الأحزاب في معركة الانتخابات الرئاسية.. بين المكسب والخسارة
فوز مبارك بـ 88.6% من الأصوات يؤكد صحة قرار التجمع والناصري بالمقاطعة
عماد فؤاد
كشفت معركة الانتخابات الرئاسية عن كثير من أوجه الخلل
في الحياة السياسية والحزبية وفيما يلي كشف لحصاد المعركة.
الحزب الوطني خاض تجربة انتخابات الرئاسة بمرشحه
«الرئيس»مبارك بثقة تامة في الفوز لاعتبارات عديدة من
بينها أن مرشحه هو الحاكم منذ 24 عاماً، فضلاً عن 7 سنوات
سابقة في دائرة الضوء منذ أكتوبر 1973 أي أكثر من 30 عاماً
في مواجهة مرشحين غالبيتهم لم يعرفهم الناس قبل عشرة أو
خمسة عشر عاماً علي أقصي تقدير، وإن أجهزة الإعلام بحكم
عقلية الاستفتاء السائدة والتي انتقدها أو حاول أن يبدو
كذلك الرئيس مبارك نفسه ستقوم بدورها في الترويج لمرشح
الحزب، وهو ما بدا أكثر وضوحاً وفجاجة في الصحف القومية
رغم الحياد الذي حاول ممارسته التليفزيون الرسمي للدولة.
كما أن الحزب راهن أيضا علي كوادره وأعضائه بمجلسي الشعب
والشوري في الدعاية بالأحياء والقري والمحافظات بطول
البلاد وعرضها.
ودون شك فإن الحزب ا لوطني أكثر الرابحين في السباق ليس
لفوز مرشحه فقط بنسبة 88.6% من مجموع الأصوات الصحيحة،
وإنما لنجاحه كحزب في تدشين غرفة عمليات جديدة للحزب تضم
أعضاء فريق الحملة الانتخابية للرئيس مبارك ومن بينهم نجله
جمال مبارك وأحمد عز ومحمد كمال ومحمود محيي الدين، ولم
يعد الحزب بعد الآن في حاجة ملحة وضرورية إلي جهود رموز
الحرس القديم أمثال كمال الشاذلي وصفوت الشريف ويوسف والي
وغيرهم.
لكن الحزب أيضاً لم ينج من المعركة دون خسائر تذكر، ورغم
كل هذه النجاحات إلا أنه أخفق تماماً في حشد الناخبين
للتصويت كهدف أساسي بعد ضمان فوز مبارك حيث لم يشارك في
الانتخابات أكثر من 7 ملايين و305 آلاف من بين 32 مليون
ناخب، وبنسبة لم تزد علي 23%.
وكان لافتاً اهتمام الحزب بقضية حشد الناخبين لزوم الوجاهة
الديمقراطية أمام العالم الخارجي، ولقطع الطريق علي من
يردد أن مبارك ناجح.. ناجح.
كما فشل الحزب في كبح جماع صحفي النظام بالمؤسسات الصحفية
«القومية» ومنع «إسهال» التأييد المبالغ فيه للرئيس مبارك
علي حساب منافسيه، مما أضفي ظلالاً قاتمة علي مجمل التجربة
التي تخوضها مصر لأول مرة وكان لزاما أن تشهد حياداً تاماً
أو مناسباً بين المتنافسين.
حزب الغد ربما يبدو أيمن نور رئيس حزب الغد والثاني بعد الرئيس
مبارك في مجموع الأصوات بعدد 540 ألف صوت تقريباً بنسبة
2.7% هو الرابح الوحيد بلا خسارة ، إذ لم يتصور أحد أن
يفوز في المعركة علي «الرئيس» ولا هو نفسه يعتقد ذلك رغم
تصريحاته الانتخابية باحتمالات الإعادة بينه وبين مبارك
والفوز في جولة الإعادة!
وربما من مكاسب نور تفوقه الساحق علي الدكتور نعمان جمعة
واقتناصه المركز الثاني من رئيس الوفد رغم كل المؤشرات
والاستطلاعات التي رجحت استقرار جمعة تالياً بعد مبارك،
وهنا تجدر الإشارة إلي سابقة بقيام نعمان جمعة بفصل أيمن
نور من حزب الوفد عقب وفاة رئيسه السابق فؤاد سراج الدين،
والإشارة السابقة تبلور «حلاوة» طعم فوز نور بالمركز
الثاني.
المكسب الآخر الذي حققه نور أن الانتخابات أتاحت له فرصة
الالتحام بالجماهير في عدة محافظات ومدن، وربما لم تكن
ستتاح مثل هذه الفرصة لولا انتخابات الرئاسة إذا ما تذكرنا
قضية نور المنظورة أمام القضاء المتعلقة بتزوير توكيلات
مؤسسي حزب الغد.
ربح نور أيضاً قدراً من الدعاية التليفزيونية المباشرة علي
الهواء عبر الفضائيات والمسجلة من خلال شاشة التليفزيون
المصري وهي أيضاً فرصة لم تكن لتتاح لولا تنافسه علي
الرئاسة.
ويبقي مكسب نور الأخير بحصوله علي أصوات الإخوان المسلمين
- وهو مكسب أيضا في مواجهة نعمان جمعة الذي فشل في إقناع
الجماعة بالتصويت لصالحه - وحسبما يراهن نور علي استمرار
مساندة الجماعة له ولحزبه في الانتخابات البرلمانية
المقبلة، فإن القراءة الأولية لمسلك الجماعة السياسي يؤكد
احتراف «الإخوان» في التلاعب بالقوي السياسية، والمناورة
بفكرة التحالفات من موقف أو معركة إلي أخري حسب المناخ،
وحسب الظروف السياسية وإذا كان نور سيعتمد علي «حسبته»
السياسية الحالية مع الإخوان، فإنه حتما سيخسر كل أمنياته
وطموحاته في الانتخابات البرلمانية سواء له شخصياً أو
لحزبه الوليد.
ومن بعيد تبدو في الأفق خسارة نور أيضاً المتمثلة في
استنفار الحزب الوطني والنظام الحاكم ضده في أي معركة
مقبلة فضلاً عن «تنمر» نعمان جمعة والوفد به، الأمر الذي
قد يتطلب منه تكتيكاً سياسياً مغايراً وجهداً مكثفاً خلال
الأيام القليلة المقبلة لمواجهة كل الاحتمالات.
حزب الوفد لم يكن أكثر المتشائمين يتوقع لحزب الوفد ورئيسه نعمان
جمعة هذه الخسارة الفادحة والهزيمة غير المتوقعة باحتلاله
المركز الثالث بعد أيمن نور وبكم من الأصوات؟ بـ 209 آلاف
صوت فقط علي مستوي الجمهورية، الأمر الذي لا يليق بحزب
معارض «قوي» كالوفد، كان يحسب أن له معاقل في عدة محافظات
ولا سيما في بورسعيد التي لم يحرز نعمان فيها إلا نسبة
8،5% من الأصوات بفارق كبير عن نور الذي حصل علي 8،22%،
وذلك رغم ما أبداه نعمان من تعاطف مع أهالي بورسعيد بسبب
إلغاء المنطقة الحرة، وعموماً لم يصل جمعة إلي نسبة 7% في
أي محافظة، ولم يستطع تخطي مرشح الغد في أي صندوق حتي في
محافظتي الدقهلية والشرقية كركيزتين أساسيتين في خريطة
الوفد التنظيمية.
أما الخسارة الجسيمة التي مني بها الوفد من جراء معركة
الرئاسة فتتمثل في الانفجار التنظيمي داخله وتفجر الصراعات
علي خلفية الهزيمة إلي الحد الذي تطايرت فيه الأنباء عن
اعتزام الدكتور السيد البدوي سكرتير عام الحزب تقديم
استقالته، وعودة الروح لسلالة سراج الدين بقيادة النائب
فؤاد بدراوي لـ «مخاشنة» نعمان علي زعامة الوفد مرة أخري،
ولا يخفي علي أحد أن آل سراج الدين يتعاملون مع نعمان حتي
الآن باعتباره الحارس القضائي علي الحزب.
ومن قبيل الإنصاف فإن الوفد حقق ثمة مكاسب قد تحتاج إلي
«مجهر» لتبينها، من بينها أن الحزب اختبر قوته التنظيمية
في الالتحام بالشارع الانتخابي عبر معركة حقيقية بذل فيها
رئيس الحزب جهداً ملحوظاً، ويبقي علي الوفد أن يراجع
خريطته ويعيد ترميم بنائه التنظيمي، وإن كانت المهمة ثقيلة
إذا ما أخذنا في الاعتبار قرب المعركة البرلمانية ويبقي
للدكتور نعمان جمعة من المعركة عدم خضوعه لابتزاز جماعة
الإخوان المسلمين بالإقرار بضرورة الموافقة علي إنشاء حزب
ديني لهم، وهذه النقطة الأخيرة كانت علامة الفصل في تصويت
أعضاء الجماعة لصالح أيمن نور الذي داعبهم بالموافقة علي
ما رفضه نعمان.
شلتوت ربما أن المراكز الأولي في السباق كانت محجوزة مقدماً
للفرسان الثلاثة مبارك ونور وجمعة حسب تعبير بعض
المنافسين، فإن المركز الرابع كان حلما يراود خمسة مرشحين
علي الأقل إذا استثنينا الشيخ الصباحي مرشح حزب الأمة الذي
أعلنها صراحة إنه سيعطي صوته لمبارك وإنه لم يدخل المعركة
إلا لدعم التجربة الديقراطية.. كذا وإن لم يستطع الجهر
بسعادته بمبلغ النصف مليون جنيه قيمة دعم الدولة للحملة
الانتخابية، وكذلك «البركة» إبراهيم ترك رئيس حزب الاتحاد
الديمقراطي الذي لم يغادر مسقط رأسه الإسكندرية طوال
الحملة الانتخابية إلا للذهاب إلي مدينة رشيد المتاخمة
ليعقد مؤتمراً انتخابياً بمقهي يمتلكه أحد أبناء عائلته.
وانتهت الانتخابات بحصول الدكتور أسامة شلتوت رئيس حزب
التكافل الاجتماعي علي المركز الرابع، معتبراً أن فوزه
بهذا المركز إنجاز لم يسبقه إنجاز كأفضل الراسبين بنحو 30
ألف صوت، وبفارق واضح عن وحيد الأقصري رئيس حزب مصر العربي
الاشتراكي الذي لم يتجاوز 12 ألف صوت ولم تنفعه الشعارات
الناصرية التي رفعها طوال حملته الانتخابية في تحقيق مركز
أفضل من ذلك أو حتي مجرد التفوق علي شلتوت! وإن سبق
إبراهيم ترك الذي لم يغادر الإسكندرية.
مرشح الصعيد واحتل المركز السابع السياسي المخضرم ممدوح قناوي،
والذي لم تنفعه خبراته السابقة كنائب بمجلسي الشعب
والشوري، ولا بدايته المبكرة للعمل السياسي مع الراحل أحمد
حسين زعيم «مصر الفتاة» وربما تعرض قناوي الأنضج سياسياً
بين المرشحين السبعة - خلف الفرسان الثلاثة - للظلم بسبب
المناخ السياسي غير الملائم وقد يواسي قناوي بأنه تقدم علي
«الصباحي» الذي حقق المركز الثامن بغض النظر عن اتهامه
للحكومة باضطهاده في الانتخابات بعد إعلانه أنه مرشح
الصعيد الأوحد.
وفي المركزين التاسع والعاشر جاء كل من إبراهيم غزال رئيس
حزب مصر 2000، ورفعت العجرودي رئيس حزب الوفاق الوطني علي
الترتيب وإن كان العجرودي أعرب عن غضبه ودهشته من احتلاله
المركز الأخير ويبدو أنه كان طامعاً في المركز التاسع علي
الأقل.
المرشحون من الرابع حتي الأخير استفادوا بلا شك من
الانتخابات الرئاسية، فثمة ناخبون منحوهم بضعة آلاف من
الأصوات، وترددت أسماؤهم - قبل أحزابهم - في مختلف وسائل
الإعلام، وبعضهم استغل النصف مليون جنيه في دعم الحزب حيث
التداخل بين الحزب ولزوم الدعاية، ورأي كل منهم صورته في
التليفزيون والخسارة قد تبدو في كشف هؤلاء وأحزابهم أمام
الوسط السياسي وفي الشارع المصري، ويبدو أن معركة الرئاسة
قد حكمت علي هؤلاء بالحبس داخل قائمة الأحزاب الصغيرة
والهامشية، ورغم ذلك قد يفلح أحدهم وهو ممدوح قناوي في
الإبقاء علي ما حققه من رصيد لبناء حزبه الناشئ ولا سيما
إذا ما ركز جهوده علي الصعيد خاصة سوهاج مسقط رأسه.
الإخوان وتبرز جماعة الإخوان المسلمين من بين القوي السياسية
المحظورة التي شاركت في الانتخابات، وسارع كل من رئيس
«الوفد» و«الغد» بالحج إلي مقر الجماعة بالمنيل والالتقاء
بالمرشد محمد مهدي عاكف طمعاً في الحصول علي البركة
والأصوات، وفي مسلك سياسي تميزت به الجماعة منذ نشأتها قبل
ما يقرب من 80 عاماً - 1928 - لعب المرشد علي كل من لجأ
إليه من المرشحين، وتعهد لكل منهم بأن أصوات الجماعة ملك
يمينه، ولم يشأ أن يعلنها صراحة، أصوات الجماعة لمن ستذهب؟
وأعلن نائب المرشد الدكتور محمد حبيب أن الأعضاء لهم
الحرية كاملة في التصويت لصاحب أفضل برنامج، واتضح بعد ذلك
أن الأصوات ذهبت لأيمن نور الحليف الجديد للجماعة علي حساب
نعمان جمعة رئيس الوفد الذي سبق له التحالف مع الجماعة في
الانتخابات البرلمانية عام 1984.
