الدفاع عن الهوية المسرحية المصرية كان الشغل الشاغل
للناقد مدحت أبوبكر الذي اختطفته محرقة بني سويف ضمن من
اختطفت من زهور يانعة ، مع نزار سمك وحازم شحاتة وصالح سعد
وبهاء الميرغني ومحسن مصيلحي وأحمد عبدالحميد وغيرهم عبر
سنوات عمله الأكاديمي والصحفي حيث كان يري أن المسرح
«هواية وهوية في آن» وأن فكرة الاحتراف في الأداء عند
الممثل لا تتأتي إلا إذا كان واعيا بتجليات اللحظة التي
يعيش فيها مع الحفاظ علي صفة الانتماء المكاني والزماني.
وعلي حد تعبيره في بحث قدمه في مؤتمر إقليم القناة وسيناء
الثقافي عام 1997 تحت عنوان «الخطايا العشر في مسرح
الهواة» - فإن «الهوية الاجتماعية المسرحية العربية عند
المسرحيين الهواة ليست منفصلة عن الهوية المهنية، فما يمكن
أن يصلح لهويتنا الاجتماعية عبر عملية تبادل الثقافات لابد
وأن ينطلق محققا هوية مهنية جديدة».
ومعني هذا أن المسرحيين المصريين والعرب عليهم أن ينظروا
جيدا لمعطياتهم الثقافية التراثية مع الأخذ في الاعتبار
المنجز المسرحي العالمي مع التأكيد علي خصوصية الرؤية.
وكان «أبوبكر» من أنصار فكرة كسر الحاجز الزجاجي بين خشبة
المسرح والجمهور مستفيدا في ذلك من الطرح النظري والعملي
للتجريبيين الكبار في المسرح العالمي أمثال «بيتر بروك»
و«جروتوفسكي» و«بريخت» و«ياتربس باميز» وغيرهم من أصحاب
نظرية تهشيم مسرح «العلبة الإيطالية» الذي يعتمد علي نمط
أدائي متكرر لا يفي باحتياجات المجتمع، ولا يؤدي الغرض
الفني المنوط به.
ومن خلال عشرة مؤلفات في النقد المسرحي والفني كان آخرها
«سيكو دراما العبث» والذي يعد للنشر - الآن - في المركز
القومي للمسرح، استطاع «مدحت أبوبكر» أن يقدم رؤية خاصة
لماهية التجريب النابع من الموروث الشعبي، حتي يمكن إيجاد
مساحة من الالتقاء بين عقل الأمة الممثل في فنانيها وبين
جسدها الممثل في الشعب الذي يري العرض.
ولذلك نراه يقول في آخر أبحاثه «تعتبر الهوية المسرحية ذلك
النسق الفرعي الذي يؤدي العديد من الوظائف أبرزها عرض
المشكلات التي تشغل المجتمع وتحصل علي اهتمامه، النقد
الإيجابي لسلوكيات الشعب والمسئولين، ترسيخ القيم النبيلة
والتأكيد علي أهمية الالتزام بالعادات والتقاليد والأعراف
البناءة التي تميز المجتمع».
إذن هو فنان يرفض فكرة الهلامية في الرؤية، فالمسرح عنده
يتجلي أكثر ما يتجلي في التأكيد علي فكرة المقاومة ليس
بمعناها الشعاري أو الخطابي وإنما عبر لغة أدائية يمتزج
فيها المتخيل بالواقعي، وتتضافر عبرها مساحات من النقد
البناء الذي يستشرف آفاق المستقبل.
مقاطع من مسيرة لم تكتمل هل يمكن أن نقول إن للجذور الصعيدية دخلا فيما ذهب
إليه «أبوبكر» من التأكيد علي ضرورة وجود هوية مسرحية
مصرية عبر رحلته النقدية والتي استمرت لأكثر من عشرين
عاما؟!!.
ربما فذلك الفتي الصعيدي الذي قد توحي ملامحه للوهلة
الأولي أنه ابن أسرة أرستقراطية، لم يكن إلا ابن قرية علي
أطراف مدينة ملوي بمحافظة المنيا حيث ولد بها عام 1954
لأسرة متوسطة مات أبوه وهو طفل صغير فتحمل مسئولية رعاية
الأسرة المكونة من ثلاثة أشقاء، وبعد حصوله علي الثانوية
العامة شد رحاله إلي «نداهة القرويين» علي حد تعبير عبقري
القصة المصرية يوسف إدريس في روايته الشهيرة «النداهة»،
ليلتحق بكلية الخدمة الاجتماعية والتي تخرج فيها عام 1977،
وكان من الأوائل علي دفعته مما أهله لاستكمال الجانب
الأكاديمي فحصل علي الماجستير ثم الدكتوراة في رسالة مهمة
تحت عنوان «سيكودراما علم الاجتماع».
