تعالوا كي نحتفي بمفكر شاب، قد لا يعرفه الكثيرون رغم أنه
يستحق اهتماما أكثر بكثير من الكثيرين الذين يجري تسليط
أضواء مخادعة عليهم.
تعالوا معاً كي نحتفي بالمفكر الشاب المجتهد د. عبد الله
شلبي في كتابه الجديد والممتع «عنف المقهور - جدلية القهر
والعنف السياسي في المجتمع المصري».
والكتاب علي صغر حجمه يمثل وثيقة مهمة وضرورية لفهم منبع
أساسي من منابع الإرهاب المتأسلم، وفي الصفحة الأولي
يذكرنا المؤلف بمقولة أبو ذر الغفاري «عجبت لرجل ينام في
بيته جائعا ولا يخرج علي الناس شاهرا سيفه» وبهذا يحدد لنا
الفكرة الجوهرية في كتابه.. وهي أن الإرهاب هو جزء من عنف
المقهور اجتماعيا فالسياسات التي طبقتها حكومات العقدين
الثامن والتاسع من القرن العشرين «كانت تنطوي في المدي
القريب علي التزام الدولة بخفض وتقليص الإنفاق الحكومي
العام وإلغاء الدعم الحكومي علي السلع والخدمات الضرورية،
ومن ثم الحد من الدور الاجتماعي للدولة وانكماشه إلي
الحدود الدنيا علي صعيد التعليم والصحة،.. وانخفضت الأجور
الحقيقية لأصحاب الرواتب والدخول الثابتة والمحدودة،
وانتشرت البطالة.. وتفاقمت أوضاع الفقر».. «في حين منحت
هذه التحولات القلة الميسورة قوي جديدة.. ومن الطبيعي في
ظل أوضاع كهذه أن يصبح القهر بكل أشكاله ومستويات وجوده
مولدا للعنف؛ ذلك أننا نري أن العنف المجتمعي السياسي
ظاهرة تاريخية تنشأ في ظل ظروف معينة تتسم بالقهر، وتزول
بزوالها» (ص3).
هذا القهر المجتمعي يولد من وجهة نظر المؤلف ما أسماه «عنف
المقهور» و«جدلية القهر والعنف السياسي» ولكن لماذا تجلت
هذه الجدلية في ثياب متأسلمة؟ هذا هو السؤال الذي يلح علي
القاريء طوال متابعته لكتابة د. عبد الله شلبي؛ لماذا يقفز
د. عبد الله شلبي فجأة ليتحدث عن العنف المتأسلم قائلا:
«لقد واكب هذا العنف توحش هذه الجماعات بشكل مثَّل في
الحقيقة تهديدا جسيما لمصداقية نظام الحكم في مصر ولقدرته
علي الحفاظ علي أمن مصر.. وكان ازدياد وقائع العنف وأحداثه
وتفاقمها وارتفاع أعداد ضحاياه مؤشرا يكشف عن حقيقة
موضوعية مؤداها أن البنية الاجتماعية للوطن بكل أصعدتها
الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأيديولوجية صارت
تعاني من اختلالات خطيرة.. «فمن رحم القهر المكثف والمتعدد
الأبعاد والذي أوجدته التحولات الاقتصادية والسياسية ولد
العنف السياسي الديني «المقدس» لينقل الفقراء والمظلومين
والمستضعفين والمهمشين إلي وضعية جديدة أصبحوا فيها سادة
وأمراء ينفذون وفق تصوراتهم مشيئة الله ويضربون بعنف باسم
الإسلام والعدالة في محاولة لقلب النظام والمجتمع الذي
ظلمهم وفرض عليهم بطالة جماعية جلبت وراءها الحرمان
المادي، وقضت بنفيهم في أحياء وقري ونجوع متردية ومنسية
بالمرة حيث يستشعرون بأن لا مستقبل لهم سوي حياة البؤس
والعزلة والحرمان، وأن لعنة الفقر التي أصابتهم قد صارت
قدرهم المحتوم» (ص4)، وإذا كان المؤلف يقرر وهو علي حق
تماما «أن العنف قد أصبح أحد المعالم المميزة للعالم
المعاصر، وآية ذلك تزايد أشكال الصراع الإثني والديني
وظهور الحركات الأصولية المسلحة داخل مختلف الأديان، والتي
خاصمت مجتمعاتها وأعلنت عليها حربا لا هوادة فيها، ونمو
الحركات الفاشية، وتصاعد الحروب الأهلية وحروب التطهير
العرقي، والصراعات السياسية والثقافية بين الجماعات
المتعارضة في مصالحها وأهدافها، فإن ذلك لا يمثل إجابة علي
السؤال الملح «لماذا العنف المتأسلم بالذات»؟ ولا تجيب عنه
تلك العبارة الموحية والصحيحة «إن هذا التفاعل يكشف عن
أشكال متنوعة من العنف يمكن أن يخضع تقسيمها لمعايير
متعددة فهناك العنف الجنائي والسياسي والديني والعرقي
والاجتماعي والفردي والجمعي والجماهيري والسلطوي والمرضي
والريفي والحضري والداخلي والخارجي.. وهي أشكال من العنف
أصبحت تنطوي كل مستويات وأشكال وجود البشر كافة بدءاً من
الأسرة ومروراً بالتفاعلات العادية اليومية في الأسواق،
والشوارع، ووسائل المواصلات، وصولا إلي مؤسسات وأجهزة
الدولة » (ص8).
.. فلماذا يبرز العنف الديني من بين هذه الأشكال جميعا؟
ولماذا يكون الأكثر قدرة علي لملمة شتات المقهورين؟ هل
تكمن الإجابة في صفحات كان يجب أن تضاف للكتاب حول قهر
الدولة للقوي السياسية المدنية المعارضة، وتضييق الخناق
عليها ومنعها من أي تحرك جماهيري مفتوح؟ أم أن هناك إجابات
أخري قد تأتي صفحات الكتاب ببعض منها.
هذا ما سنراه في الكتابة التالية