اسدل الستار عن النهاية المعروفة مقدما للمسرحية
الهزلية المسماه انتخابات الرئاسة بفوز مرشح الحزب الوطني
في الانتخابات لدورة جديدة تستمر سنوات ست.. ليستكمل في
الحكم 30 عاما علي التوالي!
وبمشاركة عشرة مرشحين من الأحزاب المختلفة بعد فشل
المستقلين في الحصول علي 250 صوتا من أعضاء مجلسي الشعب
والشوري والمحليات، ومقاطعة حزبي التجمع والعربي الناصري،
وعلي مدار 19 يوما من الدعاية الانتخابية والوعود والبرامج
الانتخابية.. ترصد «الأهالي» ملامح الوعود الانتخابية التي
أطلقها المرشحون خاصة المرشح «الفائز» حسني مبارك!!
وإذا كان حزب التجمع قد قاطع الترشيح والتصويت في انتخابات
الرئاسة لأسباب جوهرية؛ فإن الحزب يخوض معركة سياسية من
أجل التغيير والإصلاح السياسي والاقتصادي.
ويبدو من الوهلة الأولي أن وعود مبارك تتفق في كثير من
جوانبها مع مطالب أحزاب المعارضة خاصة في مجال الإصلاح
السياسي؛ إلا أن طريقة وآليات تنفيذ هذه الوعود تثير قلق
المعارضة، خاصة أنها خاضت تجربة تعديل المادة 76 من
الدستور.
الطوارئ .. والإرهاب ففي البداية أعلن حسني مبارك أنه ينوي وقف العمل
بقانون الطوارئ، والذي دام تطبيقه طوال فترة حكم الرئيس
مبارك بعد اغتيال السادات مباشرة، وأعلن عن قانون جديد
لمكافحة الإرهاب.
وإلغاء حالة الطوارئ من أهم مطالب المعارضة منذ سنوات
طويلة خاصة حزب التجمع، فلا ديمقراطية في ظل قانون الطوارئ
الذي حاصر الأحزاب السياسية داخل مقارها وعزلها عن
الجماهير.
المعروف أن فرض حالة الطوارئ يعني وقف القوانين العادية
واستخدام القوانين الاستثنائية، الطوارئ تفرض في منطقة أو
في كل الدولة لمدة زمنية محددة لأسباب تهدد الأمن القومي،
لكنها في مصر فرضت علي مدار 24 عاما حتي مع عدم وجود حظر
حقيقي، وكان السبب الرئيسي هو مواجهة الإرهاب.
والقانون الجديد المقترح لمكافحة الإرهاب غامض حتي الآن
وهو مجرد اسم لقانون، وقد يكون أسوأ من قانون الطوارئ وحتي
مع إصدار قانون جديد للإرهاب فإن من حق رئيس الجمهورية فرض
حالة الطوارئ أيضا!!
السلطة التنفيذية وفي برنامج مبارك حول الإصلاح السياسي وضع ضوابط علي
ممارسة السلطة التنفيذية لصلاحياتها، مع ملاحظة أن رئيس
الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية وفقا للدستور وإن مجلس
الوزراء يشارك فقط مع الرئيس في وضع السياسة العامة
للدولة! وهو ما يعني الرجوع للرئيس في حالة اتخاذ قرارات
من السلطة التنفيذية وإعطاء بعض المرونة فقط للسلطة
التنفيذية.
ولا يعد الرئيس بالجمهورية البرلمانية في خطابه الانتخابي
وهومطلب المعارضة، خاصة حزب التجمع، وهو ما يعكس تمسك
الرئس بمقاليد الحكم.
ووعد مبارك بتعزيز دور البرلمان في مراقبة ومساءلة
الحكومة، ولكنه لم يفصح عن آليات هذا التعزيز خاصة أن
تعديلات قد تم إدخالها علي قانوني مجلسي الشعب والشوري في
يوليو الماضي، واللذين اشتملا علي تنظيم الدعاية
الانتخابية وحصول المرشح علي شهادة إتمام التعليم الأساسي
أو ما يعادلها علي الأقل بالنسبة لمواليد عام 1970 وما
بعدها، وزيادة مكافآت أعضاء ورئيسي مجلسي الشعب والشوري،
وتقديم شهادة أداء الخدمة العسكرية أو الإعفاء منها!
وبعد إعلان فوز مبارك فإن البرلمان القادم سيشهد العديد من
التعديلات الدستورية والقوانين الجديدة التي ستعمل علي
تفعيل«الجمهورية الثانية» التي يقودها رجال الأعمال وتسعي
هذه القوانين إلي تثبيت نفوذهم داخل السلطة ..وهو مايؤكد
علي أهمية الانتخابات البرلمانية القادمة.
وتحدث مبارك عن حد أدني لمقاعد المرأة ونظام انتخابي
لزيادة فرص تمثيل الأحزاب بالبرلمان، ولكنه لم يشر إلي
تطبيق هذا النظام في انتخابات مجلس الشعب القادمة، أما عن
النظام الانتخابي فهو بالقائمة النسبية، ومازال الجدل حتي
الآن حولها، وقد تضع الدولة العديد من الشروط التي تكفل
عدم تفعيلها، مثل اشتراط نسبة للحصول علي مقعد في البرلمان
علي مستوي الجمهورية وليست علي مستوي الدولة.. والمغالاة
في هذه النسبة.
انتخابات 2011 المعروف أن انتخابات الرئاسة القادمة ستجري عام 2011،
وتسبقها انتخابات مجالس الشعب والشوري عام 2010، ومع
اشتراط حصول الأحزاب علي نسبة 5% علي الأقل في انتخابات
مجلسي الشعب والشوري كشرط لترشيح أحد أعضاء هيئتها العليا،
أو حصول المستقل علي 250 صوتا من مجلسي الشعب والشوري
والمحليات، يجعل الرهان صعباً علي وجود منافسين للحزب
الحاكم في الانتخابات القادمة، ليفتح الطريق أمام توريث
الحكم لجمال مبارك.
وفي ظل ذلك فإن الانتخابات البرلمانية القادمة ستشهد
عراقيل جديدة حتي ولو تمت بالقائمة النسبية لمنع المرشحين
من منافسة مرشح الحزب الحاكم.. وهو ما نبه إليه حزب التجمع
في تعديل المادة 76، ويطالب بإعادة تعديلها مرة أخري لفتح
الطريق أمام انتخابات رئاسية تنافسية حقيقية.
المتوقع في انتخابات مجلسي الشعب والشوري والتي ستجري قبل
نهاية العام الحالي، حصول الحزب الحاكم علي أغلبية مطلقة،
وهو ما يعني التحكم في صياغة القوانين السياسية وفتح الباب
أمام ترزية القوانين لتفصيل قوانين تتفق مع الأهداف
المعلنة وغير المعلنة للحزب الحاكم.
أما البرلمان - في ظل هذه الظروف - فسيلعب دور الكومبارس
في الموافقة علي القوانين دون معارضة وطنية حقيقية، وفي ظل
غياب دور رقابي للبرلمان، ومساءلة الحكومة علي خلاف ما
يزعم مرشح الحزب الوطني بأنه سيدعم هذا الدور، فيكفي
الإشارة إلي أن مصر لم تعرف سحب الثقة من وزير أو حكومة
علي مدار التجربة الديمقراطية الثانية.
كيفية الإصلاح وفي جانب الإصلاح السياسي أيضا طرح الرئيس مبارك إلغاء
المدعي الاشتراكي ومحكمة القيم وتعديل قانون السلطة
القضائية وتعزيز حرية الرأي والإفصاح عن المعلومات
وتداولها وتطوير أداء المؤسسات الصحفية القومية، وتعزيز
الصلاحيات التنفيذية والرقابية للمحليات ودعم اللامركزية
في أدائها.
ولا يختلف أحد حول هذا البرنامج ولكن الأهم كيف سيتم تنفيذ
ذلك، وهل ستتم الاستجابة لمطالب القضاء أم لا.. والأزمة
مازالت مشتعلة حتي الآن؟ وماذا عن الرقابة في المحليات؟
قال الرئيس إنه سيجري تعديل قانون المحليات، ولكن لم يذكر
التعديلات.
هل ستتم في إطار الديمقراطية عودة انتخاب العمد بدلا من
التعيين أو انتخاب المحافظين، وعودة حق الاستجواب للمجالس
المحلية، وأن يكون وزير الحكم المحلي هو المسئول عن
المحافظين بدلا من مجلس المحافظين برئاسة رئيس الوزراء؟
كلها أسئلة لا تجد إجابة في البرنامج السياسي لمرشح
الوطني.
الأهم في الإصلاح السياسي هو زيادة قدرة الأحزاب علي
التلاحم مع الجماهير لعرض برنامجها، بلا فترات طويلة من
التجميد بفعل قانون الطوارئ وممارسات وزارة الداخلية، التي
تمكنت عن عمد من إضعاف الأحزاب وتجميد نشاطها.
