رحل الدكتور محسن مصيلحي عاشق المسرح وفارس من فرسان
الحداثة المسرحية، ضمن محرقة بني سويف السوداء.
عمر قصير وسنوات حافلة بالعطاء والتجديد والتجدد.
في كتابه الأخير «أضواء الجانب الآخر.. ظواهر نهاية القرن
العشرين في الدراما الإنجليزية الصادر عن الهيئة العامة
لقصور الثقافة عام 2004 يرصد فيه الحركة المسرحية
الإنجليزية في النصف الأخير من القرن العشرين حيث وقعت
التحولات الكبري وانهار الاتحاد السوفيتي وراح كتاب وعشاق
المسرح يراجعون مواقفهم الفكرية والسياسية وأبرزهم: هارولد
بنتر - أرنولد ويسكر - إدوارد بوند - كريل تشرشل - توم
ستوبارد - دافيد هير - هيوارد باركر - كريستوفر هامبتون -
هيوارد برنتون.
الأسس الفكرية في هذا الكتاب يتناول الباحث بالتحليل العميق
والمعلومات واللقاءات الشخصية الاتجاهات المسرحية في ثوبها
الجديد بعد مراجعة الأسس الفكرية والعقائدية لمسرح اليسار
الإنجليزي.
ويقع الناقد في غرام الكاتب والمخرج المسرحي المعاصر
«إدوارد بوند» ويخصه بفصل مستقل نظراً لأهميته وعمق تجربة
التحول والتغير في مسرحه ولغته وأسلوبه، فماذا بعد أن تقوض
العالم، وانهارت أسسه، وذلك السر الخفي وراء العنف
والمشاهد الدموية التي برع في رسمها بوند، وكيف كانت
مصدراً للهجوم الشرس عليه وعلي مسرحه وأطروحاته الفكرية.
يرصد الباحث النزوع التجريبي أو ما يصفه بمحاولة التعميم
والتعمية في آن، ويبرع في تحليل الحوار لدي بوند حيث
اختلطت الشاعرية بالسخرية بالغموض الذي يلف الفعل الدرامي
علي خشبة المسرح.
المواقف الدرامية كما رصد الباحث أعمال الكاتب المسرحي الكبير «توم
ستوبارد» الذي أوصلته موهبته وإنجازاته الفنية للحصول علي
لقب سير من الملكة البريطانية وحصل علي جائزة الأوسكار عن
سيناريو فيلم «شكسبير يحب» وغيرها من الجوائز المهمة.
يصف الباحث أعمال ستوبارد بالتفرد من حيث قدرته علي ابتداع
المواقف الدرامية والتلاعب بالألفاظ والمعاني، وطرح
الأفكار الكبري المتناقضة، والميل للتفلسف، والسخرية من
الإكليشيهات ربما بإكليشيهات أخري، ومن أشهر نصوصه أركاديا
والحبر الهندي واختراع الحب.
والإسكندرية كمان كما تناول الباحث أعمال الكاتب المسرحي المهم
«كريستوفر هامبتون» الذي تميزت أعماله طوال رحلته الأدبية
بالبساطة والاهتمام بالشكل والأسلوب.
كما أنه لم يستغرق في الهموم والقضايا السياسية التي شغلت
أبناء جيله. وقف الباحث أمام مسرحية هامبتون الشهرية
«الحرباء البيضاء» حيث قدم هامبتون قراءة لماضيه من خلال
علاقته بالإسكندرية والمصريين فكانت مشكلة الجذور تؤرق
هامبتون وفي هذه المسرحية حاول العثور علي هذه الأصول عبر
استرجاع حياته بالإسكندرية التي شغلت وجدانه وقناعاته
ويقول محسن مصيلحي: لقد تركت الإسكندرية أثرها علي هامبتون
ولونته كما تتلون الحرباء وهي التي كونت جذوره غير القابلة
للاقتلاع.
الصراع والإثارة وفي فصل عن الكاتب البارز «هارولد بنتر» يقدم الباحث
رؤية متميزة لعالم هذا الكاتب الذي خيم الغموض علي مسرحه
وبواعثه الفكرية واتهمه بعض النقاد بأنها محاولة لادعاء
العمق، لكن الباحث يرفض هذا التفسير، ويضعنا علي التكوين
القريب والواضح لهذا الكاتب - أنه يسخر بمرارة ولكن ليس
علي طريقة بوند، فقد حاول بوند أن يتجاوز شكسبير، لكن بنتر
لم يكن معنيا بذلك الأمر بل ظل مشغولا بهواجس شخصياته
وقلقها وافتقادها لمرتكزات الصواب، إنه مسرح الصراع
والإثارة والرفض والسياسة.
التحريض السياسي
وقف الباحث في آخر فصول الكتاب أمام أحد كبار كتاب المسرح
الإنجليزي اليساريين «هيوارد برنتون» موضحا بالتحليل كيف
أثرت المتغيرات العالمية علي مجمل أعماله ومنها «ذهب
موسكو» و«أسلحة السعادة» و«برلين برتي» وغيرها من النصوص.
ويخلص الباحث إلي أنه بعد فشل الحلم بتحقيق الاشتراكية
حاول برنتون الوصول إلي اليقين الإيديولوجي الذي لا يقوم
مسرح حقيقي جاد بدونه وربما كانت عودته إلي مسرح التحريض
السياسي المباشر بمثابة البداية لطريق أكثر عدلا.
أراد دكتور محسن مصيلحي أن يؤكد من خلال كتابه علي أن
السياسة مكون أصيل في المسرح المعاصر، والقول بضرورة
إقصائها عن العملية الإبداعية إنما هي عزلة لا مبرر لها عن
الواقع وعناصره الفنية.
أيضا يلفت الباحث نظر زملائه من الفنانين المسرحيين إلي
ضرورة الحوار مع الأفكار، وعلي المسرح أن يكون أمينا في
عرض أفكار المجتمع واتجاهاته المتباينة وخصوصية كل منهم
علي حدة، إنها المهمة المسرحية التي يجب أن ينهض بها
الجميع.
رحل د. محسن مصيلحي في محرقة بني سويف قبل أن يكتمل مشروعه
المسرحي الفني والنقدي والفكري.
رحل - دون الخمسين - بعد أن وهب حياته للمسرح حتي الرمق
الأخير.