مسئولية بوش عن إعصار كاترينا.. وموت الأبناء في العراق!
أحمد سيد حسن
جورج بوش
جاءت ذكري 11 سبتمبر هذا العام لتزيد من الجراح الأمريكية،
فتوابع إعصار كاترينا لاتزال تهز المجتمع الأمريكي لما
كشفت عنه من نواح كثيرة للقصور والإهمال والعجز والأخطر من
ذلك ممارسة للتفرقة العنصرية علي أرض الواقع، كما ترافقت
الذكري المؤلمة مع استمرار الخسائر الأمريكية في العراق
الذي تحول إلي ساحة لاستنزاف الأرواح والأموال بدون وضوح
الرؤية حول كيفية توقف هذا الاستنزاف.
أما ما يتعلق بدروس ونتائج 11 سبتمبر نفسه والخاصة
بالإرهاب، فالواقع يثبت كل يوم أن الإرهاب لم يتعرض لهزيمة
ساحقة، علي الرغم من غزو أمريكا لأفغانستان ثم العراق، بل
علي العكس فالإرهاب نجح في «اصطياد» الولايات المتحدة في
العراق وفي تحويل الشعب العراقي نفسه كرهينة لهذا الإرهاب
الذي يقتل من المدنيين العراقيين بشكل يستهدف إدخال هذا
البلد التعيس إلي حرب أهلية طاحنة.
وفي ضوء هذه الأوضاع أصبحت قضايا إعصار كاترينا والتورط
الأمريكي في العراق وأبعاد المواجهة مع الإرهاب هي القضايا
الرئيسية الثلاث التي تشغل الرأي العام والمجتمع والمؤسسات
السياسية والتشريعية وهيئات المجتمع المدني والصحافة
والتليفزيون في الولايات المتحدة.
عجز دولة كبري إعصار كاترينا كشف عن عديد من المشاكل التي تعاني منها
الولايات المتحدة وفي المقدمة أن أحوال سكان دلتا المسيسبي
لا تعد أفضل كثيرا من أحوال دول في العالم الثالث، وقد
أتيح لي زيارة ولايات ومدن عدة في دلتا المسيسبي، بداية من
مدينة «جاكسون» التي يعيش فيها السود كأغلبية كاسحة وصولا
إلي مدينة «نيو أورليانز» السياحية التي شيدها الفرنسيون
كطراز مختلف وتشتهر بالمطاعم والمقاهي وفرق الجاز والسهر
واللهو، حيث تمتد الخريطة باتساع دولة مثل فرنسا يعيش فيها
السود كأغلبية وفي أحوال معيشية تختلف تماما عن أحوال
الولايات الغنية مثل ولايات الساحل الغربي كاليفورنيا
وكلورادو وتكساس وغيرها.
صدمة هائلة وقد تلقي المجتمع الأمريكي صدمة هائلة، وهو يري الجثث
التي تطفو علي سطح المياه، وتلك التي تعفنت في المنازل
الخشبية، وخروج الآلاف من الذين لم ينجحوا في الهرب من
الإعصار للاستيلاء علي السلع الغذائية في المحلات المغلقة
التي لم تسلم من عمليات سرقة شاملة في ظل الانهيار الشامل
الذي حدث.
لاجئون أمريكيون! وعلي الرغم من أن إعصار كاترينا كان متوقعا ومعروفة
قوته وانطلقت التحذيرات قبل وصوله إلي المنطقة المنكوبة
بعد أيام، إلا أن حجم الاستعدادات لم تكن كافية، وبدا أن
دولة بحجم وقوة وتنظيم وثراء الولايات المتحدة فوجئت
بالكارثة، ولم توفر الإمكانات المناسبة لعمليات الإنقاذ
والإخلاء وتدبير أماكن بديلة في ظل تحول ملايين الأمريكيين
إلي لاجئين في الولايات الأخري البعيدة عن الكارثة يعيشون
في مخيمات ومدارس ومعسكرات إيواء.
وإزاء الانتقادات الشديدة التي انفجرت في أعقاب هذا
التقصير، تمت إقالة المسئول الأول عن عمليات الإغاثة، وفتح
تحقيقات في الكونجرس حول أبعاد التقصير الذي حدث مع اعتماد
50 مليار دولار لمواجهة الكارثة، بالإضافة إلي طلب
الولايات المتحدة المساعدة من حليفاتها ومن الدول الغنية.
كيوتو واللافت للانتباه هو الرفض الشامل لنظرية الكوارث
الطبيعية، وإلقاء التهمة علي الطبيعة وحدها، صحيح أن إعصار
بحجم كاترينا يحمل قوي تدمير هائلة إلا أنه ليس من إبداع
الطبيعة أو أخطائها وحدها، إذ أشارت هيئات علمية أمريكية
إلي أن تدخل الإنسان في التأثير سلبا علي المعادلات
والتوازن الطبيعي تسبب في حدوث هذه الكارثة بكل هذا الحجم.
فرفض الإدارة الأمريكية التوقيع علي اتفاقية حماية البيئة
«كيوتو» يعود مثلا إلي النشاط الهائل للصناعة الأمريكية
وعمليات تلويث الأجواء، والتي ساهمت في تدمير جزء كبير من
طبقة «الأوزون» التي تشكل حماية للغلاف الجوي، كما أدت إلي
رفع حرارة الأرض، وتغيير طبيعة المناخ التي حافظت علي
توازنها البيئي لقرون طويلة، إلي أن أصبحت الأنشطة
الصناعية ملوثة للبيئة بل ومدمرة لها.