الفساد ورفض مرشح الحزب الوطني إصدار قانون لمحاكمة الوزراء،
مشيرا إلي أن مصر لديها «قانون يحاكم الوزير والخفير
والرئيس أيضا» وقال «ما أكثر الوزراء والمسئولين الذين
أحيلوا إلي المحاكم وصدرت ضدهم أحكام.. وفي دول أخري
يكتفون بأن يستقيل الوزير الذي يثبت تورطه في فساد، أما
نحن فنحاكمه» وقال «إننا نقاوم الفساد ليل نهار».
ولم يتحدث الرئيس عن أخطاء الوزراء وما يسببونه من كوارث
للاقتصاد المصري، ويكفي أن نذكر من حدث من أخطاء فادحة في
معالجة الآثار المترتبة علي انهيار دول جنوب شرق آسيا،
ومعالجات سعر الصرف، الأداء الاقتصادي المتدهور، والمشاريع
القومية الخاسرة التي أهدرت المال العام.
الاقتصاد أما عن البرنامج الاقتصادي، فيعلن المرشح عن توفير 5.4
مليون فرصة عمل خلال السنوات الست القادمة لمعالجة أزمة
البطالة، ويعتمد هذا البرنامج أساسا علي القطاع الخاص
والاقتراض من البنوك، في تحويل مشروعات صغيرة ومتوسطة
وبناء 1000 مصنع جديد علي الأقل واستصلاح مليون فدان
ومضاعفة عدد الغرف السياحية.
وبناء 3500 مدرسة جديدة، منها 500 مدرسة قطاع خاص، وبناء
80 ألف وحدة سكنية بدعم من الدولة، وتقنين العشوائيات
وتسجيل ملكيتها وتحديث شبكات الطرق واستكمال الخط الثالث
لمترو الأنفاق، ومد مظلة التأمين الصحي لكل فرد وإعادة
تخطيط القري المصرية، وزيادة الأجور 100% في الدرجات
الوظيفية الصغري و75% للدرجات الأخري، وتوفير دخل أكبر
لأصحاب المعاشات ومضاعفة عدد الأسر المستفيدة من برنامج
الضمان الاجتماعي، وزيادة في الأجر الأساسي للمعلمين ووضع
كادر خاص لهم والتوسع في إنشاء المدارس والجامعات الخاصة
لأبناء الطبقة المتوسطة.
التمويل اللازم وإذا كان برنامج مبارك الاقتصادي يؤكد اقتحام وحل
مشكلة البطالة بتوفير 5.4 مليون فرصة عمل عن طريق الاقتراض
من البنوك وتشجيع البنوك علي إقراض القطاع الخاص، فإن
تجربة الاعتماد علي القطاع الخاص قد أثبتت فشلها، وغاب عن
برنامج مبارك تحديد المنهج العلمي للحد من مشكلة البطالة،
وليس القضاء عليها كما أكد مبارك نفسه.
وإذا كان الفريق الاقتصادي للحزب الوطني وعلي رأسهم محمود
محيي الدين ود. يوسف بطرس غالي قد وضعوا هذا البرنامج، وهو
ضمن خطة الحكومة، فإن الاعتراضات علي هذا البرنامج وعدم
إمكان تطبيقه العملي تشكل نقطة ضعف واضحة في برنامج مبارك.
ولم يكشف الرئيس المرشح عن طريقة توفير الأموال اللازمة
لتطبيق برنامجه برغم من ضعفه، واكتفي بالقول إننا نحتاج
إلي 220 مليار جنيه سنويا لتنفيذ هذا البرنامج وإن الأموال
ستأتي بعد تطبيق قانون الضرائب الجديد!! لتظل مشكلة
التمويل عائقا أمام التنفيذ.
وعود براقة من الطبيعي أن تكون الوعود براقة في الانتخابات، فما
بالنا إذا كانت انتخابات الرئاسة، فالرئيس أعلن في برنامجه
عن حل جميع مشاكل مصر، التعليم والصحة والبطالة
والعشوائيات والفقر، وتحسين أوضاع الطبقة المتوسطة.. إلخ،
ولأن لا أحد يحاسب علي الوعود، ولا يوجد جدول زمني لتأكيد
تنفيذ هذه الوعود، فمن السهل إطلاقها، دون تنفيذ أو تنفيذ
جزء منها وإيجاد مبررات لعدم التنفيذ.
وإذا كان الرئيس الفائز جاداً في الوعود التي يطلقها، فإنه
مطالب أمام الشعب أن يعلن جدولاً زمنياً لتنفيذ هذه
الوعود.