حققت الجماعة عبر الانتخابات الرئاسية بعض المكاسب من
بينها الظهور بمظهر القوة السياسية الأهم في لعبة
الانتخابات الرئاسية، وصاحبة الكتلة التصويتية «المنظمة»
التي يبتغي الجميع رضاها ومرتضاة مرشدها، وحظيت الجماعة
أيضا بـ «شد» إعلامي محلي وخارجي قد يدعم موقفها حال خوضها
الانتخابات البرلمانية المقبلة.
لكن الجماعة خسرت أيضاً المصداقية التي يفترض أن يتصف بها
المؤمنين بالله ورسوله واليوم الآخر، ولعب المرشد علي كل
الحبال ووعد جمعة، وتعهد للوفد، وترك العنان للتكهنات بأن
توجهاً صدر بالتصويت للرئيس مبارك.
وبشكل غير مباشر خسرت الجماعة ثانية بعد أن تكشفت كتلتها
التصويتية التي ذهبت إلي أيمن نور الحائز علي ما يقرب من
540 ألف صوت، وكلها بالطبع لم تكن أصوات أعضاء الإخوان في
مختلف أنحاء مصر، ويبقي جرح نعمان جمعة من الجماعة مؤثرا
علي طبيعة العلاقة بينها وبين الوفد ومن غير المتوقع أن
يلتئم الجرح قبل الانتخابات البرلمانية، ولن يشفع للإخوان
تصريحات نائب المرشد بأن الجماعة لم تجر استطلاعاً لمعرفة
مصير أصوات أعضائها، ولمن ذهبت من المرشحين.
وكان لافتاً ما تردد عن سعي الإخوان منذ الآن لإجراء
اتصالات مع بعض الأحزاب الصغيرة خاصة الحزب الدستوري
برئاسة ممدوح قناوي للنزول علي قائمة الحزب إذا ما تم
إجراء الانتخابات البرلمانية المقبلة بنظام القوائم
النسبية.
التجمع والناصري جرت الانتخابات الرئاسية وسط إعلان صريح من حزبي
«التجمع» و«الناصري» بمقاطعتها وإن كان الناصري قد أعلنها
مبكراً علي لسان ضياء الدين داود رئيس الحزب.
من جانبه سارع التجمع عقب الإعلان عن تعديل المادة «76» من
الدستور أنه سيخوض انتخابات الرئاسة بأفضل ما عنده - حسب
تعبير الدكتور رفعت السعيد رئيس الحزب - وهو خالد محيي
الدين زعيم الحزب التاريخي ومؤسسه والوحيد القادر علي لم
شمل فصائل اليسار في معركة ديمقراطية وإن كانت نتيجتها
محسومة مقدماً لصالح مرشح الحزب الحاكم، وأتت الرياح بما
لا تشتهي السفن، وأصر ترزية القوانين والدساتير من أعضاء
الحزب الوطني بمجلس الشعب علي تفصيل تعديلات المادة علي
مقاس مرشح حزبهم فقط، وبدت ملامح المعركة الرئاسية غير
المتكافئة بين الرئيس مبارك، وأي مرشح آخر، وقرر التجمع
مقاطعة الانتخابات ترشيحاً وتصويتاً بل وخوض معركة سياسية
ضد مرشح الحزب الوطني.
وجاء التوجيه بشن معركة في الشارع ضد ترشيح الرئيس مبارك،
ليترك مساحة من الحركة لأعضاء الحزب في الشارع السياسي
ورغم الانتقادات التي وجهت للحزب بأنه اتخذ الموقف السلبي
بمقاطعة الانتخابات، إلا أن نتائج المعركة الرئاسية وخط
سيرها خاصة في الانحياز الواضح للصحف القومية لـ «الرئيس
مبارك» أكدت صحة موقف الحزب، وتمسك كوادره بعدم المغامرة
بتاريخ رجل كخالد محيي الدين في معركة محسومة سلفاً لمرشح
بعينه، وبمراجعة نتيجة الانتخابات والإشارة إلي ما حققه
حزب الوفد من خسائر، تتأكد صحة موقف التجمع.. ويبقي للحزب
الاستعداد جيداً لخوص الانتخابات البرلمانية للحفاظ علي
موقعه الحالي كزعيم للمعارضة بمجلس الشعب.