الديمقراطية الألمانية مثل الماكينات والسيارات والمعدات
التي تنتجها، لا تعرف الخلل أو الاستسهال أو البحث عن
مستهلك يتم النصب عليه بمنتج جذاب في الشكل ورديء في
الجوهر، ذلك أن الديمقراطية الألمانية بضاعة «أصلية» وهو
ما أظهرته نتائج الانتخابات العامة التي أجريت الأسبوع
الماضي، وتوابع هذه الانتخابات من مشاورات ومفاوضات لرسم
شكل الحكومة الجديدة.
للانتخابات قصة تستحق أن نبدأ بها، فقد طلب المستشار
جيرهارد شرودر من البوندتستاج «البرلمان» الموافقة علي
إجراء انتخابات مبكرة بعد أن تراجعت مكانة الحكومة وشعبية
الحزب الاشتراكي الديمقراطي وخسارته عديد من المقاعد التي
كان تقليديا يسيطر عليها في الانتخابات البلدية في منتصف
هذا العام.
وهكذا فقد سعي شرودر بنفسه إلي الرأي العام طالبا التصويت
علي سياسته، فأما تجديد التفويض له أو انتخاب قوة سياسية
أخري تواصل العمل وفق برنامج آخر.
وركز شرودر في برنامجه علي عدة قضايا أهمها الاستمرار في
تنفيذ برنامجه الإصلاحي الرامي إلي إعادة هيكلة الاقتصاد
من خلال تعديل قوانين العمل وأنظمة الضمان الاجتماعي،
وتأييد انضمام تركيا إلي الاتحاد الأوروبي نظرا لوجود أكبر
جالية تركية خارج تركيا في ألمانيا.
ألمانيا أولا ويحمل برنامج شرودر الانتخابي اسم (أجندة 2010) ويتضمن
إجراءات جديدة ومتطورة لمواجهة عديد من المشاكل التي
تفاقمت مثل مشكلة البطالة التي وصلت إلي 7.4 مليون، وتراجع
الاقتصاد بشكل عام، مع الحفاظ علي الحقوق الاجتماعية
والاقتصادية التي يتمتع بها الشعب الألماني خاصة الأطفال
والمتقاعدين والمرضي وكبار السن، واستيعاب الجاليات
الأجنبية المهاجرة في المجتمع ومواجهة موجات التطرف
والعنصرية المتزايدة، والدعاوي الانعزالية التي بدأت
تتزايد في الساحة السياسية للابتعاد عن أوروبا الموحدة
بمشاكلها، والعالم كله والتركيز علي القضايا الداخلية وهو
اقتراب من شعارات «النازية» «ألمانيا فوق الجميع»
و«ألمانيا أولا».
صعود اليمين.
وتزايد هذا الاتجاه اليميني في ظل تصاعد نفوذ الحزب
الديمقراطي المسيحي بزعامة أنجيلا ميركل التي نجحت بخطابها
القوي والمباشر وبرنامجها الحازم والدعاية الهائلة التي
قام بها الحزب وبوسائل مبتكرة، في اكتساب أرضية شعبية
واسعة، إضافة إلي استغلال أسباب فشل سياسات حكومة شرودر
والرفض الأوروبي بشكل عام للتوسع والاندماج أكثر في
الاتحاد الأوروبي وهو ما بدا في رفض فرنسا وهولندا للدستور
الأوروبي.
قانون سندريللا وركزت ميركل علي القضايا الداخلية الأساسية مثل خفض
الضرائب، وإبعاد المهاجرين غير الشرعيين وتقليص فرص العمل
بالنسبة لهم وحرمانهم من امتيازات التقاعد.
والأخطر أنها اقتربت من أشهر قانون يحمي كبار السن والذي
أصبح معروفا باسم قانون سندريللا والذي يمنح كبار السن
الحق في زيارات ثابتة لممرضات يقمن برعايتهم في منازلهم،
وهو ما أدي إلي تخوف المصوتين من برنامجها الذي سيمس حقوق
وامتيازات دولة الرفاهية.
وفيما كان شرودر قد اتخذ موقفا معارضا للحرب الأمريكية -
البريطانية علي العراق، ووقف مع شريكه الرئيس الفرنسي جاك
شيراك ضد تلك الحرب، فإن ميركل أعلنت بوضوح تأييدها
للتحالف مع الولايات المتحدة والوقوف بجانبها في الحرب
الدائرة في العراق وغيرها، معتبرة أن التحالف مع الولايات
المتحدة ركنا أساسي في برنامجها، وكذلك بناء علاقات قوية
مع إسرائيل والصهيونية .
الانقسام ولم تؤد نتيجة الانتخابات إلي حسم مستقبل ألمانيا
السياسي، فلم تحقق ميركل المعجزة لتصبح أول «مستشارة»
لألمانيا صحيح أن حزبها حصل علي 2ر35% من الأصوات و225
مقعدا في البوندستاج، إلا أن الحزب الاشتراكي حصل هو الآخر
علي نسبة متقاربة وإن حل ثانيا بنسبة 3،34% من الأصوات
وبحصة مقاعد تبلغ 222 مقعداً.
وهذه النسبة لا تتيح لأي من الحزبين أن يحكم وحده، إذ لابد
من حلفاء في حكومة إئتلافية ومن هنا تبدو عدة سيناريوهات
في الوقت الحالي، أولها محاولة بناء تحالف مع الأحزاب
الصغيرة، وأمام شرودر فرصة لإعادة بناء تحالفه مع حزب
الخضر الذي حصل علي 8.1% وبعدد 90 مقعداً، وهناك عقبات
وخلافات تحول دون استعادة التحالف من جديد لاعتراضات زعيم
الحزب يوشكا فيشر والمشاورات مستمرة مع بقية الأحزاب
الصغيرة الأخري مثل التحالف اليساري الذي يتزعمه أوسكار
لافونتين رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي السابق، وقد حصل
علي 7.8% من نسبة الأصوات و54 مقعدا، والمشكلة أن هذا
الحزب يرفض سياسات الإصلاح التي ينتهجها شرودر وحزبه،
ويسعي إلي دعم حقوق العاملين ولكنه يؤيد فرض ضرائب أكبر
علي الأغنياء لحساب الفقراء.
حماية الحريات
وآخر الأحزاب الصغيرة الحزب الليبرالي الديمقراطي الذي
يركز علي حماية الحريات الفردية والقيم الليبرالية وتسهيل
قوانين الهجرة وتجنيس الأجانب، وحصل علي نسبة 8،9% من
الأصوات و61 مقعدا.
وتبدو فرصة شرودر الأفضل حتي الآن في تشكيل ائتلاف جديد مع
الأحزاب الصغيرة، ولكن احتمال تشكيل ائتلاف قوي مع الحزب
الديمقراطي المسيحي لم تصبح مستبعدة في إطار رغبة الرأي
العام في إنهاء الأزمة والصراع السياسي، وأن يكون الائتلاف
الجديد بين شرودر وميركل قائما علي برنامج سياسي اقتصادي
اجتماعي مشترك.