يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1246 (21 - 27) سبتمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

سحائب ذكري

 
 

عزيز تعلب

 
 

حلمي سالم

 

 
في مثل هذه الأيام - منذ عام - رحل عزيز تعلب. وعزيز تعلب مثقف مصري شاب، كان واحدا من قادة الحركة الطلابية المصرية في أوائل السبعينيات بجامعة الإسكندرية، وقضي بسبب نشاطه الطلابي بضعة شهور في المعتقل آنذاك، ثم سافر إلي الخارج بتحريض من والده المناضل الديمقراطي أحمد تعلب، فتعلم في السوربون، ثم صار أحد المترجمين المميزين المعدودين في الأمم المتحدة، ثم اختطفه الموت، بغتة، في سبتمبر الماضي عن خمسين عاما.
كان عزيز تعلب يكتب الشعر والقصص والنصوص النثرية، خلسة، ويدسها في أدراجه، من غير أن يطلع عليها أحدا، من الأقرباء أو البعداء.
وعندما خطفه الموت، غيلة، حولت والدته، السيدة المدهشة زينب تعلب، موته إلي حياة متصلة نابضة، فقد جمعت مخطوطاته جميعا، وأصدرتها في كتابين عن دار الحضارة العربية بمصر، الأول بعنوان «ظل صخرة ساعة الظهيرة» يحتوي علي القصائد، والثاني بعنوان «سحائب الذكري في السجن والحياة» يحتوي علي نصوص قصصية ومذكرات في سجن الحضرة بالإسكندرية ورؤي فكرية ونظرات في الفكر والحياة والوجدان.
تصدرت الكتابين مقدمات مهمة لنخبة من الكتاب، علي رأسهم الروائي الكبير بهاء طاهر، الذي زامله في العمل التابع للأمم المتحدة بجنيف، والذي رصد الكثير من المقومات العميقة لعزيز تعلب نصا وشخصا.
وقاريء الكتابين سيكتشف علي الفور أن مبدعا صادقا يقف خلف العملين، وسيلتقط جملة من الملامح الفنية والفكرية تتجلي في نصوص هذه الزهرة المقتطفة.
أول هذه الملامح هو صلة البنوة القوية التي تربط أدب عزيز تعلب بمدرسة الإسكندرية في الأدب والفن، وخاصة في شقها الذي انتمي لمزيج من الفكر التقدمي والتروتسكي والسيريالي، هذه المدرسة التي ضمت محمد منير رمزي وسيف وانلي وأدهم وانلي وعبدالهادي الجزار ورمسيس يونان ويوسف شاهين وإدوار الخراط وغيرهم، ولعلنا نلمح أنفاسا خفيفة من بول إيلوار - السريالي الفرنسي التقدمي الكبير - في بعض نصوص تعلب.
ثاني هذه الملامح هو «المنفي»، إذ يمكن تبويب شعر تعلب ضمن ظاهرة «شعر المنفي» العربي، الذي بدأ مع المهجريين، وتواصل مع الأدب الجزائري، ثم بلغ ذروته مع الأدب الفلسطيني، وحاليا مع الأدب العراقي.
لكن «أدب المنفي» عند عزيز تعلب تخلص من التطرفين الشهيرين اللذين ينزلق إلي أحدهما معظم أدب المنفي العربي: التطرف الأول هو أن يندمج الأديب في ثقافة بلد الهجرة ويندمج فيها متخليا عن ثقافته الأصلية الوطنية، والتطرف الثاني هو أن يحمل الأديب كل ثقافته الوطنية إلي بلد الهجرة، ويظل متشرنقا في ثقافته الأصلية، متخليا عن التفاعل والتطور مع الثقافة الجديدة.
في شعر عزيز تعلب ونصوصه ستجد هموم وطنه ومعاناته وخصائصه، كما ستجد روح الحضارة الإنسانية العالمية الشاملة، في توازن ناضج، لا يطغي فيه طرف علي طرف.
ولعل هذا الموقف المتزن الناضج هو ما عصم عزيز تعلب - سيما في خطراته الفكرية - من الوقوع في خطر الغرام المفرط بالهوية، المؤدي إلي لون دفين من العنصرية والتعصب العرقي، ومن الوقوع في خطر الغرام المفرط بالآخر المؤدي إلي لون دفين من الانسحاق والانسلاخ عن الذات، وهما الخطران اللذان يهددان كل رؤية غير صحية، لا تتقن التوازن الجدلي السليم بين الأنا والآخر.
ثالث هذه الملامح هو انتماؤه في الشكل إلي «قصيدة النثر»، وإن لم تخل النصوص من بعض لحظات موزونة.
وواضح أن انطلاق عزيز تعلب من قصيدة النثر راجع إلي أمرين: الأول هو انتماؤه لجيل السبعينات الأدبي في مصر «والوطن العربي»، وهو الجيل الذي ساءل الأطر الثقافية الشعرية الثابتة، ساعيا إلي تهشيم بعضها وإعادة بناء بعضها علي أسس جديدة، والثاني هو عيشه في أوروبا - بين باريس ولندن وجنيف - محتكا بالتيارات الموّارة مطلعا علي التنوع والتجريب، سيما عند السرياليين الفرنسيين. والطريف هنا أن بعض نصوصه القصصية التي ضمها كتابه النثري الثاني «سحائب الذكري» هي قصائد نثر جميلة.
رابع هذه الملامح هو حضور نزوع رومانتيكي عذب في النصوص، علي الرغم من مضامينها الوطنية أو الاجتماعية. وتتجلي هذه الرومانتيكية في الروح الغنائية والتكرارات التعبيرية والمنظور الذاتي، وقد منحت هذه الرومانتيكية للنصوص - في الحالات الكثيرة التي تجنبت فيها الإسراف - مسحة وافرة من الدفء واللدونة والرواء.
خامس هذه الملامح هو اغتناء الديوان بالعديد من السمات الفنية التي يصنفها بعض النقاد تحت اسم «ما بعد الحداثة». من هذه السمات: الاعتماد علي لغة المعاش اليومي، وترك المجاز البلاغي القديم، وتكريس السرد، والتقاط المهمش، ورصد مجاز «المشهد»، وإضاءة جماليات القبح.
سلاما لعزيز تعلب، الذي يسمي الريفيون أمثاله «ابن موت»، والذي شبهته كثيرا بأسطورة «نرجس»، ذلك الفتي الجميل الذي خلبه منظر وجهه البهي علي صفحة النهر، فنزل إلي النهر لكي يتطابق مع وجهه الجميل، فراح هبة للماء. مثله في ذلك مثل وحيد النقاش وعلي قنديل وخالد عبدالمنعم وهشام مبارك وعمر نجم ووائل رجب، وغيرهم من أبناء الموت الجميلين.
وسلاما لزينب تعلب، التي فعلت مثلما فعل طلعت الشايب( حين فقد ابنته الشابة): تحويل الموت إلي حياة دائمة، وتحويل الفجيعة إلي ضوء مستديم، وتحويل العدم إلي وجود مستيقظ.
أما مثول عزيز تعلب بيننا، فلن يكون - كما زعم - «سحائب ذكري»، بل سيكون «غمامة ممطرة».
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة