ربما يدفع الفقر الإنسان إلي الانتحار أو إلي قتل أولاده،
أو يدفعه إلي ارتكاب الفعلين معا، أي قتل الأبناء ثم
الانتحار.
وقد قرأنا في الصحف - وهذا ما نشر فحسب - خلال السنة
الماضية حوادث انتحار عدة لم يسلم منها خريج حقوق عاطل عن
العمل، ولا خريج اقتصاد وعلوم سياسية تم حرمانه من العمل
بالخارجية لعدم لياقته الاجتماعية، وعاطل عجز عن شراء
ملابس العيد لأولاده.
كما قرأنا حوادث قتل آباء لأبنائهم وعرضهم في أحيان أخري
للبيع، ناهيك عن بيع الأعضاء خاصة الكلي، والتي لا يكشف
عنها إلا إذا وقعت مشكلة بين البائع والمشتري.
والفقر والجوع والعجز عن رؤية ضوء قادم من خرم إبرة في
الأيام المقبلة دافع قوي للانتحار كما أن كل هذا دافع
للثورة.
ويدفع للثورة أيضا والغضب والرفض بكل درجات الصوت وطبقاته
وبكل الطرق «القهر» فالقهر حتماً يولد الانفجار، والانفجار
لا قواعد له ولا قوانين، فهو انفجار أي أنه يطيح بالجميع
ويدمر من يقع في دائرته أو بالقرب منه.
وكان من التجليات التي ستترك حتما أثرها حالة من حالات
الانفجار في وجه القهر وهي ما قام به ثلاثة من المسعفين
بمرفق إسعاف القاهرة، رفضا للقهر الواقع عليهم من قبل
رئيسهم المباشر، ذلك القهر الذي اتخذ أحيانا صفة
«التلاكيك» في الحساب والعقاب لأخطاء لم يرتكبوها، الأمر
الذي يعني خصومات من مرتباتهم، وتأخير ترقياتهم، وقبل كل
هذا ومعه وبعده حالة «النكد» التي لا تنتهي والتي وضعهم
فيها رئيسهم مع طلعة كل صباح ومع أول خطوة لهم وهم في
طريقهم لأعمالهم.
فأصبح العمل عقابا وعذابا يوميا، وأصبح الجهد ضائعا بكمية
الخصومات التي تلحق بالمرتب الضئيل أصلا، وكان لابد أن
يحدث الانفجار كقانون طبيعي لوصول الغليان داخل نفوسهم إلي
ذروته، وكان التجلي بأن صعدوا الثلاثة إلي برج اللاسلكي في
الإسعاف مهددين بالانتحار احتجاجا ورفضا للقهر، ولأن
الانفجار وقع قبل الانتخابات الرئاسية بعدة أيام، فقد
اهتزت جدران العرش، وهرع إلي الإسعاف والمسعفين، رموز
الدولة المعنية بهذا القطاع وعلي رأسهم وزير الصحة، وفي
دقائق تمت الاستجابة إلي مطالبهم، وأولها تنحية المدير
المسئول وتعيين آخر.
تري الآن هل سيتم التعامل مع انفجارات القهر بنفس الطريقة؟
وأيا كانت الإجابة فالقهر يولد الانفجار، وعلي كل من يعتقد
أنه قادر علي قهر البشر أن يحذر انفجارهم.