالاتهم.
وعن أنظمة الصناديق التأمينية المتميزة يوضح د. نجيب أن
هناك اختلافا واضحا ما بين صندوق الأهلي سوسيتيه جنرال
وصندوق مصر الدولي حيث إن الأول صندوق تكميلي في حين أن
الثاني صندوق بديل ولأن النظام البديل مزاياه أكبر بكثير
من النظام التكميلي فقد أثيرت العديد من المشكلات.
ومن الناحية الاكتوارية فإن حقوق العاملين حتي تاريخ
الاندماج تغطيها أموال الصندوق وإن لم تكن تكفي أموال
صندوق البنك المدمج فإنه علي البنك المدمج فيه أن يغطي هذه
الحقوق حتي تاريخ الاندماح لأن الخلف مسئول بالتضامن مع
السلف عن هذه الحقوق.