ديكورات مسرح بني سويف.. كانت مصنوعة من شكائر الأسمنت
التي يستخدمها الفقراء.. كملابس داخلية!.
لم يضع وزير الثقافة علي مكتب رئيس الجمهورية بطاقة تهنئة
بإعادة انتخابه لدورة خامسة.. وإنما وضع علي مكتبه خطاب
استقالته!.
وكان الوزير الفنان قد أعلن بعد محرقة بني سويف.. «إنني
سأحاسب نفسي».. ويبدو أنه حاسبها، فعلا، وقرر تقديم
استقالته للرئيس.. وليس لرئيس مجلس الوزراء!.
وبعد أربعة أيام من تقديم الاستقالة جاءه الرد.. بأن
الرئيس رفض الاستقالة.. وطالبه بالاستمرار في عمله!.
وقال الوزير إنه لن يترك مذنبا دون عقاب.. وأنه سيتم إعلان
نتائج التحقيقات بشفافية «تاني!!».
كلام جميل.. وكلام معقول.
ولكن القضية ليست قضية الوزير.. ولا استقالة الوزير..
وإنما هي الطريقة التي نعالج بها قضايانا الكبري!.
وهي معالجة تتأرجح بين المبالغة والتطرف.. وبين تحويل
«الكارثة» إلي شخص.. يتجسد أمامنا في صورة شيطان نرجمه
بالحجارة.. والنعال!.
الكل يتحمس لرجم الشيطان بالحجارة.. ويبالغ في الرجم..
وينسي القضية الرئيسية.. ربما لأن رجم الشيطان أسهل من حل
القضية.. بما تستحقه من الموضوعية!.
نحن نحول القضايا إلي أشخاص.. نتهمهم بالخيانة والعمالة..
إلخ.. ولا نهتم بالقضية ذاتها.
خذ مثلا:
لقد طالب البعض باستقالة مدير قصور الثقافة.. واتهموه بأنه
عضو في لجنة السياسات.. وباستقالة محافظ بني سويف.. ووزير
الصحة.. ومدير مطافيء قنا.. إلخ.
وحصل وزير الثقافة علي نصيب الأسد في سباق المبالغة
والتطرف.
البعض بالغ في تمجيده.. والثناء علي خصاله الحميدة.. ورفعه
لدرجة تكاد تجعله فوق كل عيب.. وفوق كل نقيصة.
والبعض الآخر.. جعله خاليا من كل ميزة.. حتي لا تكاد تجد
فيه ما يمكن أن يمتدح!.
ووسط المبالغة والتطرف.. من فوق.. ومن تحت.. ضاعت القضية..
وتاهت الحقيقة.. وضاع الأمل في تشخيص المشكلة.. والبحث لها
عن علاج.
فمحرقة بني سويف.. أكبر من الوزير.. ومن المحافظ ومن مدير
مطافيء قنا.. ومن مدير قصور الثقافة.
تماما كما كان حريق عربات قطار الصعيد.. أكبر من الوزير..
ومن مدير السكة الحديد.. لأن مشروعات الحرائق.. في بلدنا..
للركب!.
وكما كان صفر المونديال.. أكبر من وزير الشباب الأسبق علي
الدين هلال.
أيام حريق قطار الصعيد قالوا إن سبب الحريق «جزرة» وفي
محرقة بني سويف.. قالوا إنها «شمعة».
وفي كلتا الحالتين فإن المسئول عنها.. كان يتقاضي أقل مرتب
في الدولة.. ويقيم في «عشة» عشوائية.. لا تدخلها المياه
ولا الصرف الصحي ولا أشعة الشمس.
وهو لا يتمتع بأي تأمينات صحية.. لا هو.. ولا زوجته.. ولا
أطفاله.. ويشغل موقعا بدائيا.. لا تعرف الرشاوي طريقها
إليه.
عامل بسيط مطحون.. قالوا له إن الأحوال سوف تتحسن بعد جلاء
إسرائيل عن سيناء.. ومرت 24 سنة ازدادت الأوضاع خلالها
سوءا.. وتدهورا.
إنه واحد من 17 مليون أمي يعيشون علي أرض مصر سنة 2005..
ويشعرون بالظلم مع كل زفرة ألم.
حالة نفسية متردية.. تدفع الملايين نحو الإهمال..
واللامبالاة.. والإحباط.
وهي حالة لا تعالج باستقالة الوزير.
الحل هو العدالة الاجتماعية.
أن يشعر البسطاء في هذه الأمة.. أن البلد بلدهم.. وأن لهم
نصيبا في خير بلدهم.
العدل.. هو الحل!.
ولذلك فإن ما حدث في بني سويف يمكن أن يتكرر في جميع قاعات
المحاضرات في جميع جامعات مصر.
وفي كل مستشفيات الحكومة
وفي جميع المدارس.. وقطارات السكك الحديدية.. ومترو مصر
الجديدة.. والقري السياحية.
في كل بقعة علي أرض مصر.
لأن البسطاء في بلدنا يشعرون بالظلم الفادح الواقع عليهم
منذ 24 سنة.. بلا انقطاع.. ويواجهون هذا الظلم بالإهمال
واللامبالاة.
