يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1246 (21 - 27) سبتمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

طعام الحب

 
 

د. عبد الله محمود سليمان

 

  كثيرًا ما يغفل الوالدان والمربون والإداريون والساسة عن حاجة من أهم حاجات الإنسان هي حاجته إلي «التغذية النفسية».
وتكشف هذه الغفلة عن عدم فهم للإنسان وطبيعته وعن عدم شعور بالمسئولية نحوه.
أين نحن من مسئولية الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: «والله لو عثرت دابة في العراق لاعتبرت نفسي مسئولاً عنها» ذلك أن مسئوليتك عن الآخر تعني أن تبذل الجهد للإسهام الفعال في إشباع حاجاته والعمل علي نموه وسعادته.
إن أهم المؤسسات في حياة الإنسان هي مؤسسات الأسرة والعمل والسياسة. هي مؤسسات الأسرة التي تأتي بالطفل إلي هذا العالم وتعمل علي تنشئته ورعايته. وهي مؤسسات العمل التي تشكل البيئة وتوجد النظم والإمكانات التي تعمل علي أن يكون الإنسان منتجًا. وهي مؤسسات السياسة التي توجه هذه المؤسسات كلها وتخلق الظروف التي تمكنها من أداء عملها بفاعلية.
والسؤال المهم هو: ما هدف هذه المؤسسات التي وجدت كي تكون مسئولة عن الإنسان؟ الهدف الأقصي الذي وجدت هذه المؤسسات من أجله هو أن تعمل علي مساعدة الإنسان - طفلاً كان أم شيخًا - علي أن يحقق إمكاناته إلي أقصي حد ممكن. وأي هدف اسمي من هذا الهدف. ذلك أن تحقيق الإنسان لإمكاناته فيه خير له وللمجتمع. إذ يساعد تحقيق إمكانيات الإنسان أفراد المجتمع علي أن يكونوا أصحاء، منتجين، ومبدعين.
ويتطلب تحقيق هذا الهدف الوعي والمعرفة والقصد والعمل.
والوعي هو وعي الإنسان بأن رسالته في الحياة هي أن يعمل علي تحقيق إمكانيات الآخر.
والمعرفة هي معرفة بطبيعة الحياة وإمكاناتها ومعرفة بطبيعة الإنسان، خصائصه، وإمكاناته، وكيفية تحقيقها.
والقصد هو أن يتعمد الإنسان خلق الظروف التي تمكن الآخر من تفعيل إمكاناته وتحقيق رسالته في الحياة.
ويبقي العمل الذي هو تطوير الخطط وتنفيذ الإجراءات التي تيسر تحقيق الإنسان لإمكاناته والقيام بأدواره في الحياة.
تري هل يخطر علي بال الساسة أننا هنا في مصر أمام سبعين مليونا من مجموعات من الإمكانات التي لو أطلقت لتغير وجه الحياة في مصر، وصعدت إلي مكانها اللائق بها. وإذا عرفنا أن من العلماء من يقول إن الإنسان لا يستخدم في حياته من إمكانات عقله إلا 3% أو علي أحسن تقدير 7%، لعرفنا أننا أمام كنوز هائلة من الإمكانات الكامنة التي تنتظر من يعمل علي إطلاقها. هل يعلم هؤلاء الساسة أنه في كل لحظة يعاني فيها الإنسان الوصول إلي مقر عمله أو دراسته، تموت إمكانات من إمكاناته؟ هل يعلم هؤلاء الساسة أنه في كل ساعة يقف فيها الإنسان ليحصل علي رغيف خبز بالالمبالاة، إن لم يكن بالكراهية تنطفئ رغبته في الحياة؟! هل يعلم هؤلاء الساسة أن المضادات الحيوية قد نضبت في الإنسان، فلم يعد قادرًا علي صد تسلط رئيسه في العمل، وتحكم وقهر والديه؟! هل يعلم الساسة أنه في كل لحظة من لحظات تعاسة الإنسان تموت في داخله إمكانية من إمكاناته؟!
لو علم الساسة ذلك لبحثوا عن الوصفة السحرية التي تنمي الطفل ليصير إنسانًا بكل ما تحمله كلمة إنسان من معني: نبعًا من المشاعر والأفكار، من الإمكانات التي لا تنضب والتي تعمل علي تنمية ذاته وذات الآخرين.
هذه الوصفة السحرية هي «طعام الحب»، مفهوم قدمه عالم النفس روبرت فيرستون، وناقشه في إطار علاقة الوالدين بالطفل. لكن الفاهم لطبيعة الإنسان والحياة، يستطيع أن يري أن تقديم التغذية النفسية يجب أن يكون المهمة المقدسة لكل من يرعي الإنسان، مهمة الوالدين، والمعلمين، والأطباء، ومديري الأعمال، وعلماء النفس، وكل من له علي غيره أمر.
ويعمل طعام الحب علي:
تنمية جسم الطفل وأجهزته ليصير قويا مطاوعًا، يؤدي وظائفه بأفضل مايمكن، قادرًا علي بذلك الجهد وتحمل الضغوط والتغلب عليها.
تغذية وجدان الطفل بحيث ينمو لديه حب الذات وحب الآخر وحب الحياة، وليصير قلبه حساسًا لإدراك الجمال، يشعر بالبهجة والمتعة لروعة الحياة وروعة البشر.
تنمية عقل الطفل ليصير قادرًا علي معرفة الذات والعالم، قادرًا علي تفعيل هذه المعرفة ومعالجتها لتكون أداته للتفاعل في الحياة وتمكنه من خلق صيغ وأفكار ومنتجات، والتفكير في هذا تفكيرًا ابتكاريا يخلق الجديد لإثراء حياته وحياة الآخرين.
