فتحت مصر عينيها0 استيقظت من غفوة تبدت لنا وكأنها أمد
طويل، بينما هي مجرد لحظة من عمر الزمان المصري العميق
الجذور0 قامت مصر من غفوتها، عطرت جسدها الجميل بماء
النيل، كحلت عينيها بقطعة من الطمي المترسب في أعماقه،
مشطت شعرها المجعد بالمشط الذهبي لتوت عنخ آمون، ثم أسدلته
لتصنع منه ضفيرة طويلة أنيقة، بللت قدميها بماء البحر
المتوسط، تمشت علي ضفافه الرملية حافية القدمين، منحت
وجهها لقرص الشمس ليكتسب من أشعته سمرة زادتها بهاءً0 رفعت
طرف ثوبها الموشي بضوء القمر، لبست قلادتها المضيئة بمزيج
سحري مصنوع من عرق المصريين، والتي صاغتها أنامل أجيال من
الصناع المهرة الذين نسجوها من هلال وصليب، وما كانت البقع
الحمراء فيها مصادفة0 فقد أسهم في صنع هذه القلادة شهداء
بالآلاف وأنهار من دماء0
تنهدت مصر00 تلفتت00 امتد بصرها من شاطئ البحر حتي مدي
امتداد النهر00 ترنمت في شجن، شجن هو مزيج من حزن وغضب
وعتاب فها هي تصحو والأبناء نيام لم يزالوا00 ارتفع صوتها
الشجي ليسمع إمتداد الوادي:
صحا كل شعب فاسترد حقوقه
فمتي يا مصر يصحو شعبك المتناوم
هي تعرف أبناءها، ليسوا نياماً، بل يتظاهرون، ولعلهم
يستعدون لصحوة تليق بها، وتليق بهم0 وفيما يفتح المصريون
أعينهم علي نغماتها00 يأتي صوت حزب التجمع:
لك يا مصر السلامة
وسلاما يا بلادي
إن رمي الدهر سهامه
أتقيها بفؤادي
واسلمي في كل حين
فإذا بصوت عريض يمتد عبر المصريين جميعاً، ويأتي من
حناجرهم جميعا :
يا مصر يا جنة الدنيا ووردتها
يا من بجسمك أدميت الأزاميلا
وددت لو غرسوني فيك مئذنة
أو علقوني علي الأبواب قنديلا
ثم يأتي صوت التجمع من جديد:
كم ذا يكابد عاشق ويلاقي
في حب مصر كثيرة العشاق
ويوشك حلم النائمين والمتناومين أن يتحقق0 يصحو المصريون
جميعاً، جميعاً ماعدا من لم يتعود علي المحبة المخلصة
لمعشوقته0
فالحب الحقيقي هو أن تحب محبوبتك التي هي وطنك أكثر مما
تحب نفسك0 والمصريون جميعاً - أو أغلبهم - شربوا من نهر
هذا العشق السحري الذي يغمرهم بفتنته فيقتادهم نحو محبة هي
أشبه بحالة الوجد الصوفي الذي يذيب الإنسان جسداً وروحاًَ
في عشق معشوقته0
هكذا كان المصريون دوماً0 هكذا كانوا جميعاً، مهما كانت
انتماءاتهم، ومهما تبدت التزاماتهم أمام الحاكم، أو أمام
حزبه، أو أمام المنصب، أو أمام الموقف أو الفكرة، فإذ يسلم
المصري نفسه لحالة العشق المصري، يتجسد مصرياً خالص
المصرية، وتعلو به مصريته فوق كل كسب حزبي، وفوق كل التزام
وظيفي، وحتي فوق كل مصلحة شخصية، وفوق كل خلاف أو اختلاف0
وإذ يهتف المصريون وهم ينشدون:
لك يا مصر السلامة
وإذ يعلو صوت التجمع:
أنا يامصر فتاك
بدمي أحمي حماك
تعلو فوق رءوسنا طيور هي أيضاً من نبت مصر تمطرهم بالعطر
الأبدي السحري الآتي من ماء النيل0 وتلهمهم الالتزام بمصر،
مصر وحدها، بلا أي شريك00 لا حاكم، ولا منصب ولا مصلحة
شخصية، ولا كسب ذاتي0
ذات يوم كان عبد الله النديم الأسطورة الشعبية في الثورة
العرابية هارباً يتجول في ريف مصر تحميه قلوب المصريين
الذين اتخذوه رمزاً لمقاومة الاحتلال والخديو عميل
الاحتلال0 استقر به المقام عند أحد العمد، والعمدة يعرف أن
حياته قد تكون ثمن إيواء هذا الثائر الهارب الذي جعل
الاحتلال ثمناً لمن يبلغ عنه خمسة آلاف جنيه، وهي ثروة
طائلة بحسابات ذلك الزمان، لكنه تقبل المخاطرة راضياً من
أجل إنسان يتجسد فيه العشق لمصر0 وفيما يجلس النديم في
دوار العمدة متنكراً في زي درويش هبط علي الدوار مأمور
المركز0
عينا المأمور المدربتان تأملتا الدرويش وعرفت من هو،
فانصرف مسرعاً0
النديم والعمدة معاً عرفا أن المأمور عرف0 وفيما يلملم
النديم أطراف ثوبه القديم مستعداً لمواصلة الهرب خوفاً من
أن يعود المأمور ومعه قوة من رجال الأمن للقبض عليه0 وصل
رسول من المأمور يحمل خطاباً مغلقاً لسيدنا الدرويش، فتح
النديم الخطاب وبكي0 إنها المرة الأولي التي يبكي فيها
الرجل الحديدي الإرادة، القوي العزيمة00هو لم يبك عندما
تساقط من حوله أبطال الثورة قتلي برصاص الاحتلال، وبخيانة
الخونة، لم يبك يوم الهزيمة0 الرجل الصلب، الذي صاح يوم
هزيمة الثورة:
صلينا يا هموم فقد علمنا
بأنا الصلب صلباً لا يلينا
لنا جلد علي جلد يقينا
إذا زاد البلا زدنا يقينا
هذا الرجل الصخري الإرادة، والذي اشتق إرادته من الجرانيت
المصري الذي صنع منه المصريون الفراعنة ما يصمد لصروف
الدهر من آثار وتماثيل0
بكي وبللت دموعه رسالة مأمور المركز وقرأ بصوته الجهوري ما
أدهش العمدة وكل من يعرفون حقيقة الدرويش00
ولقد نذرت إذا لقيتك سالماً
لأقبلن مواطئ الأقدام
ولأثنين علي سجا ياك التي
حثت علي التحرير والإقدام
هكذا هم المصريون عندما يستسلمون لعشق المعشوقة الأبدية
مصر0
وإذا كان القول الفقهي يقرر «الدين تسليم بالإيمان»0
وإذا كان أبونا رفاعة الطهطاوي قد نقش بقلمه علي القلب
المصري عبارته الملهمة «حب الوطن من الإيمان» فإنه يكون قد
علمنا أن «الوطنية هي التسليم لمصر» أن نسلم لها ذاتنا
وفعلنا وقولنا وإخلاصنا، وأن نتنازل عن كل شيء، وأي شيء في
سبيل محبتنا لها0 ومن أجل أن نري ابتسامة علي وجهها الأسمر
الجميل المتألق في بهاء0
ومصر إذ بللت شعرها بماء النيل، ومشطته ثم جدلت منه ضفيرة
واحدة رائعة البهاء، كانت تعلمنا - نحن عشاقها- جميعا أن
نتضافر معاً في عشقها0
وتلك هي البداية0
وهكذا يجب أن تكون0
أن نذوب جميعاً في عشق مصر، لنذوب معاً موحدين في معركتنا
من أجل مصر0
فتعالوا يا أيها المصريون كي نبدأ0
تعالوا نغسل وجوهنا من آثار نعاس طويل0 نغسلها بماء النيل
السحري المفعول، ونخلق معاً0
ومن إرادتنا جميعا ضفيرة مصرية عفية تستلهم من عشق الوطن
وحدتها، ومن إخلاصها له قوتها، كي نمضي معاً لنواصل طريق
النهوض بمصر، والسير بها في طريق الديمقراطية، والحرية،
والعدل الاجتماعي0
تعالوا يا أيها المصريون، يا أبناء كل الأحزاب والقوي
الوطنية والديمقراطية أيديكم في أيدينا لنصنع لمصر فجراً
