لم يعلق المسئولون العرب علي الخطاب الذي ألقاه رئيس
الوزراء الإسرائيلي شارون في القمة العالمية في الأمم
المتحدة باللغة العبرية، وافتتحه بقوله:
«جئتكم إلي هنا من القدس، عاصمة الشعب اليهودي لأكثر من
ثلاثة آلاف سنة، وعاصمة دولة إسرائيل إلي أبد الآبدين».
فقد أراد شارون أن يعلن التحدي والازدراء لكل قرارات الأمم
المتحدة علي مدي أكثر من نصف قرن.
ولم نسمع عن انسحاب أي وفد عربي أو غير عربي من القمة
العالمية.. احتراما لقرارات الشرعية الدولية التي قرر
شارون إسقاطها بجرة قلم وكأنها لم تكن.
ولم يقنع شارون بتزوير التاريخ، وإنما أراد أن يقدم للعالم
صورة مزورة عن أرض الآباء والأجداد، قال إنه ولد في «أرض
إسرائيل» في عائلة من المزارعين والفلاحين، متجاهلا أنه
ابن لعائلة مهاجرين من أوكرانيا.
واستغل شارون منبر الأمم المتحدة والقمة العالمية لكي
يمارس كل أساليب الدجل والشعوذة، ويزيف الحقائق، ويخدع
المشاركين في القمة، ولم يدخر أي وسيلة من وسائل ابتزاز
المشاعر والعواطف، إنه يقول:
أرض إسرائيل غالية عندي، غالية علينا، وهي أغلي عندنا -
نحن اليهود - من أي شيء آخر، والتنازل عن أي جزء من أرض
أجدادنا يمزق قلوبنا، وهو أقسي من شق البحر، فكل بقعة أرض،
كل تلة وواد، كل صخرة وجبل مشبع بالتاريخ اليهودي، وهو
مخزن ذكريات، والوجود اليهودي في أرض إسرائيل لم ينقطع
أبدا، وحتي هؤلاء الذين تشتتوا من بيننا في العالم رغم
إرادتهم، بقية أرواحهم علي مدي الأجيال مربوطة بآلاف
الروابط الخفية بينابيعنا».
الثمن المطلوب وأرض إسرائيل، التي يتحدث عنها شارون هي فلسطين من
البحر إلي النهر، وهي «الشهادة والهوية، وحق الشعب
اليهودي.. الأرض الواحدة والوحيدة لنا، وفي قلب قلبها
القدس الموحدة، مدينة الأقداس.. ومحور حياة الشعب اليهودي
في أجياله وموضع حنينه وصلواته منذ ثلاثة آلاف عام»!.
أما الفلسطينيون.. فلا علاقة لهم بالأرض!.
وهو يريد الإشارة بطريقة خبيثة إلي أن حكومته قدمت
«تنازلا» عن «جزء من أرض إسرائيل»، هو قطاع غزة!.
ويطلب الثمن في المقابل، وهو القدس بكاملها والضفة
الغربية، ولا يريد من أحد إزعاجه في المستقبل القريب بأي
مطالب أخري تتعلق بالفلسطينيين.
فهو يقول للمشاركين في القمة العالمية إن مشروع غزة كان
بالغ الصعوبة بالنسبة إليه، وأنه دفع ثمنا شخصيا باهظا(!)،
كما أن المجتمع الإسرائيلي يمر بأزمة شديدة نتيجة لما
يسميه «خطة الفصل».. لكي يصل في النهاية إلي طرح ما يريده
مباشرة، وهو أن إسرائيل «تحتاج إلي وقت لمداواة الجروح»!.
صحيح، إسرائيل تحتاج إلي المزيد من الوقت لبناء المزيد من
المستوطنات، ومصادرة المزيد من الأرض الفلسطينية واستكمال
الجدار الفاصل.
النوايا الحقيقية ولا يترك شارون فرصة للتكهنات، فقد أكد في خطابه علي
مواصلة بناء الجدار العنصري الفاصل «لحماية أرواح
الإسرائيليين من القتلة والمخربين»!.
ورغم الإصرار المفضوح علي استمرار الاحتلال والتوسع، فإنه
يواصل التمثيلية المبتذلة التي أصبح يتقنها، والتي يقوم
فيها بدور الحمامة ورجل السلام.
ففي الوقت الذي يكشف فيه عن حقيقة نواياه تجاه
الفلسطينيين، لا يمانع في التظاهر أمام القمة العالمية
بأنه يمد يده إلي جيرانه الفلسطينيين إذا كانت الأيام
القادمة سوف تشهد تفكيك ما أسماه بالمنظمات الإرهابية
«منظمات المقاومة الفلسطينية»!.
الرجل يريد أن يستثمر حتي الثمالة تفكيك مستوطنات في غزة
لكي يجني مكاسب ضخمة لا تبدأ بالاستيلاء علي القدس والضفة
الغربية ولا تنتهي بإقامة علاقات مع دول عربية وإسلامية
كثيرة.
