أرجأوا البكاء المرير، وظلوا ثابتين علي الأرض التي اهتزت
تحت أقدامهم، أغلقوا قلوبهم علي الحزن والغضب وأسي الفقد0
ووقفوا وقفة الرجال لتلقي العزاء في أساتذتهم الذين علموهم
أن الفن هو قدس الأقداس، والعزاء في زملائهم الذين شاركوهم
الحلم بوقع الأقدام علي خشبة المسرح، وليتلقوا العزاء في
نقاد لن يشاهدوا عروضهم المقبلة ولن ينتظروا قراءة سطورهم
علي صفحات الجرائد0
وقف طلبة أكاديمية الفنون وشباب المسرحيين رغم أنهم
مازالوا صغارا علي تلقي العزاء وعلي حرقة القلب، إلا أنهم
وقفوا في الشارع أمام مسجد الحامدية الشاذلية بالمئات
ليعلنوا للجميع أن أساتذتهم تركوا رجالا يسدون عين الشمس
رغم ظلمة الليل، وليعلنوا للجميع أن أعمار زملائهم التي
خطفت غدراً لن تضيع بلا حساب، فقد رفضوا المشاركة في
العزاء الرسمي، وأقاموا عزاءهم الخاص في الشارع الذين كان
حلم وهدف من ابتلعتهم محرقة قصر ثقافة بني سويف0
وطالبوا في وقفتهم بمحاكمة المسئولين عن قتل المبدعين،
المسئولين الذين تركوا أجساد المبدعين للنيران بلا أدني
إحساس بالمسئولية أو الضمير، بل يصل التنطع إلي إلقاء
المسئولية علي شمعة سقطت وباب أغلق0
والحقيقة أن القاتل معروف وواضح فالقاتل هو «الدولة»
بمؤسساتها التي تتعامل مع الفن والثقافة كترف بلا ضرورة،
والتي تري أن عشاق ورهبان الفن والثقافة حفنة من المجانين
لأن الجميع يعرف أنهم عاشوا لحق الناس كل الناس خاصة
الفقراء في فن راق وكاشف وفاضح ورافض لكل أشكال القهر
والاستغلال0
نعم الدولة بمؤسساتها مسئولة عن المحرقة وليست الشمعة،
الدولة مسئولة عن التهام النيران لأجساد وأعمار شباب في
عمر الزهور لم يرتكبوا جرما سوي أنهم عشقوا المسرح، ونقاد
وأساتذة آمنوا بأن الفن رسالة حملوها علي أكتافهم طوال
أعمارهم القصيرة0
الدولة التي تعلم أن قصورالثقافة، أي ملاذ الفقراء - غير
آمنة، والدولة التي تخصص للعرض ميزانية ألف جنيه، والدولة
التي لم تنجد من يصرخون في المحرقة بالمطافئ إلا بعد ساعة
من اشتعال النيران، والدولة التي لم توفر مستشفيات لتلقي
المصابين الذين ظلوا لأكثر من خمس ساعات بلا إسعاف حقيقي
بل ظل بعض منهم ملقي علي الرصيف لحين إطفاء الحريق0
وهي الدولة التي سمحت لعساكر الأمن المركزي بحصار وضرب أهل
وزملاء الضحايا بلا أدني اعتبار لحجم الفجيعة والوجع
المرير0 الذي تتضاءل معه كل كلمات العزاء لتلاميذ وأسر
وأصدقاء من راحوا من بين أيدينا، وكنا جميعا نحتاج إليهم
الآن أكثر من أي وقت مضي