وبالإضافة إلي عمله الوظيفي في الجامعة راح «أبوبكر» ينوع
من أنشطته الإبداعية فكتب مجموعة من المقالات النقدية في
جريدة الوفد في الفترة ما بين أعوام 1984، و1990، ثم ترأس
القسم الفني في جريدة الأحرار حين كانت تصدر أسبوعيا في
منتصف التسعينيات ورغم الكتابة الدورية في الصحف المصرية
والعربية وكان آخرها في جريدة القاهرة والتي كتب فيها
مجموعة من المقالات الفنية الساخرة تحت عنوان «فضفئيات»
ولأكثر من ثلاثة أعوام، إلا أنه كان مسكونا بحلم جارف وعشق
دائم للمسرح، فكان يري أن الكتابة الصحفية والنقدية عناصر
بديلة بالنسبة له فكان يحب دائما أن يقال عليه: «كاتب
مسرحي».،
وللحق فقد قدم «أبوبكر» عددا من المسرحيات التي لفتت إليه
أنظار النقاد نذكر منها «ألف كولاج مسرحي» والتي قدمت علي
خشبة المسرح القومي عام 1992 تحت عنوان «الحب والنار»
وشارك في بطولتها محمد الحلو ومحيي الدين عبدالمحسن وتيسير
فهمي وإخراج السيد راضي، وأتبعها إثني عشر عرضا منها «طائر
الحب الجميل» عام 1994 وقدمت علي مسرح البالون بطولة حنان
ماضي ومحمد محيي وأخرجها مجدي الزقازيقي، و«أهل الهوي»
بطولة سامي العدل وحنان ترك وسامح يسري عام 1995، ثم قدم
للمسرح الحديث عرض «تفاحة يوسف» بطولة عبدالمنعم مدبولي
ورياض الخولي وسحر رامي، وأخرجها فؤاد عبدالحي، موسم 1998
- 1999، ثم عرض «ليلة العمر» عام 2001 إخراج محمد زعيمة،
وعلي مسرح الشباب قدم عرض «ليلة فل» عام 1999 والذي قام
ببطولته علا رامي ومحمد فريد وعماد رشاد وأخرجه محمود
الألفي.
وتعامل أبوبكر مع المسرح الخاص من خلال مجموعة من العروض
والتي لاقت نجاحا جماهيريا وتجاريا لعل أشهرها مسرحية
«شقاوة» بطولة «سيد زيان وروجينا ووفاء عامر وسمية الخشاب
وسامح يسري» وأخرجها المخرج الاستعراضي عادل عبده.
وقد أظهر «مدحت أبوبكر» خلال كتابة نصوص هذه العروض قدرات
خاصة بما امتلكه من مواهب متعددة، فبالإضافة إلي النص
المكتوب كان يكتب كلمات الأغاني التي قد يستلزمها العرض
كما حدث في عروض «شقاوة» و«طائر الحب الجميل» و«أهل الهوي»
و«الحب والنار».
كذلك اتسم مسرحه بكونه مسرحا غنائيا استعراضيا تعلوه
أحيانا مسحة كوميدية، حيث كان يراهن - دائما - علي المضمون
مع وجود آليات التشويق من أجل الحصول علي آليات خاصة
للفرجة المسرحية بالإضافة إلي ذلك يمكننا القول إن الشاعر
الكامن في أعماقه قد جعل لغة الكتابة عنده تحمل طاقات
شعرية وإن جاءت في إطار سردي.
ملاحظات شخصية: ربما لم تسمح الظروف بأن نلتقي أنا والكاتب الراحل إلا
منذ فترة قصيرة، وذلك حين دعيت للمشاركة في مهرجان
سعدالدين وهبة المسرحي بالمعادي والذي عقد في منتصف شهر
يوليو الماضي، وكان من حسن حظي أن يشاركني الحديث في
الندوة وكان معنا د. كريمة الحفناوي، حيث تحدث ناقدنا عن
«الهوية والانتماء في المسرح» وبعد أن استمع الفنان
المتميز ممدوح عبدالعليم لنا في حديثنا عن تجربة مسرح
الهواة في مصر وكان هو الفنان المكرم في هذا اليوم صعد إلي
المنصة وقال بالحرف الواحد «لقد شجعتموني علي أن أشاهد
مسرح الهواة لأستفيد منه، وكنت أتمني أن يعود بي العمر
عشرين عاما لأمارس هذه التجربة، لأنني بدأت عملي الفني
محترفا».
وبعد المؤتمر بأسبوع التقيت الناقد الراحل - صدفة - في
مكتب الصديق والزميل أيمن الحكيم بجريدة القاهرة، وجلسنا
لدقائق قصيرة نتحدث عن ضرورة الاهتمام بهذا النوع من
المسرح الذي يقدم رؤية جادة وصورة صادقة للواقع المصري.
ثم تصافحنا علي موعد بلقاء، وفي تلك اللحظة رأيت ابتسامته
التي لم تفارقه أبدا رغم قسوة الزمن واغتراباته المتعددة،
والتي لم يفارقني خيالها إلي الآن، والتي أعتقد أنها ستبقي
لأجيال قادمة دليلا علي براءة الرؤية وصدقها وعمق التجربة،
وحب الوطن وهي صفات انصهرت في شخصية مبدع مصري من هذا
الزمان اسمه «مدحت أبوبكر».