جديداً ينهض بها كي تصبح كما يجب أن تكون، لنمسح عن وجهها
لمسات الحزن الذي ارتسم علي ملامحها زمناً بسبب سوء
الأحكام وفسادها، ولنرسم علي الوجه الأسمر الجميل بسمة
تضيء المستقبل وتنعكس علي وجه المصريين جميعاً بسمات
ورضاءً وحريةً ومستوي معيشة أفضل0
تعالوا لنصنع معاً أساساً متيناً لوحدتنا الوطنية0 أليس
غريباً أن برامج المرشحين فيما أسمي بانتخابات الرئاسة، قد
خلت في أكثرها من أي ذكر للوحدة الوطنية بينما هي أساس
لنهوض واحد موحد يستشعر فيه كل مصري حقوقاً متكافئة في عشق
هذا الوطن الذي هو لنا جميعا، والذي نحن له جميعا؟
تعالوا يا أيها المصريون جميعا ومن كل القوي الوطنية
والديمقراطية نمد أيدينا معا كي نزيح أستار الليل00 ونصنع
فجراً مصرياً جديداً0
في بدايات القرن الماضي كان أبو جدي شيخاً لسوق الحدادين
في المنصورة0 وقبله كان أبوه شيخا لهم في النصف الأخير من
القرن 19، حتي جاء جدي ثم أبي ليعيدا تطوير ما تركاه لكنه
ظل وبآلات حديثة ومتجددة يتعامل مع الحديد0
وتلقنت أسرتنا درس التعامل مع هذا المعدن المتغطرس
والعنيد0 النار ثم المطرقة0 النار إذ تشتعل حوله تفرض
إرادتها عليه ثم تأتي المطرقة لتشكله كما تشاء0
وهكذا عشنا دوماً ثلاثية الحديد - النار- المطرقة0
الحديد العنيد المتغطرس يلين بالنار ويهذب بالمطرقة، ليأتي
بعدها كمانريد، كما نريد نحن، وليس كما كان هو0
تعالوا نفعلها مع هذا النظام المتغطرس والذي ظل علي عناده
دوماً، وما رضخ لإرادة الشعب أبداً إلا مرغماً0 النار ثم
المطرقة0 النار هي حركة الجماهير الشعبية الموحدة والمصممة
علي ديمقراطية حقة، وعلي أن السلطة للشعب وليس لأي ما كان0
والمطرقة هي الإرادة الشعبية القادرة والقاهرة، والتي
ستعيد تشكيل نظام الحكم وفق إرادتها0
فلنمض قدماً في طريقنا يا أبناء شعبنا جميعا0 لننهض ،
لنتحرك، لنطالب، بل لنأمر، فما كان لأحد أن يصدر أمراً
نافذاً مغايراً لما يأمر به الشعب0
فقط ليقول الشعب كلمته، فكلمته آمرة، وقوله هو القول
الفصل0
وعلينا وعلي كل الجماهير أن نتقن فن التعامل مع هذا الحكم
العاتي المتعالي المتحكم والمتغطرس0
الحديد نعامله بوهج الإرادة الشعبية، ثم نقوم بإعادة
تشكيله بمطرقة الجماهير0
مستندين في كل ذلك إلي تحرك سلمي لكنه عارم وفاعل ومصمم0
ساعتها ستتوهج إرادتنا لتفرض ما هو حق0 نحن مسالمون، وسنظل
مسالمين لكننا سنواصل تصميمنا الحاسم والحازم علي إذابة
الحديد المتغطرس، وإعادة تشكيله بما يتلاءم مع إرادة الشعب
ومصالح الوطن0
ونحن قادرون علي ذلك00
نحن قوم تذيبنا الأعين النجل
علي أننا نذيب الحديدا
في ساحة العدل يقتادنا الحب
وفي الوغي نحن نقتاد الأسودا
فتعالوا أيها المسالمون العاشقون للوطن؛ تعالوا كي نذيب
الحديد ونروض من يعتقدون أنهم أسود وما هم كذلك0 ولن
يكونوا كذلك طالما اتحدنا0 وطالما تحركنا، وطالما أتقنا فن
التعامل مع ثلاثية : الحديد - النار - المطرقة0
فتعالوا جميعاً00 الآن0 وفوراً0 فغداً يكون قد فات الأوان0