فالقضية - إذن - ليست قضية إهمال وإفقار يعيش فيه السود في
ولايات المسيسبي، وإنما تدخل في التأثير علي التوازن
البيئي، والنتيجة اختلالات في المناخ وتغيرات ساهمت بدور
فعال في زيادة حدة الإعصار الذي دمر المدينة التاريخية
الجميلة «نيو أورليانز» واجتاح قري ومدن أحوض المسيسبي،
ليكشف بعدا آخر من أبعاد الحكم الأمريكي الذي تحول إلي
كابوس مخيف.
لماذا مات ابني؟ الموت والدمار في المسيسبي أضيف إلي مسلسل الموت
والدمار المتصل في العراق، وعلي الرغم من آلاف الأميال
التي تفصل الولايات المتحدة عن العراق، إلا أن تلك الحرب
الدائرة هناك أصبحت قضية داخلية مشتعلة في الأسابيع
الأخيرة بالذات بعد أن شهدت شهور الصيف ارتفاع معدل
الخسائر البشرية إلي درجة كبيرة، وسقوط كثير من ادعاءات
الرئيس بوش بحسم المعركة الرئيسية وانتهاء القتال إذ بدا
أن الحرب مستمرة والقتلي يتساقطون ولا أمل يبدو في الأفق
بقرب كسب هذه الحرب.
وتسببت سيدة واحدة هي والدة لجندي أمريكي قتل في العراق
تدعي «شيهان» في إثارة فزع حقيقي لدي الرئيس بوش والإدارة
الأمريكية بعد أن أصرت علي أن تقابل الرئيس لتسأله سؤالا
واحداً وهو «لماذا قتل ابني في العراق»!
واجتذبت شيهان عشرات الأمهات اللائي انضممن إليها في
تساؤلها البسيط، وفي خيام الاعتصام أمام البيت الأبيض ورغم
أن بوش قدم إجابات ل «شيهان» عبر وسائل الإعلام، إلا أن
تلك الإجابات لم تعد تقنع أحدا، سواء السيدة «شيهان» أو
الرأي العام، وهو ما بدا من خلال تعليقات الصحف الأمريكية
نفسها التي تابعت هذه المواجهة بين بوش وحركة الأمهات، وهي
مواجهة خسرها بوش منذ اللحظة الأولي.
وتولت الصحف وكبار المعلقين والسياسيين المشاركة في محاولة
الإجابة عن سؤال السيدة «شيهان»، والنتيجة أن الرئيس بوش
وإدارته خدعوا الشعب الأمريكي بقصة أسلحة الدمار الشامل
العراقية، وحتي وزير الخارجية السابق كولن باول خرج إلي
العلن ليعترف بأن خطابه في مجلس الأمن حول أسلحة الدمار
الشامل العراقية كان الأسوأ، بل كان خزيا و عارا مهنيا،
وهناك شبه إجماع علي أن الولايات المتحدة لم تكسب الحرب ضد
الإرهاب، بل أثارته ووسعت نطاقه، والدليل تعدد الضربات في
مدريد ولندن واسطنبول واليمن والعقبة وقبل ذلك في تنزانيا
وكينيا، علاوة علي المواجهات مع الإرهاب المحلي المرتبط
بالقاعدة في مصر والسعودية.
فالعراق لم يعد آمنا بل أصبح علي شفا حرب أهلية مدمرة،
ونموذج «خلق دولة ديمقراطية« يتحول إلي وهم وسراب في
مواجهة قوي إرهابية لا تتورع عن قتل آلاف العراقيين
المدنيين من أجل تدمير كل شيء واللجوء إلي الخيار «صفر».
والنتيجة استنزاف هائل للموارد الأمريكية بلغت أكثر من 200
بليون دولار و2000 قتيل وآلاف الجرحي، وتدمير للعراق
وانتعاش لشبكات الإرهاب التي تملك حرية حركة ومبررات جديدة
لاستمرار عملياتها ضد أمريكا وحلفائها،
إنه النفط.. يا غبي!
وحتي الحرب من أجل النفط فقد خسرتها الولايات المتحدة،
صحيح أن عقودا كثيرة أبرمتها الشركات الأمريكية مثل
«هاليبرتون» للفوز بالنفط العراقي، إلا أن عمليات تدمير
الخطوط والمصافي عطلت الاستفادة من كعكة النفط العراقية.
وزاد الطين بلة إعصار كاترينا الذي أوقف إنتاج حقول خليج
المكسيك، والنتيجة النهائية تجاوز النفط حاجز ال 70 دولارا
للبرميل وهي كارثة علي الاقتصاد الرأسمالي العالمي بصفة
خاصة.
أحوال أكبر دولة عظمي في العالم لا تبدو طيبة بأي حال من
الأحوال، فأهوال 11 سبتمبر الإرهابية لم تمح خاصة مع
المعالجات الفاشلة لمواجهة الإرهاب، يضاف إليها كارثة
كاترينا التي يستحق أن يطلق عليها «أم الكوارث» لأنها تهز
الولايات المتحدة الآن من جذورها وبشدة.