قد يبدو الكلام في الشأن الثقافي ، ترَفاً ما بَعده ترَفٌ
، حينَ البلادُ في متاهةٍ سياسيةٍ شائكةٍ ، لا دليلَ
واضحاً لسالِكِها غيرُ تَسَيُّدِ الاحتلال ، وتَسَيُّبِ
أداءِ مَن نصَّبَهم الاحتلال ( أمرٌ طبيعيّ ) .
وفي غيابِ حدٍّ أدنى من الإجماع الوطني حتى في أبسط أشكاله
( نتيجةَ جهود المستعمِر المتواصلة ) ، تكون مسألة إعادة
البناء الثقافي محدودةً تماماً ، ومحدَّدةً بالإطار
النظريّ فقط .
ضبّاطُ جيوش الاحتلال ، وأفرادُ ارتباطِهم ، يشرفون على كل
صغيرةٍ وكبيرةٍ ، وتُلْتمَسُ موافقاتُهم في أيّ نشاطٍ
عامٍّ ، مهما كان متواضعاً .
الصحفُ مراقَبةٌ بخطوطٍ حُمرٍ تزدادُ مع الزمن ، والخطرُ
الداهمُ يهدد أمانَ بل حياةَ كلِ من يجرؤ على
مخالَفةِ قواعدِ السلوكِ المفروضة من الإدارة الاستعمارية
.
وفي التدهور العامّ لمستوى المعيشة ، والخدماتِ ،
وطُمأنينةِ الناسِ ، والتعليمِ ، من الأساس إلى الجامعة ،
تنتفي أيّ أرضيةٍ يمكنُ أن نبني عليها ثقافياً .
والثقافةُ ( وهذا معروفٌ حدَّ الابتذال ) ليست قُطوفَ
قصائدَ وأقاصيصَ ومقالاتٍ وألوانٍ متناثرةٍ مع الريح .
الثقافةُ هي مجموعُ الجهد الماديّ والمعنويّ لِبِنْيةِ
مجموعةٍ بشريةٍ متماسكةٍ ذاتِ كيانٍ .
في شروطٍ كهذه التي نحن فيها ، ستكون الأولويات مختلفةً ،
شديدةَ التواضُع ، غير آنيّةِ الأثر .
وفي اعتقادي أن إدامة الضمير الوطني هي المنطلَق الأول .
كيف نساعدُ في هذه العملية ؟
يمكن لنا ، في البداية ، كي نحرص على سلامة خطواتِنا
اللاحقة ، العملُ على فكِّ أي ارتباطٍ بين مسعانا الثقافي
والإدارةِ الاستعماريةِ ، وممثليها المحليين .
إقامة تجمّعاتنا الثقافية ، في أبسط أشكالها ، وحتى في
محدوديّتِها ، مستقلةً تماماً .
مقاومة أي مسعى استعماريّ لبناء كياناتٍ للمثقفين ،
مركزيةٍ ، مسيطَرٍ عليها ، ومموّلةٍ من الأطراف
الاستعمارية .
استعادة ميراثنا الثقافي الوطني ، وتقديمه إلى الواجهة ،
بعد أن خَبا ، وأُهِيلَ عليه التراب الظالِمُ ، في ظروف
الاستبداد والاحتلال .
إحياء الأشكال العريقة في التراث الشعبي ، وتحديثُ وسائلِ
اتّصالها .
فتح خطوط اتّصالٍ حرّةٍ ، جادّةٍ ، مع الحركات والهيئات
الثقافية ، التي تناهض الاستعمارَ ، في مختلف أرجاء العالم
.
ليس بمقدوري ، ولا في مطمحي ، وضعُ برنامجِ عملٍ ثقافيّ
وطنيّ ، فالمَهَمّةُ أثقلُ من أن ينهضَ بها فردٌ .
مَطْمَحي كلُّه ، أن أساعدَ في فتحِ بابٍ …