من المتوقع أن تشهد الساحتان الفلسطينية والإسرائيلية
تطورات جديدة في الأسابيع القادمة من شأنها أن تدخل الصراع
الفلسطيني - الإسرائيلي في مأزق جديد، ومن المؤكد كما تقول
المصادر الفلسطينية أن اللقاء المرتقب بين أرييل شارون
رئيس الحكومة الإسرائيلية ومحمود عباس «أبو مازن» رئيس
السلطة الفلسطينية أن يبحث كيفية الهروب من هذا المأزق أو
علي الأقل التخفيف من حدته.
مشاكل متعددة فعلي المستوي الفلسطيني لا يشعر الفلسطينيون بمن فيهم
عناصر السلطة الفلسطينية بالفرحة الكاملة بعد انسحاب
الإسرائيليين من قطاع غزة بما فيها الواحد وعشرين مستوطنة
التي كانت تجثم علي صدر سكان القطاع وتقطع أوصاله وتحتل 35
في المائة من مساحته البالغة 365 كيلو متراً مربعاً.. فلا
زالت مشاكل كثيرة عالقة لم تحسم بعد، ومنها أن إسرائيل
تريد أن تحكم سيطرتها علي المعابر وتتحكم في الدخول
والخروج من وإلي القطاع بحجة حماية أمنها، وحددت أربعة
معابر لدخول البضائع والأفراد والخروج منها ويكون الدخول
بتأشيرة إسرائيلية، ووقعت اتفاقا مع مصر يقضي بوجود 750
جندياً بأسلحتهم علي الحدود الفلسطينية - المصرية، وهو
الأمر الذي كان قد حذر منه الأستاذ محمد حسنين هيكل في
حديث له بالجامعة الأمريكية منذ ثلاث سنوات وتعرض بسببه
للهجوم بحجة أن ما ذكره في هذا الحديث غير صحيح.. وها هي
الأيام قد جاءت لتثبت أنه صحيح..
ومن المشاكل التي يواجهها الفلسطينيون أيضا بعد انسحاب
القوات الإسرائيلية هو التحكم الإسرائيلي في الجو والبحر
كما تريد أن تتحكم في المعابر، ومعني ذلك أن قطاع غزة
سيتحول إلي سجن كبير كما يخشي من ذلك المسئولون
الفلسطينيون أنفسهم، والسبب في كل ذلك أن الانسحاب
الإسرائيلي من غزة جاء من طرف واحد ولم يكن نتيجة مفاوضات
بين الجانبين أو اتفاق مشترك، وهو الأمر الذي يضع كل
الأطراف الآن في وضع حرج.. بما فيها مصر التي تروج صحفها
القومية لفكرة أن غزة أصبحت الآن حرة مستقلة بعد 38 عاماً
من الاحتلال الإسرائيلي وهذا غير صحيح بدليل ما يشكو منه
الفلسطينيون الآن ووجود عراقيل وصعوبات في حركة التنقل
وإغلاق معبر رفح وفتحه يومين فقط في الأسبوع، وما زال
السفر إلي القطاع حتي الآن للأجانب بتأشيرة سفر إسرائيلية
وليست فلسطينية، وتجري الآن مفاوضات واتصالات بين الأطراف
الثلاثة مصر وإسرائيل والسلطة الفلسطينية ليكون الإشراف
علي معبر رفح فلسطينياً مصرياً ولا مانع من وجود طرف ثالث
علي ألا يكون هذا الطرف إسرائيلي بينما يكون الإشراف علي
معبر إيريز في الشمال المؤدي إلي إسرائيل والضفة الغربية
فلسطينياً إسرائيلياً.
هناك إذن مشاكل متعددة لم يحسمها الانسحاب الإسرائيلي من
غزة ومن هذه المشاكل أيضا إعادة تشغيل مطار غزة وإنشاء
الميناء، وهما المشروعان الحيويان اللذان كانت إسرائيل ولا
زالت تضع أمامهما العراقيل، والغريب أنه عند الحديث عن هذا
الموضوع يجري تعتيم علي هذه المشاكل ولا تطرح بجدية، وإنما
تترك علي حد قول المسئولين في مصر إلي الاتصالات الثنائية
والمفاوضات.
أما الجانب الإسرائيلي فهو يواجه مشاكل من نوع آخر تتمثل
في وجود انقسامات داخل الأحزاب الإسرائيلية والاتجاهات
السياسية المختلفة بين اليمين الإسرائيلي المتشدد والمتمثل
في الصقور من حزب الليكود والأحزاب الدينية وبين أنصار
السلام سواء من حزب العمل أو الأحزاب الصغيرة الأخري.