وتعالوا نسأل أنفسنا بصراحة:
ما موقف المواطن المصري الذي لم تحاول الدولة محو أميته..
وأسندت إليه وظيفة بالغة التواضع بمرتب أكثر تواضعا..
وعينته «خفيرا» لأحد مسارح قصور الثقافة.. أو عامل «جزرة»
في قطار الصعيد؟!.
هل نتوقع أن يبالي هذا العامل البسيط.. عند أداء العمل
المكلف به؟!.
دعنا من ذلك.. هل يمكننا محاسبته؟!.
هل يمكن توقيع العقوبة عليه؟.
تلك هي القضية.
العدالة الاجتماعية.. وإعادة مصر للمصريين.. هي مانعة
الصواعق للكوارث الكبري.
اعدلوا.. تناموا!.
اعدلوا.. يرحمكم الله!.
في كلية التجارة جامعة عين شمس.. مدرج لا يتسع لأكثر من
ألف طالب.. بينما يتكدس بداخله ما يزيد علي 3500 طالب
وطالبة.
زحام شديد.. وكراسي يجري تأجيرها للطلبة.. وباعة جائلون..
ونوافذ مرتفعة تعلوها الأتربة.. وأبواب ضيقة تعكس ضيق أفق
الطلبة والأساتذة.
وما يحدث في تجارة عين شمس يتكرر في جميع الكليات
والجامعات والمعاهد في ظل ظاهرة الجماهير الغفيرة.
وإذا كنت من أقوياء الملاحظة فسوف تلمح في أحد أركان
القاعة «طفاية» حريق حمراء اللون.. فارغة.. ومنتهية
الصلاحية.. ولا يوجد أي نظام للتفتيش عليها.. وفحصها..
والتأكد من سلامتها.
وإذا كنت من أقوياء الملاحظة.. فلن تجد لافتات.. ولا
إشارات تحدد أماكن الخروج.. أو الدخول.. أو التصرف إذا حدث
ما يدعو للهرج والمرج.
مدرجات سداح مداح.. أقرب إلي محطة السكك الحديدية في باب
الحديد.. يتردد عليها آلاف الطلبة والطالبات في أجواء
محفوفة بالمخاطر!.
وبالتالي فإن ما جري في مسرح قصر الثقافة ببني سويف يمكن
أن يتكرر اليوم.. وغدا.. وبعد الغد.. في مدرجات الجامعات..
ومستشفيات الحكومة.. وقطارات الصعيد.. ومترو مصر الجديدة..
والمركز القومي للبحوث إلخ.
في أي مكان تختاره أنت بنفسك.. يمكن أن يحدث به ما يدعو
للتدافع.
حريق.. غضب.. زلزال.. شائعة كاذبة.. إلخ.
الأبواب ليست كافية، وأنابيب الإطفاء ليست صالحة.. ولا
يجري التفتيش علي سلامتها علي الإطلاق.. والمسئول.. في
أغلب الأحوال لا يتمتع بالحد الأدني من الثقافة التي تمكنه
من التعامل مع مدرج.. تستغله الجماهير الغفيرة.. وعقلية
الجماهير الغفيرة.. ووعي الجماهير الغفيرة.
والسبب:
أننا لا نعترف بالمواصفات اللازمة التي ينبغي توافرها لدي
من يشغل أي وظيفة.. ابتداء من حارس العقار.. وحتي عامل
الطلاء.
أي مواطن عندنا يمكن أن يشغل أي وظيفة.. وكلما تواضعت
الوظيفة كانت متاحة لكل من هب ودب.. وينفق علي أسرة
كبيرة.. وهو عائلها الوحيد.
وهذا المواطن هو المتهم الحقيقي في محرقة بني سويف..
ومحرقة قطار الصعيد.. وهو الذي تصعب محاكمته أو محاسبته
لضعف إدراكه للمسئولية.
في علم الإدارة.. هناك «مواصفات» لكل من يشغل أي وظيفة..
مهما بلغت درجة تواضعها.
في ألمانيا.. علي سبيل المثال.. تحدد اللائحة مواصفات
الشخص الذي يمكن أن يكلف بطلاء الجدران العادية.. والجدران
المرتفعة.. واستخدام «السقالات» ومواصفات «السقالة»..
ومواصفات الحبل المستخدم.. ومواصفات المكان الثابت الذي
يعلق به الحبل.
كما تحدد اللوائح مواصفات من يشغل وظيفة الأمن الصناعي..
ودرجته.. وقدرته علي فحص أنابيب الإطفاء.. كل ثلاثة أيام..
ويسجل ذلك في دفاتره.. ومعها ساعة الفحص.. والتاريخ.
وفي كل المواقع تحدد اللوائح.. ضرورة وضع لافتات وإشارات
إرشادية تقول لك.. كيف تخرج.. وتدلك علي أبواب النجاة عند
الطوارئ.
كل وظيفة في ألمانيا.. لها مواصفات.. جعلت شاغلي هذه
الوظائف في كل ربوع ألمانيا.. وكأنهم شخص واحد.
