ألقت محرقة بني سويف التي راح ضحيتها مسرحيون ومواطنون من
محبي المسرح حين احترق قصر الثقافة- ألقت بظلالها علي
الدورة السابعة عشرة لمهرجان المسرح التجريبي بعد أن قاطعه
مسرحيون وصحفيون تعبيرا عن الغضب، واحتجاجا علي الخراب
العام الذي كشفت الواقعة طرفا منه، ويعرف المواطنون كل
تجلياته في تعاملاتهم اليومية مع المستشفيات ومراكز الشرطة
والمؤسسات العامة كافة، ويعرفون أيضا أن الأمن في البلاد
بمفاهيمه ومؤسساته يتركز في حماية نظام الحكم أولا وأخيرا
وأن أمن المواطنين إن كان له مكان فهو يأتي في ذيل
القائمة0
وبالقطع كان هناك أمن في قصر ثقافة بني سويف أثناء العرض
المسرحي الذي شب الحريق بسببه ولكنه كان مشغولا لا بتأمين
الجمهور والمبني وإنما بتسقط المعاني والدلالات في جملة
حوارية هنا أو تصيدة هناك ليكون التقرير جاهزا حتي لو
احترق المسرح0 إنها بنية الدولة البوليسية وطرق عملها التي
أسهمت في إحداث الخراب علي نطاق واسع وعجزت بحكم مهمتها
الأصلية عن حماية أمن المواطنين وحياتهم التي تحولت إلي
مخاطرة متصلة0
كذلك تحولت الثقافة في الغالب الأعم إلي مهرجانات يجري
الإنفاق عليها بسخاء دون محاولة لزيادة ميزانيات الخدمات
الثقافية الموجهة للشعب، في المحافظات المختلفة ، حيث
يعاني المشتغلون بالثقافة في القصور والبيوت من شح
الميزانيات التي تتآكل بانتظام بسبب التضخم وارتفاع
الأسعار، وفيما يخص المسرح هناك العشرات من الفرق الحرة
والمستقلة التي تفتح آفاقا جديدة للمسرح في عصر الصورة
والتكنولوجيا، لكنها غالبا ما تتوقف بسبب شح الميزانيات
والافتقار إلي أماكن للعرض، والعجز عن الوصول إلي جمهور
جديد، وكان يفترض أن تساعدها قصور الثقافة في هذه المهمة،
وأن تمد لها وزارة الثقافة يد العون الحقيقي0 ولست من
المطالبين بإلغاء المهرجانات، ولكنني أطالب منذ سنوات
بترشيدها، ووضع تصورات جديدة لها لتجني منها الثقافة
المصرية أقصي فائدة ممكنة، وقد طالبت من قبل أن تنظم وزارة
الثقافة وعلي نحو خاص هيئة قصور الثقافة عملية استضافة
الفرق الإقليمية من القاهرة، أثناء المهرجان التجريبي،
وليس حتما أن تقيم هذه الفرق في الفنادق بل إن إعداد بيوت
الشباب ومراكزه لاستقبالهم ليست مهمة شاقة للخروج من حالة
المركزية الشديدة بل والمظهرية أيضا0 كذلك لا تستفيد الفرق
الإقليمية من مجموعة الكتب المهمة التي تقوم إدارة
المهرجان بترجمتها كل عام، وتبقي بعد ذلك محصورة في نطاق
ضيق يتداولها الأكاديميون القاهريون وحدهم دون أي عمل جدي
للاستفادة منها علي نطاق واسع في الأقاليم0
كذلك فإن الموضوعات الرئيسية لندوات المسرح التجريبي علي
نحو خاص تطرح القضايا الكبري في تطور المسرح وانشغالاته
الراهنة علي الصعيد العالمي، فهناك «أمة واحدة حقيقية في
هذا العالم هي أمة المسرح» كما يقول المسرحي الفرنسي «جان
لوي بارو» ، وكما تقول السيدة «كواني» رئيسة لجنة المشاهدة
في المهرجان التجريبي، «أننا نجتمع هنا في القاهرة
كمواطنين في هذه الأمة، أمة هي في حالة حداد بسبب مأساة
بني سويف»0
والمفارقة هنا هي أن قطاعا رئيسيا من مواطني هذه الأمة،
أمة المسرح، هم مسرحيو الأقاليم في مصر لم يتمكنوا أبدا من
أن يشاركوا لا في المهرجان ولا في الحداد الجماعي للأمة0
لعل مأساة «بني سويف» أن تدفعنا حقا لبلورة رؤي جديدة حول
العمل الثقافي برمته، بدءا بمضاعفة الميزانيات الثقافية
مرات ومرات، فالثقافة هي أيضا أمن بأرقي معني للكلمة كذلك
لا يكفي أن نقيم عدة مهرجانات للسينما -تسجيلية وروائية -
دون أن تكون هناك خطة شاملة يشارك السينمائيون في وضعها
للنهوض بالحالة البائسة للسينما المصرية وقد أصبح المشرفون
علي المهرجانات يشكون من أنهم لا يجدون أفلاما مصرية تشارك
في مسابقات المهرجانات، سواء علي الصعيد الوطني أو العالمي
بعد أن تدهورت السينما فنا وصناعة، وهي التي كانت في زمن
سابق الصناعة الثانية في البلاد بعد الغزل والنسيج، فضلا
عن الدور التنويري الرائد الذي لعبته في العالم العربي وفي
تنمية وتوثيق العلاقات العربية- العربية0
صحيح أن الثقافة عامة لا تستطيع أن تنجو بمفردها من حالة
التردي العام التي تعيشها البلاد، وما ألحقته بها
الرأسمالية الطفيلية من أذي، ولكن الثقافة كانت دائما
ميداناً للصراع الطبقي العنيف بين رؤي وأفكار ومواقف
وتيارات تعكس بطريقة مركبة وجدلية حالة الصراع الاجتماعي،
وتفتح أمامه الآفاق، وليست هذه هي المرة الأولي في التاريخ
الإنساني وبالقطع لن تكون الأخيرة التي يفتح فيها احتجاج
المثقفين أبوابا لمراجعة كل الأولويات، حتي في ظل هيمنة
الثقافة التجارية الاستهلاكية العدمية الرائجة، فمؤسسات
الدولة هي ملك للشعب الذي صنعها وليست ضيعة لأحد أو علي
الأقل هكذا ينبغي أن تكون0