انتخابات مبكرة
ويري المطلعون علي تطورات الأحداث في إسرائيل أن هناك
احتمالا بأن تجري انتخابات مبكرة في إسرائيل، وقد تتم هذه
الانتخابات في شهر مارس القادم بدلا من شهر نوفمبر من
العام القادم، وأن شارون يواجه ضغطا من حزبه ورفضا لما
أقدم عليه بالانسحاب من غزة وتفكيك 21 مستوطنة، ويقدم
الحزب «نتنياهو» ليكون خليفة لشارون للحزب قبل الانتخابات
القادمة بينما يسعي شارون لإيجاد حكومة ائتلافية تضم معه
أطرافا من حزب العمل والأحزاب الأخري، وفي نفس الوقت يريد
أن يقنع حزبه والمتشددين بسلامة خطواته في غزة وذلك بتعزيز
المستوطنات القائمة في الضفة الغربية والمحيطة بمدينة
القدس مثل «معاليه أدوميم» التي تمثل جبالا عاتية من الكتل
الصخرية بالقرب من القدس في الطريق القادم من أريحا، وكذلك
تعزيز الجدار الفاصل في الضفة الغربية وهو في الواقع ليس
جدارا أمنيا بقدر ما هو حد فاصل بين أراضي الضفة الغربية
وما يسمي بالخط الأخضر وهي الأراضي التي تعتبرها إسرائيل
داخلة في أراضيها السياسية، ومعني ذلك أن إسرائيل تكون قد
استولت علي 40% من الضفة الغربية وقسمت بين القري
والعائلات الفلسطينية، ومعني ذلك أن إسرائيل ستضع عقبات من
نوع جديد في المستقبل حتي إذا استؤنفت المفاوضات مع
الفلسطينيين وهذا ما يتوقعه المعنيون بالصراع الإسرائيلي -
الفلسطيني.
وفي الأيام الأخيرة حاولت إسرائيل بقيادة شارون أن تخرج من
هذه الأزمة التي تواجهها من خلال حضورها مؤتمر القمة
العالمي في الأمم المتحدة حيث وقف وزير خارجيتها يتظاهر
بالسلام ويدعو الدول العربية والإسلامية التي تتعامل مع
إسرائيل في الخفاء أن تجاهر بعلاقتها بإسرائيل وعدد هذه
الدول ومنها أندونيسيا وماليزيا وباكستان من الدول
الإسلامية وتونس وقطر وأبو ظبي من الدول العربية.. وهو
أسلوب دبلوماسي مكشوف لإحراج هذه الدول وتشجيعها وتشجيع
دول أخري علي التعامل مع إسرائيل وإقامة علاقات معها مثل
باكستان التي بدأت حكومتها تدخل علي الخط، والواقع أن هذه
الهرولة نحو إسرائيل من الدول الإسلامية في آسيا لم تأت
نتيجة قوة إسرائيل أو تطورات جديدة في عملية السلام وإنما
جاءت نتيجة للضعف العربي الذي وصل إلي حد الهزال، والإعلان
صراحة من ملوك ورؤساء الدول العربية أن كل دولة لا يهمها
إلا حدودها الإقليمية ولا مانع أن يدلي رؤساؤها بتصريحات
عن دعمهم للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني وهي كلمات
إنشائية ودبلوماسية لا تؤثر كثيرا ولا قليلا في الأحداث
التي تشهدها المنطقة والتي تصب في صالح إسرائيل، وتعمق في
نفس الوقت موقف الفصائل الفلسطينية المقاتلة وتؤكد صدق
رؤيتهم وهي الفصائل التي تسبب وحدها القلق والخوف لدي
الإسرائيليين..
ولهذا فإن الإسرائيليين يطالبون السلطة الفلسطينية بنزع
سلاح الفصائل الفلسطينية المقاتلة مثل حماس والجهاد وشهداء
الأقصي وغيرهم ويضعون هذا المطلب كشرط دائم في أي اتصال أو
تفاوض مع قادة ومسئولي السلطة الفلسطينية.. وقد رد محمود
عباس «أبو مازن» رئيس السلطة الفلسطينية علي ذلك بأن هذا
الموضوع شأن فلسطيني وليس من حق أحد أيا كان التدخل فيه.
الجمود المخيف
وفي الوقت الذي تخشي فيه الولايات المتحدة الأمريكية ومعها
اللجنة الرباعية من جمود الموقف بعد الانسحاب الإسرائيلي
من غزة فإن الأنباء الواردة من المناطق الفلسطينية تشير
إلي أن الولايات المتحدة الأمريكية مارست ضغطا علي إسرائيل
لعقد اجتماع بين أرييل شارون ومحمود عباس، وهو الاجتماع
الذي أعلن عنه والذي سيعقد يوم الأحد الثاني من أكتوبر
والذي من شأنه أن يكشف عن كثير من جوانب الغموض الذي يكتنف
الوضع الخاص بعملية السلام ومدي تحديد القدرة علي التحرك
في إطار خريطة الطريق من جانب إسرائيل بوجه خاص خاصة أنها
تسعي إلي الاكتفاء بالانسحاب من قطاع غزة وبعض المناطق
المهملة في الضفة الغربية وتعزز وضع المستوطنات وتؤكد علي
وجودها في القدس الشرقية التي تحيطها الآن بالمستوطنات
وتسعي إلي ضم 9 قري حول القدس حتي تؤكد استراتيجيتها التي
أعلنتها منذ عا 1975 بأن القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية
لإسرائيل، وأنه لا تعنيها غزة وبعض المواقع في الضفة
الغربية، وهي مجرد أوراق تلعب بها للضغط علي الفلسطينيين
والدول العربية المجاورة المعنية بالنزاع الإسرائيلي -
الفلسطيني لتؤكد مشروعها الحقيقي وهو إقامة إسرائيل الكبري
وعاصمتها القدس الموحدة.. بينما تظل البلاد العربية مشغولة
بأمورها الداخلية وليس علي لسانها إلا أن السلام هو
استراتيجيتها التي تتمسك بها ولا تحيد عنها.. وهذا واقع
الحال والذي سيؤدي إلي مستقبل أكثر غموضا وأكثر تعقيداً في
عملية السلام الفلسطينية - الإسرائيلية التي يدور حولها
النقاش والجدل والمفاوضات منذ مؤتمر مدريد عام 1992.