طعام الحب إذن أساسي لفاعلية الأسرة وتحقيقها لأهدافها. فقد وجدت الأسرة لإنجاب الأطفال وتنشئتهم ومؤازرتهم. وتطورت أهداف الأسرة بتطور الحضارة. ويوضح فيرستون كما يؤكد غيره من المفكرين أن الغرض الأساسي من الأسرة هو تغذية وتنمية الإمكانات الخاصة للأطفال وتيسير نموهم، كي ينموا إلي أقصي حد ممكن؛ تنمية ذواتهم واستقلاليتهم وقدراتهم علي التفكير والابتكار. ويحتاج الطفل لتنمية إمكانياته إلي الطعام والماء والدفء والمأوي، وقدر مثالي من الاستثارة السمعية والبصرية واللمسية. ومن حاجات الطفل الأساسية الانتماء لآخرين من البشر (الأسرة والأصدقاء). ويحتاج الطفل إلي التواصل والارتباط مع شخص راشد ناضج أو أشخاص راشدين يتميزون بالتفهم والتعاطف ويعملون كنماذج إيجابية. وإذا وفرت البيئة هذا كله للطفل، وفرت له خبرات أصيلة وحميمة تيسر نموه، وتفتح إمكانياته، وتحقق فاعليته.
لتوفير التغذية السيكولوجية للطفل، يجب أن يكون الوالدان متكاملي الشخصية، وأن يكون في مقدورهما أن يطعما ويرعا الأطفال بشكل حساس، كما يجب أن يكونا قادرين علي تقديم التحكم والتوجيه لهم، ومساعدتهم علي التكيف لعملية تنشئة اجتماعية تكون ضرورة لنموهم وازدهارهم في الثقافة. وتذهب هذه التغذية السيكولوجية إلي أبعد من الجسم، إلي نفس الطفل (نظام الذات) ومن ثم فطعام الحب ضروري للبقاء المادي والجسمي والسيكولوجي.
ويتطلب توفير طعام الحب قوة شخصية الوالدين. فالحب من والد أو والدة ضعيفة ليس كافيا لتوفير الأمن الوجداني للطفل. وحينما يكون الوالد عطوفًا ولكنه غير ناضج أو فعال، فإنه يفشل في تعليم طفله الضبط الذاتي وتنظيم سلوكه وإذا لم يتعلم الأطفال ضبط تصرفاتهم الغاضبة مثلاً، سيصابون بالقلق، ويعانون من الضغوط، ويتصرفون بعداوة، وتنمو لديهم اتجاهات سلبية نحو أنفسهم، ويظهرون درجة عالية من كراهية الذات. ويؤدي التسامح الزائد من الوالدين إلي نشأة أطفال لم يكتسبوا خصائص الإنسان الفعال اجتماعيا يكبرون وهم غير حساسين لحدودهم أو حدود الآخرين.
والوالدان اللذان يقدمان «طعام الحب» يكونان في درجة من النضج تمكنهما من أن يتصرفا علي طبيعتهما في تفاعلهما مع الطفل. وعلي العكس من ذلك فإن الوالدين اللذين يقومان «بلعب» دورهما الأبوي أو يعبران عن هويتهما المضطربة، لا يعطيان الفرصة لأطفالهما لأن يعرفوهما كبشر ومحبين. والأطفال يحتاجون إلي أن يشعروا بالحب نحو والديهم والناس، وإذا حرموا من هذه الفرصة، فإنهم يعانون من ألم شديد.
ومع شديد الأسف، فإن كثيرًا من الآباء والأمهات لم يصلوا إلي درجة كافية من النضج ليقدموا لأطفالهم طعام الحب. وبالرغم من أنهم يقدمون لأطفالهم ما يؤدي إلي البقاء المادي، بل والرفاهية المادية، إلا أنهم يميلون إلي التأثير علي أطفالهم ورغباتهم وشعورهم باحترام الذات، بما يتصورون هم أنه في صالحهم، لا بما يتفق مع طبيعتهم واستعداداتهم وما يتطلبه نضجهم النفسي. وبالرغم من نياتهم الطيبة، فإنهم يسيئون لأطفالهم بنفس الإساءات التي تعرضوا لها وهم أطفال. ولقد أصبح من المعارف الشائعة في علم النفس أن الآباء والأمهات الذين يسيئون إلي أطفالهم كان قد أسيء لهم وجدانيا، كما أنهم يستمرون في الإساءة وجدانيا لأطفالهم ولأنفسهم وللآخرين.
والوالدية علم وفن فلسفته الحب، وأسسه المعرفة، واستراتيجياته ما كشف عنه العلم من أساليب ونظم تمكن من تحقيق الهدف الأقصي لتنشئة الإنسان وتنمية إمكاناته إلي أقصي حد ممكن، حتي يكون إنسانًا فعالاً منتجًا يفيد نفسه ومجتمعه. ومن أجل ذلك تحرص الدول المتقدمة علي تعليم فن الوالدية بكل الوسائل الممكنة، خاصة في شكل مؤسسات تعليمية، تمامًا مثل تعليم المهن، وابتكار المناهج التي تجعل هذا التعليم كافيا.
الوالدية دور مهم لنمو المجتمع وأفراده، يعمل تعليم هذا الدور علي إعداد الأفراد لأداء دورهم في الحياة لفائدتهم وفائدة المجتمع.
تري هل يعي آباؤنا وأمهاتنا ومعلمونا، وإداريونا، وساستنا، وأولو الأمر منا؟ هل يعي أولئك جميعهم أنهم يجب أن يكونوا ينابيع حب، يقدمون الحب وطعامه لأولئك الذين كان قدرهم أن يكونوا رعيتهم.. وذلك حتي تصير الحياة حبًا؟!
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة