فض الاشتباك بين رئاسة الجمهورية والحزب الوطني أول مطالب الإصلاح السياسي
نجوي إبراهيم
لن يتم التحول السلمي للديمقراطية إلا من خلال تخلي
الرئيس شخصياً عن رئاسة الحزب الوطني ليصبح رئيسا لجميع
المصريين بكل انتماءاتهم وليس رئيسا لفئة معينة كما إن
عملية الإصلاح الدستوري التي تنادي بها جميع القوي الوطنية
المعارضة والتي أصبحت ضرورة حتمية وغير قابلة للتأجيل لن
تتم إلا بعد اتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة للفصل
نهائيا بين الدولة وبين حزب الأغلبية. إذا ما أردنا النهوض
بالحياة السياسية والحزبية0
وحول ضرورة فض الاشتباك بين رئاسة الجمهورية والحزب الوطني
يدور التحقيق التالي..
من المعروف أن مصر عرفت ثلاث تجارب حزبية كانت التجربة
الأولي من 1907 إلي 1914، والثانية من 1919 إلي 1953 أما
التجربة الثالثة هي التي نعيشها الآن وخلال التجارب الثلاث
سيطرت ظاهرة الحزب العملاق وبجانبه أحزاب صغيرة، ففي
التجربة الأولي كان الحزب العملاق هو الحزب الوطني الذي
يرأسه «مصطفي كامل» ثم في التجربة الثانية كان حزب الوفد
برئاسة «سعد زغلول» أما التجربة الثالثة فكان الحزب
العملاق هو«الحزب الوطني الديمقراطي» الذي يوجد بجانبه
مجموعة أحزاب صغيرة منها أحزاب حقيقية وأخري ديكورية.
كله في خدمة الوطن وإصلاح النظام الحزبي في مصر لن يتم إلا بفض الاشتباك
القائم بين رئاسة الجمهورية والحزب الوطني هذا ما أكده
الدكتور/ يونان لبيب رزق - أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس
وعضو مجلس الشوري - مشيرا إلي أن هذا الاشتباك يجعل أجهزة
الدولة في خدمة هذا الحزب.
ويقول الدكتور «يونان» إنه في بعض الدول الديمقراطية يتم
انتخاب رؤساء الجمهورية من الأحزاب أي أن الحزب هو الذي
يساند مرشحه ليفوز في الانتخابات، ولكن الوضع في مصر هو
العكس حيث إن رئيس الجمهورية هو الذي يسند الحزب أو هو
رئيس الحزب ولا ينتخب الحزب رئيسه بشكل شرعي، وبالتالي فإن
الحياة الحزبية ستظل ضعيفة ما دام الحزب الوطني يرأسه رئيس
الجمهوية الذي يسيطر علي كل المقاليد في الدولة.
ويؤكد الدكتور «يونان» أن السؤال المطروح حالياً هو هل
الوقت مناسب بفض هذا الاشتباك الذي دام لسنوات طويلة،
ويجيب قائلا: إن الفرصة أصبحت متاحة، خاصة بعد التجربة
التي خاضها الحزب الوطني في انتخابات الرئاسة، فكان أداؤه
جيدا بما يجعله قادرا علي الوقوف وحده في الميدان دون
حماية من مؤسسة الرئاسة، صحيح إنه لن تكون له هذه الأغلبية
الساحقة التي تسيء للتجربة الحزبية أكثر ما تفيد ولكنه
سيظل قوة كبيرة ومؤثرة في الحياة السياسية المصرية بعد أن
يدخل منافسة متكافئة مع الأحزاب الأخري.
تناقض مرفوض ومن جانبه يؤكد الكاتب «محمد سيد أحمد» - أن النظام
السياسي في مصر يقوم علي فكرة الحزب الواحد الذي يتاح له
كل الصلاحيات والامتيازات بخلاف الأحزاب الأخري وهذا
يتعارض مع منطق الديمقراطية والتعددية الحزبية التي اعترف
بها الحزب الحاكم ذاته.
ويطالب «محمد سيد أحمد» بضرورة إنهاء هذا التناقض الغريب
فإما أن نكون بلدا يسير وفقاً لنظام التعددية السياسية
والحزبية وفي هذه الحالة لابد أن يرفع الرئيس يده عن رئاسة
الحزب الوطني أو أن نكون بلدا ذات حزب واحد، الحكم فيه
استبدادي، أما الجمع بين الجانبين فهذا تعارض مرفوض.
ويشير إلي أن النظام الحزبي التعددي يمنح الأحزاب صلاحيات
متساوية ولا يجوز هيمنة حزب واحد علي أجهزة الدولة بل هي
ملك للشعب والشعب يعني جميع الأحزاب وليس حزب الرئيس، أما
أنصار فكرة بقاء رئيس الجمهورية رئيساً لحزب الحاكم فيؤكد
- محمد سيد أحمد - أنها فئة تستفيد من هذا الوضع خاصة في
ظل الصلاحيات المتاحة للرئيس فنحن نعيش في نظام يعطي فئة
بعينها الحق في السيطرة علي الدولة.
السيطرة علي المؤسسات المشكلة الحقيقية هي سيطرة الحزب الوطني علي جميع
أجهزة ومؤسسات الدولة هذا ما يؤكده - عبد الغفار شكر - عضو
المكتب السياسي بحزب التجمع - موضحا إن حزب الرئيس في مصر
هو المسيطر علي جميع أجهزة الدولة ويسخرها لخدمته، كما إن
المناخ السياسي في مصر لا يسمح بتداول السلطة ولا يتيح
للأقلية فرصة التحول إلي أغلبية، فنحن لا نزال نعيش في ظل
فكرة الحزب الواحد، وبالتالي فأحزاب المعارضة في مصر لا
تنافس الحزب الوطني بل تنافس أجهزة الدولة التي تأخذ شكل
حزب سياسي متمثل في كيان الحزب الوطني، ولذلك فإن أهم
مطالبنا الدستورية والسياسية التي ننادي بها من سنوات هو
الفصل التام بين مؤسسات الدولة والحزب الوطني، ولكن فكرة
إذا كان رئيس البلاد هو نفسه رئيساً للحزب الوطني وهذه
مسألة لا تهمنا كثيراً.
ويؤكد «عبد الغفار شكر» إن عملية الفصل تتطلب التحول إلي
نظام الجمهورية البرلمانية في الحكم، خاصة إن النظام
الرئاسي المتبع حالياً يرسخ فكرة الحاكم الواحد، فمرشح
الحزب الفائز في الانتخابات يصبح رئيسا للجمهورية وفي
الوقت نفسه رئيسا للحزب وبالتالي تنتقل كل السلطات
والصلاحيات المتاحة للرئيس إلي الحزب، أما في حالة
الجمهورية البرلمانية يصبح منصب رئيس الجمهورية منصبا
بروتوكوليا وشرفيا والسلطة الحقيقية تصبح في يد مجلس
الوزراء، وفي هذه الحالة لا يوجد مانع أن يكون رئيس
الجمهورية رئيساً للحزب لأننا سنواجه حزبا سياسيا وتصبح
مؤسسات الدولة متاحة لجميع الأحزاب وليست حكراً علي حزب
واحد.
مباديء الديمقراطية ويرفض أبو العلا ماضي - مؤسس حزب الوسط - مبدأ مقارنة
أنفسنا بالدول الديمقراطية التي فيها رئيس الجمهورية
رئيساً لحزب الأغلبية مؤكداً أن الديمقراطية. لها قواعد
معينة وما يحدث عندنا ليس له علاقة بمباديء الديمقراطية،
حيث إن رؤساء الجمهورية في الدول الديمقراطية لا يسيطرون
علي أموال الدولة ولا يمنحهم الدستور أكثر من 63% من
إجمالي الصلاحيات في البلاد، فالرئيس في هذه البلاد مجرد
آلة لتحقيق مطالب شعبه، كما إن البلاد التي نقارن أنفسنا
بها تتمتع بمناخ سياسي يسمح بتداول السلطة وتواجد أحزاب
قوية تستطيع منافسة حزب الرئيس، ولذلك فنحن في مصر لن نسمح
باستمرار هذا الوضع إلا إذا تم الفصل الواضح بين السلطات
الثلاث وأصبح المناخ السياسي يسمح بالتعددية الحزبية
وبوجود أحزاب قوية قادرة علي منافسة حزب الأغلبية حتي يحدث
تداول حقيقي للسلطة.
الإصلاح السياسي الكامل
أما د. ضياء رشوان - خبير بمركز الدراسات السياسية
والاستراتيجية بالأهرام - فيري أننا في حاجة ملحة لسن
دستور جديد للبلاد من أجل الفصل بين الرئيس وإمكانيات
الدولة التي يستخدمها لخدمة حزبه ويؤكد د. ضياء إن الفصل
بين الرئيس ومؤسسات الدولة لن يتم بمجرد تشريع مادة في
الدستور الحالي بل إن الأمر يتعلق بحياة ديمقراطية وإصلاح
سياسي حقيقي، والوصول إلي الديمقراطية تحتاج العديد من
الآليات أهمها إلغاء حالة الطواريء وتوفير ضمانات
الانتخابات الحرة النزيهة وإلغاء جداول القيد الحالية
وإنشاء جداول تتطابق مع السجل المدني لحين الانتهاء من
تعميم الرقم القومي، وإطلاق حرية تشكيل الأحزاب ورفع
الحصار المفروض علي الأحزاب ورفع القيود علي النشاط
الجماهيري وكفالة استقلال النقابات المهنية والعمالية
والجمعيات الأهلية وإطلاق الحريات لحرية إصدار الصحف
وملكية وسائل الإعلام وتحرير أجهزة الإعلام والصحافة
القومية من سيطرة السلطة التنفيذية والحزب الحاكم.
أما الدكتور يسري مصطفي - باحث سياسي - فيري أن الخلل
الحقيقي يكمن في توزيع السلطات، فالرئيس يهيمن هيمنة كاملة
علي السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وبالتالي يصبح
حزب الأغلبية هو المهيمن علي هذه السلطات، ولذلك فالأمر
يتطلب إعادة النظر في توزيع السلطات بين مؤسسات النظام
السياسي فضلا عن ضرورة توافر عمليات الرقابة المتبادلة حتي
لا ينفرد شخص بالقوة والنفوذ.