هل المضى فى دمج الشركات الكبرى بعضها ببعض لتصبح كيانات
اقتصادية ضخمة يفيد ؟هذا السؤال بات يطرح نفسه بقوة، خاصة
وان دراسات متخصصة أجريت حول العالم، أثبتت أن 65% من
الاندماجات التى تمت خلال السنوات ما بين1979و1990 فشلت
وتسببت فى خسائر عظيمة لأصحاب الأسهم .
لكن قبل البحث عن إجابة للسؤال السابق، لابد أن نذكر أن
الاندماجات لا تتم إلا فى فترات النمو الاقتصادى، بحيث
تستفيد من الغنتعاش ومن العوامل المشجعة له، وفى هذا الجو
تبدو الاندماجات وكأنها صراع .. من يأخذ ماذا ؟ ومن يحصل
على النصيب الأكبر ..وهكذا.. لذا فإن التشكيك المتزايد فى
جدوى الغندماجات، يدفع خبراء الاقتصاد إلى التفكير فى
المستقبل القريب وما قد يحمله..مثلا، هل سيصبح نموذج
الكبيرجدا أوxx large الذى تسعى خلفه الكيانات الاقتصادية
الكبرى ، هو نموذج الاقتصاد المستقبلى؟ أم أن ذلك سيكون
ايذانا بخروج كيانات صغيرة متخصصة من تلك الاندماجات
العملاقةكما حدث من قبل ؟ لقد غير اندماج العديد من
الشركات الكبرى الاقتصاد العالمى، خاصة خلال العشر سنوات
الماضية ، بعد أن أصبحت عمليات الاندماج واضحة ومؤثرة- ليس
فى الموطن الصلى للشركات العملاقة فقط- بل فى كل مكان من
العالم، مستفيدة من العولمة، والإتجاه الجديد لرسم وتنظيم
السوق العالمية.
وتتخذ الاندماجات شكل موجات غير منتظمة، تعلو أحيانا وتخفت
أحيان أخرى، ولا يمكن أن ننكر أن السياسات الحكومية لها
تأثير مباشر وحاد على تلك الموجات. فقد بدأت التغيرات فى
الولايات المتحدة الأمريكية فى شكل تراخ فى تطبيق قوانين
الاحتكار، وإلغاء بعض القوانين التى تنظم عملية الانتاج.
وعليه أمكن قيام اندماجات كبرى فى قطاعات حيوية مثل الغذاء
والبترول والكيماويات، الأمر الذى أسهم فى تفكيك كيانات
أخرى كانت قد نشأت فى من اندماجات تمت فى الستينات، ولم
تعد جدواها الاقتصادية بذات بال، وهى تختلف عن موجة
الاندماجات التى سادت فى حقبة التسعينات، وقامت على تحرير
التجارة والاستثمارات وتخفيف الضوابط القانونية للمؤسسات
المالية والاتصالات،وخصخصة المؤسسات الكبرى التى تملكها
الدول، والنتيجة كانت نشاط اندماجى هائل فاق فى حجمه كل ما
سبق، ووصل الى ذروته عام 2000، حيث بلغت قيمة الاندماجات
3,576 تريليون دولار..حصة الولايات المتحدة وحدها فيها ما
يزيد قليلا على الثلث!
وعلى عكس الاندماجات التى تمت فى الستينات، والتى عرفت
قيام شركات مختلطة ضخمة، واندماجات الثمانينات التى تميزت
بشراء تلك الشركات الضخمة لتفكيكها وإعادة بيعها..فإن
اندماجات التسعينات قامت بهدف توسيع الحجم إلى أقصى حد
ممكن. ورغم أن مديرى البنوك والشركات بدوا أكثر ثقة فى
آرائهم عن ذى قبل، إلا أن اندماجات التسعيناتتمت على حساب
خسائر كبيرة لحقت بالمساهمين وحملة الأسهم، حيث لم تحقق
الكثير منها النتائج التى كانت متوقعة. لكن انتعاشا جديدا
أصاب عمليات الاندماجمع نهايات العام 2004نتيجة توفر
الأموال السائلة التى وصلت إلى 1,5 تريليوندولار لدى
الشركات والبنوك وشركات الأموال، وتوفر فرص فى صناعات مثل
البنوك والاتصالات والصناعات الاستهلاكية، وهى صناعات
مازالت تعتبر مجزأة .
عولمة رأس المال
وقد يطرح البعض سؤالا حول : كيف نفسر تعاقب تلك الموجات
الاندماجية ، وما يصاحبها من أرباح وخسائر، ثم أرباح جديدة
تعقبها خسائر أخرى.. ؟! وحتى نستطيع الإجابة على هذا
السؤال ، لابد أن نؤكد أن الاندماجات هى فى الغالب جزء من
استراتيجية توسع للشركات وتنقسم إلى ثلاثة أنواع، أولها
الاندماج الأفقى الذى يقوم بين شركات تعمل فى نفس القطاع ،
وثانيها الاندماج العمودى الذى يتم بين شركات مختلفة من
حيث المراحل فى العملية الانتاجية الواحدة، كالاندماج بين
الاندماج بين الانتاج و التوزيع مثلا . وأخيرا الاندماج
المختلط، ومن اسمه يظهر أنه يتم بين شركات تعمل فى قطاعات
مختلفة. وفى العقود الأخيرة لم يعد الاندماج المختلط
مستحبا أو مرحبا به، وظل الاندماج الأفقى هو الأكثر أهمية،
حيث يؤدى إلى قيام احتكارات تحكم قبضتها على السوق،
وبالتالى على الأسعار.
لذلك تميزت الاندماجات التى قامت مؤخرا بتركيزاتها
القطاعية، بغرض خلق شركات مهيمنة شملت البنوك والطاقة
والإعلام والتكنولوجيا والاتصالات، وعدد من الصناعات
التحويلية. ومن المؤكد أن الشركات لم تعد تنظر إلى
الاندماج كخطوة فى طريق تقليص فائض الانتاج الذى يشكل ضغطا
على الأسعار وعلى الأرباح ، عن طريق تخفيض العمالة الزائدة
وغلغاء أجزاء غير مربحة من عملية الانتاج ، وذلك لأن هناك
حسابات جديدة نشأت يضعها المستثمرون فى الإعتبار،فى إطار
تنافس محلى وعالمى يحفز البحث عن زيادة الحجم
والمواردوإقتطاعات أكبر من حصة الأسواق أو الهيمنة من أجل
التحكم فى الأسعار.
خريطة صناعية
وبين الأسباب المباشرة التى ميزت الاندماجات الأخيرة ،
وبين الحوافز الاسترتيجية ، سارت صناعات كثيرة فى الطريق
نحو تحويل الكيانات الصناعية الكبرى إلى كيانات ( سوبر
)..و طرحت عمليات الدمج فى إطار التركيز على الأحجام ال xx
large الجديدة ، مع زيادة رأس المال والتنافس المميت على
حصة من كعكة السوق العالمى. وبات استخدام الاندماج المختلط
أو الأفقى أوالعمودى يتم بسرعة كبرى، بحيث أصبح من
المستحيل التفريق بين تلك الأشكال ، ففى قطاع النفط مثلا،
ومع الانتهاء من عدد من العمليات الدمج العالمية بين
الكبار خلال عامى 1998و1999، اختفت سبعة من أكبر الأسماء
العاملة فى تلك الصناعة الحيوية ، بعد أن تم دمجهم فى
كيانات أكبر أعادت تشكيل الفطاع، بحيث تصدرته ثلاثة أسماء(
سوبر كبيرة ).. وعليه نشأت مرتبة جديدة هى المرتبة الثانية
أو الوسطى ، ثم مرتبة ثالثة ضمت الصغار ممن كانوا فى
المرتبة الثانية إلى ماقبل الاندماج مباشرة! هنا من الواجب
أن نذكر أن الاندماج الذى تسبب فى إختفاء الأسماء الكبيرة
، قام على أساس أكبر من مجرد مسألة الحجم وقدرة الوصول إلى
رؤوس أموال هائلة، فقد تخطاها إلى القدرة على تحمل
المخاطرات الناجمة عن محاولات الوصول إلى مناطق مغلقة فى
الماضى ، مع تحمل الأرباح القليلة لصناعات التكرير.
