في كتابه الرائع والمحتوي علي أوفي وأصدق تاريخ لمصر في
عصرها الوسيط يحكي لنا محمد بن أحمد بن إياس عبر صفحات
موسوعته «بدائع الزهور في وقائع الدهور» حكايات عديدة
لعلها تعكس لنا كيف انحدرت بنا الأحوال وكيف ساء المآل في
ظل ما نحن فيه الآن من سوء أحكام وفساد حكام.
ونقرأ «قال ابن لهيعة: لما فتحت الإسكندرية كان المقوقس
بها، فأرسل يطلب الأمان من عمرو بن العاص فأرسل له أماناً،
وأخذ يحضر مجالس عمرو بن العاص، فسأله عمرو في يوم من
الأيام: يا مقوقس لقد وليت علي مصر إحدي وثلاثين سنة
فأخبرني بما يكون فيه عمارة أراضي مصر، فقال له المقوقس:
إني رأيت الذي يقوم بعمارة أراضي مصر حفر خلجانها وإصلاح
جسورها ولا يؤخذ خراجها إلا من غلالها، ويحجر علي عمالها
من المطل، ويمنعهم من أخذ الرشاء وترفع عن أهلها الجبايات
والهدايا» ونتأمل هذه النصيحة ونهديها إلي حكامنا الذين
يعتصرون الضرائب وضرائب المبيعات من دماء صغار المنتجين،
والذين يتركون «عمالهم» أي كبار موظفيهم يفرضون «الرشاوي»
علي كل من يتعاملون معه.
ثم نواصل القراءة «قال الليث بن سعد رضي الله عنه: لما فرغ
عمرو بن العاص من بناء مدينة الفسطاط، شرع في بناء الجامع
المعروف به وهو أول جامع بني في الإسلام في مصر، ولما اتخذ
منبرا لهذا الجامع جعله عالياً، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب
رضي الله عنه؛ فكتب إلي عمرو قائلا: بلغني أنك قد اتخذت
منبرا عاليا ترقي به علي رقاب المسلمين، فعزمت عليك إلا
ماكسرته؟ وامتثل ابن العاص لأمر الخليفة وكسر المنبر وجعل
بدلا منه واحداً لا يرقي به علي رقاب الناس».
وقال ابن عبد الحكم: لما بني عمروبن العاص هذا الجامع جعل
إلي جانبه داراً وسماها دار أمير المؤمنين» ولعل عمرو بن
العاص أراد بذلك أن يجعل في مصر ما جعله فيها حكامنا
الحاليين الذين يتخذون لأنفسهم استراحات في كل مكان يمكن
أن يحتوي ما يتمتعون به، وكأنهم بحاجة إلي المزيد من
الاستمتاع.
ونمضي مع رواية ابن إياس نقلا عن ابن عبد الحكم «فلما بلغ
أمير المؤمنين ذلك كتب إلي عمرو يقول له: «بلغني أنك بنيت
لي داراً، وإني لرجل بالحجاز، أفيكون لي دار بمصر فعزمت
عليك بالله، ألا ما جعلتها سوقاً للمسلمين فامتثل عمرو
لأمر أمير المؤمنين وجعلها سوقاً».
وعلي ذكر جامع عمرو بن العاص يروي ابن إياس واقعة ذات
دلالة حدثت بعد عدة قرون حيث جرت توسعة الجامع عدة مرات
«وأقيم في صحنه نافورة تقلب في فسقية يصل إليه الماء من
بحر النيل، واشتكي الجيران من ضرر تسببه هذه النافورة فأمر
القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز بإبطالها وإيقاف النافورة
والفسقية، فتساءل الناس كيف للشيخ تاج الدين أن يهدم بعضا
من بناء جامع كجامع عمرو بن العاص، وما حكم الشرع في ذلك؟
ورد القاضي تاج الدين بن بنت الأعز قائلا: حيث تتحقق مصلحة
الناس فثمة شرع الله».
ونعود إلي الزمان الأول زمان عمرو بن العاص ومراقبة عمر بن
الخطاب لكل تصرف من تصرفاته ويروي لنا ابن إياس أسلوب
معاملة ابن العاص لأقباط مصر فينقل عن ابن عبد الحكم قوله:
«واستمر المقوقس مقيما بالكنيسة المعلقة، وكان عمرو يكرمه،
ويقبل شفاعته في الأقباط، وكان المقوقس يحضر إلي عمرو بن
العاص إذا كانت له حاجة فيقضيها له».
ولما مات عمر بن الخطاب وأتي بعده عثمان بن عفان عزل عمرو
بن العاص وعين مكانه أخاه في الرضاعة عبد الله بن أبي سرح
«فتشدد في جمع الخراج وزاد عليه ديناراً علي كل رأس..
وأورد إلي الخليفة أربعة عشر ألف ألف دينار، فتباهي عثمان
علي عمرو بن العاص بأن خلفه زاد في خراج مصر زيادة كبيرة
فرد عليه عمرو قائلا: «نعم ولكن أجاعت أولادها، إنما فرض
ابن أبي سرح ضريبة علي الجماجم» ويقول ابن إياس «فحصل لأهل
مصر بسبب ذلك الضرر الشامل، وكانت هذه أول شدة وقعت لأهل
مصر بعد الإسلام».
.. وهكذا يقدم لنا ابن إياس إجابات واضحة ووافية لسؤالنا
الملِّح كيف نصلح أحوال مصر؟..
وكم أتمني أن يطالع حكامنا بعضا مما كتبه ابن إياس لعلهم
يعرفون أنهم بما يرتكبون هم ورجالهم وتابعوهم هم السبب
فيما نحن فيه..