الموافقة.. موجودة! تقول صحيفة «معاريف» الإسرائيلية إن زخم البناء
للمستوطنات.. متواصل، والمستوطنون يتلقون الدعم، ووزير
الزراعة الإسرائيلي «يسرائيل كاتس» يريد أن يفعل كل شيء
للتشبث بالأرض «في القدس والضفة» وتشديد التمسك بها، وهو
يريد السيطرة علي منطقة تتجاوز 45 ألف فدان في جنوب جبل
الخليل بجوار الموقع الاستيطاني المسمي «مزرعة لوتسيفر»،
وأصدر تعليماته بإقامة سياج حول آلاف الأفدنة بغرض تربية
اثنين من قطعان الأغنام يضم كل قطيع منهما ثلثمائة ألف
و250 رأس خروف وماعز.. وكل ذلك يعد خارج القانون، حتي
بالمواصفات الإسرائيلية وفقا للتقرير الذي سبق أن قدمته
تاليا ساسون المحامية الإسرائيلية حول المواقع الاستيطانية
غير القانونية ، وهكذا أصبحت أرض فلسطين مفتوحة للأغنام
ومحرمة علي أهلها!.
وكان شارون قد صرح لصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية بأن
إسرائيل ستواصل البناء في المستوطنات الكبري حتي لو لم
تحصل علي موافقة أمريكية.. حيث إن هذه المراكز السكانية
اليهودية الكبري ستبقي جزءا من دولة إسرائيل.
خريطة الأطماع ولما كانت المستوطنات الإسرائيلية من أهم ملامح
الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، كما أنها
المقدمات الضرورية لتهويد فلسطين وفرض التفوق الديموجرافي
«السكاني» اليهودي.. فإن عدد المستوطنين في الأراضي
الفلسطينية يقترب الآن من نصف مليون يهودي وكان قد بلغ
حوالي 445 ألف مستوطن في نهاية عام 2004، منهم حوالي 433
ألفاً في الضفة الغربية.
وتكشف خريطة الاستيطان أبعاد الأطماع الإسرائيلية في
الأراضي الفلسطينية.. فالملاحظ أن معظم المستوطنين
يستعمرون محافظة القدس (237 ألف مستوطن)، منهم 185 ألفاً
في داخل منطقة القدس، ويليها محافظات رام الله والبيرة (68
ألفا) وبيت لحم (41 ألفا)، وسلفيت (29 ألفا)، وكان أقل عدد
من المستوطنين هو الموجود في قطاع غزة (8140).
أما عن الموافقة الأمريكية علي الاستيطان والجدار العنصري
الفاصل فإنها متاحة ومتوافرة، وكل الدلائل تؤكد أن هناك
اتفاقا إسرائيليا - أمريكيا علي ابتلاع أجزاء كبيرة من
الضفة الغربية بواسطة الجدار الفاصل بحجة «الاعتراف
بالواقع السكاني القائم»!.
تصحيح «خطأ تاريخي»! ولذلك كانت مهمة شارون وجماعته أثناء الخروج من غزة هي
تصوير هذا الخروج علي أنه «كارثة قومية» و«مؤلمة» ولن
تتكرر.
وما تسعي إليه الحكومة الإسرائيلية الآن هو تصحيح «الخطأ
التاريخي» الذي ارتكبته إسرائيل في عام 1948 بإبقاء
الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتتركز الجهود الإسرائيلية
علي جعل الحياة شبه مستحيلة في الضفة بسبب الاختناق
الاقتصادي وعدم توافر فرص العمل مما يدفع الفلسطينيين إلي
البحث عن بلد آخر.
ويريد شارون إقناع العالم بأنه لا يمكن إخلاء نصف مليون
مستوطن في الضفة الغربية والقدس، وأن علي هذا العالم أن
يبحث عن حلول أخري.
وكلنا نعرف أن شارون نفسه طرد أكثر من 700 ألف فلسطيني من
ديارهم في حرب 1948، وأنه طرد ما لا يقل عن ربع مليون
فلسطيني في حرب 1967.
والتصريح الذي أدلي به شارون مؤخرا، خلال سفره إلي
نيويورك، واضح الدلالة.. فالمستوطنات ستقام في الضفة
الغربية «بقدر حاجة الإسرائيليين»!!.
إذن.. فالأنشطة الاستيطانية مستمرة إلي أجل غير مسمي،
والمطلوب - بالدقة - هو فرض «الحقائق الاستيطانية» بقوة
الاحتلال.
التوقيت المناسب وليس من المصادفة أن تعلن المحكمة العليا الإسرائيلية،
للمرة الأولي، يوم 15 سبتمبر الجاري رفضها للقرار الذي
أصدرته محكمة العدل الدولية في لاهاي في يوليو عام 2004
باعتبار الجدار الفاصل العنصري غير مشروع وينتهك القانون
الدولي ويجب إزالته «وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم
المتحدة قرارا مماثلا في وقت لاحق»، وقررت المحكمة العليا
الإسرائيلية أن حكم محكمة العدل الدولية «معيب» ويستند إلي
وقائع «منحازة» و«غير ملزم»!.