وفى مجال الاعلام لم يختلف الأمر كثيرا ، فقد دخل إلى هذا
المجال الحيوى عمالقة من خارجه ، أمثال جنرال موتورز
وجنرال إليكتريك فى الثمانينات وويستنج هاوس فى
التسعينات،وقاموا بشراء شبكتى تلفزيون من أصل ثلاثة فى
أمريكا..وقد أثار الأمر بعض الانتقادات لأنه قطاع حساس قد
يتعرض إلى هيمنة المصالح الخاصة على حساب الابداع مما يؤدى
إلى التدهور . وهناك تحولات أخرى هامة فى الإتجاه نفسه فى
انتظار قطاع الاتصالات ، الذى عرف الاندماجات أيضا بأكبر
صفقة ، عندما اشترت فودافون البريطانية مانسيمان
الألمانية. وحسب الخبراء فإن قطاع الاتصالات مازال يحمل
عددا من فرص الاندماج بين الشركات الكبرى ..ففى أمريكا
مثلا هناك محاولات لإقامة شركات مختلطة تضم نشاطات كانت
مستقلة إلى وقت قريب، كالمكالمات التليفونية المحلية
والاتصالات السلكية واللا سلكية والمكالمات الصوتية
والانترنت ..وقد بدأ ذلك كله مع بداية العام الحالى 2005،
وهذا النشاط بالذات يعيد إلى الأذهان نشاط شركة ITT الأم .
وهذا يؤكد أن الاندماجات التى تحدث فى عدد من القطاعات ،
تكون غالبا لها دوافعها الاسترتيجية..كأن تكون استجابة
لتغييرات تمت فى مجال المنافسة ، فتظهر شركات مدفوعة إلى
جمع القوى لمواجهة تحديات تشعر بأنها لن تستطيع مواجهتها
وحدها، وإلى اختراق أسواق جديدة فى عالم يزداد اندماجا .
الصعوبات
وقد تعودنا أن نسمع بعض التبريرات التى تقال عند فشل بعض
الاندماجات المهمة، فيزعم الخبراء أن دمج شركتين مسألة
غاية فى الصعوبة لايقدر عليها سوى عدد قليل من الشركات، أو
أن عمليات الدمج التى حدثت كرد فعل فورى على التغييرات
التى أصابت الأسواق العالمية عرفت الفشل والتخبط بسبب
اختفاء الصناعات المجزأة . كذلك يزعم البعض أن النموذج
الصناعى الذى يبنى على اقتصاديات الحجم الكبير لمنتجات
شديدة التجانس ، قد سقط نتيجة التقدم التكنولوجى وتنوع
الأمزجة الاستهلاكية حيث أدخل تعقيدات متزايدة على عملية
الانتاج ، وأصبح التكيف معها يحتاج إلى درجة من المرونة
والسرعة لاتوفرها دائما الأحجام العملاقة.
كما تثار دائما مسألة العنصر البشرى، المتمثل فى ادارة
القوى العاملة على مستويات كبيرة،خاصة عندما يتعلق الأمر
باندماجات عابرة للقارات.اضافة إلى نقطة هامة هى ضياع
أسماء وشركات شهيرة خلال معمعة الاندماجات المتتالية.لكن
هناك نماذج نجحت بعد أن أخذت فى الاعتبار تلك الصعوبات.
ومنها اندماج شركتى ( رينو ) و ( نيسان ) للسيارات ، حيث
خفضا التكلفة ووسعا السوق مع الاحتفاظ بالشركتين منفصلتين،
ولاء للماركة واستمرارا لحوافز الموظفين.