ثقافتهم واحدة.
لغتهم واحدة رغم تفاوت اللهجات.
الكمساري في برلين.. هو نفسه الذي تراه في فرانكفورت أو
دوسلدورف.
ولذلك فإن تحديد مواصفات كل وظيفة.. والتدريب اللازم
لشغلها يلعب الدور الأكبر في رفع كفاءة الأجهزة الرسمية
لأن كل موظف يعرف علي وجه التحديد.. حدود وظيفته.. ويعرف
حقوقه.. وواجباته.. والجهات التي يلجأ إليها إذا أعوزته
الضرورة.
وأنا هنا أتكلم عن الوظائف المتناهية الصغر.
نلاحظ.. مثلا.. في حادث مسرح بني سويف أن حارس العقار..
أغلق باب المسرح بالمزلاج من الخارج.. وقام يتهادي في
مشيته ليدخن شيشته في مقهاه.. لحين انتهاء العرض!!.
لم يخطر بباله احتمال ما يستدعي خروج الناس من المسرح..
وإنما تركز كل همه في منع المتطفلين من الدخول.. وبالتالي
فقد أغلق الباب بالمفتاح.. ووضع المفتاح في جيبه.. وتهادي
في مشيته نحو مقهاه.
والسبب أن هذا الحارس لم يحصل علي أي عناية من جانب الذين
عينوه.. ولم يلقنه أحد أبسط قواعد مقتضيات وظيفته.
هم عينوه.. ونسوه.
مثال آخر..
أن ديكورات مسرح بني سويف.. كانت مصنوعة من شكائر الأسمنت
التي يستخدمها الفقراء كملابس داخلية.
وهي شديدة الانفجار.. بعد أن تم طلاؤها ب «الاسبراي»
الملون.
وأن المسرحية كانت تعتمد علي استخدام المشاعل والشموع!.
وأنه لم تكن بالمسرح أي وسيلة لتأمينه له ضد الحريق.
وعندما امتلأ المسرح عن آخره وازدحم بالرواد والنقاد أغلق
حارس المسرح الباب بالمفتاح من الخارج.. وغادر المكان.
كل هذه الأحوال.. التي يمكن أن تتكرر في أي مكان مزدحم علي
أرض مصر.. لم تشغل بال أحد.. لأن اللوائح لم تضع المواصفات
التي يتعين توافرها.. في المكان.. ولا في الموظفين.
وهنا تتوه المسئولية.
وعندما تتوه المسئولية تضيع الحقيقة.
ولذلك نقول إن القضية أكبر من حريق اندلع في بني سويف.
القضية أننا نعيش في جاهلية أصول الإدارة.
نحن لا نعطي الوظائف البسيطة حقها.
نحن نأكل حقوق البسطاء.
ومن ثم فلا ينبغي أن تأخذنا الدهشة.. إذا أغلقوا علينا
الأبواب من الخارج.. وذهبوا يدخنون الشيشة!.
لا جدال في أن التليفزيون المصري حقق تقدما ملحوظا.. سواء
في البرامج الحوارية أو في تعديل موعد بث برنامج نادي
السينما.. وهي نقلة تسجل للوزير أنس الفقي.. الذي أعاد
للتليفزيون المصري مكانته بين الناس.
بيد أن محرقة بني سويف.. تعيد للأذهان ما طرحناه علي صفحات
«الأهالي» منذ عدة سنوات.. حول تجاهل التليفزيون للأنشطة
التي تجري في محافظات مصر.. وأعني علي وجه التحديد أنشطة
قصور الثقافة.
فمن الملاحظ.. أيامها.. أن كاميرات ماسبيرو.. كانت تنتقل
إلي بيروت لنقل مسابقات الخلاعة.. والأغاني الهابطة..
والأجساد العارية.. ولا ينتقل إلي أسيوط أو سوهاج.. أو حتي
المنيا أو بني سويف.. لنقل المسرحيات التي نكتشف من خلالها
المواهب المصرية الأصيلة.
وطالبت أيامها بأن ينقل التليفزيون المصري المسرحيات التي
تقدم في المحافظات.. بدلا من إعادة بث المسرحيات القديمة
التي أكل عليها الدهر وشرب.. ولم تعد تقدم جديدا يتلهف
عليه المشاهد.
إن في محافظات مصر العشرات من نجيب الريحاني وأم كلثوم
وعبدالوهاب وتحية كاريوكا.. لا يجدون طريقهم نحو ماسبيرو.
وهناك آلاف المواهب التي تظهر علي مسارح قصور الثقافة في
كل محافظات مصر.. وأذكر منها علي سبيل المثال كورال أطفال
الإسماعيلية.. الذي يقدم عروضا مبهرة.
ولكن المشكلة أن التليفزيون لا يهتم بنقل أنشطة قصور
الثقافة في المحافظات.. لأسباب لا نعرفها.
ولذلك نتمني أن توقظ «محرقة» بني سويف بعض الضمائر.. وتضع
أنشطة قصور الثقافة في مكانها الصحيح.. ولو من أجل خاطر
شهداء المحرقة!.