وليس من المصادفة أيضا أن تقرر إسرائيل إقامة «منطقة
أمنية» داخل الأراضي الفلسطينية بعمق 150 مترا في شمال
قطاع غزة، وأن يعترف الجنرال الإسرائيلي عاموس جلعاد بأن
هذا القرار «قد يخلق صعوبات للفلسطينيين، ولكن «الأولوية
لأمن إسرائيل»!
ورغم أن إسرائيل لم تتوقف - ولو للحظة واحدة - عن تنفيذ
خططها الجهنمية للتوسع والإجهاز علي ما تبقي من فلسطين..
فإن شارون يعلن أمام القمة العالمية أن علي الفلسطينيين
الآن - بعد فك الارتباط مع غزة - أن يبرهنوا علي أنهم
يريدون السلام، وليس هناك وسيلة لكي يبرهنوا علي ذلك سوي
ضرب وقمع حركة المقاومة الفلسطينية للاحتلال!!
العرب في الخدمة وبطبيعة الحال فإن المطلوب من الفلسطينيين والعرب ومن
العالم كله أن يغضوا الطرف عن عملية تهويد الضفة الغربية
«إلي جانب القدس».. الجارية الآن بسرعة غير مسبوقة.
ويبدو أن بعض العرب علي أتم استعداد للقيام بالدور
المطلوب.
وهذا ما يبدو واضحا من اللقاء الذي تم بين وزير خارجية قطر
الشيخ حمد بن جاسم بن جبر ووزير الخارجية الإسرائيلي
سيلفان شالوم في مقر الأمم المتحدة.
وجاء هذا اللقاء بعد يوم واحد من النداء الذي وجهه وزير
الخارجية القطري إلي الدول العربية بضرورة التحدث مع
إسرائيل!.
ويتجاهل الوزير القطري أن إسرائيل هي التي ترفض التحدث إلي
العرب.. وأقصد العرب الذين يشكلون طرفاً مباشراً في
الصراع.
ولعل الوزير القطري نسي أن سوريا عرضت بدء مفاوضات مع
إسرائيل، وأن الأخيرة رفضت علي لسان الوزير الذي التقي به
في الأمم المتحدة، والذي صرح منذ شهور بأن الولايات
المتحدة تشجع إسرائيل علي رفض التفاوض مع سوريا حتي لا
تتيح لها مخرجا دبلوماسيا من الضغط الأمريكي عليها!!
تحركات إسرائيلية
وتقول وكالات الأنباء إن اللقاء القطري - الإسرائيلي في
الأمم المتحدة يكشف عن تحرك قطري لتحسين العلاقات مع
إسرائيل «بعد انسحابها من غزة»، وربما أيضا لإقامة علاقات
دبلوماسية كاملة بين الدولتين.
ويقول المتحدث الرسمي باسم شارون «عساف شاريف» إن العمل
يجري الآن لإعداد اجتماع مع أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة
الثاني.
وتري حكومة قطر أن الدول العربية يجب أن تتقدم خطوة في
اتجاه إسرائيل من خلال لقاء دولي أو لقاء بين الدول
العربية وإسرائيل والدول الراعية لعملية السلام، وخاصة
الولايات المتحدة، ويري الشيخ حمد أن الانسحاب من غزة قد
يجلب التطبيع في العلاقات مع إسرائيل!
أشياء غير مهمة
وليس مهما أن تستكمل إسرائيل تهويد القدس والضفة الغربية
وتواصل الاستيطان ومصادرة أراضي الفلسطينيين، وليس مهما أن
يبقي أكثر من سبعة آلاف وطني فلسطيني معتقلا وراء أسوار
السجون الإسرائيلية، وليس مهما حرمان الفلسطينيين من حق
العودة، وليس مهما أن يبقي سكان غزة داخل سجن إسرائيلي
كبير، وليس مهما تقسيم الضفة الغربية إلي قسمين، وليس مهما
إقامة الجدار العنصري الفاصل واستمرار عمليات القتل
للنشطاء الفلسطينيين وخنق الاقتصاد الفلسطيني وعرقلة حركة
البشر والسلع..
ليس لكل ذلك أهمية.. يكفي أن شارون خرج من غزة التي كان
عدد من جنرالات إسرائيل يرفضون احتلالها.. أصلاً، وليس
مهما أيضا أن تستولي إسرائيل علي كل القدس والضفة الغربية.
ومن هنا يتردد أن هناك طواقم مفاوضات إسرائيلية تشكلت
لإجراء اتصالات مع عدة دول عربية في المغرب والمشرق لإقامة
علاقات دبلوماسية وغير دبلوماسية.
وهكذا حال العرب دائما.. جاهزون لتقديم التنازلات والتطوع
بتقديم الهدايا حتي لهؤلاء الذين يحتلون أراضيهم ويهدرون
كرامتهم ويستصغرون شأنهم..
ولهذا.. ضاعت فلسطين!