أسفرت معركة الانتخابات الرئاسية عن عدة ظواهر كان من
بينها تعرف الرأي العام بشكل أوسع علي الأحزاب وعلي قادتها
عبر أجهزة الإعلام المرئي والمسموع التي اتسمت بدرجة عالية
من الحياد، وهي تجربة ناجحة تحتاج لأن تعمم طوال العام ولا
تقتصر علي الانتخابات والمواسم السياسية، إذا ما كانت هناك
رغبة حقيقية في إعادة السياسة إلي المجتمع المصري، الذي
تستمد غالبيته ثقافتها العامة من التليفزيون0
ومن بين تلك الظواهر، أن الحزب الوطني اضطر للمرة الأولي
ألا يعتمد فقط علي اندماجه في أجهزة الدولة التنفيذية،
ولجأ إلي الاستعانة بخبرات دولية في إدارة المعارك
الانتخابية، ونشط هياكله التنظيمية ووسائل الاتصال بينها
علي مستوي الجمهورية، ونجح في حفز عضويته علي التصرف
بمعايير الالتزام الحزبي المنظم، وهذا تحول مهم في الحياة
السياسية التي كان أبرز أوجه الخلل بها هو استنامة الحزب
الوطني إلي أغلبيته المصنوعة، وارتكانه إلي نفوذ مؤسسة
الرئاسة، وقبوله بحالة الضعف التي حولته إلي مؤسسة
بيروقراطية مترهلة، ودفعته لإضعاف الحياة الحزبية برمتها0
ومن بينها أيضاً تقارب نسبة الذين شاركوا في الانتخابات
البرلمانية عام 2000(24%) والذين شاركوا في الانتخابات
الرئاسية (23%)، والمشترك بين الانتخابين أن كليهما تم تحت
إشراف القضاء إلي حد كبير، وهذا دليل علي أن الإشراف
القضائي يضبط عدد المشاركين، ويقضي علي ظاهرة تقفيل
اللجان، والتصويت نيابة عن الموتي والغائبين0 وتكشف هذه
الظاهرة، أن نسبة كبيرة من المقيدين في الجداول الانتخابية
- ثلثان من بين 32 مليون ناخب- لا تشارك في العمل العام،
ولاتزال عازفة عن المساهمة فيه بأي شكل من الأشكال ومنها
الانضمام للأحزاب0
ومن الملاحظ أن هذه النسبة من المشاركة، هي نفسها التي
تشارك في انتخابات النقابات والأندية، مما يؤكد الحاجة إلي
مناخ جديد يهيئ لحملة قومية لرفع أعداد المشاركين في كل
انتخابات علي اختلاف أشكالها0 وبدون مشاركة من المواطنين
لا أمل في إصلاح الحياة السياسية0
أخيراً من الخطأ الاستناد إلي نتائج الانتخابات الرئاسية،
لوضع تراتبية جديدة لأحزاب المعارضة، خاصة إذا ما أخذنا في
الاعتبار أن هناك عوامل مصطنعة، في التصاعد اللافت للنظر،
في الأصوات التي حصل عليها حزب الغد، من بينها أنه شحذ
مخيلة الشباب والساخطين والراغبين في أي تغيير، فضلا عن
تصويت جماعة الإخوان له، وليس عن رغبة في حزب لا يعرفون عن
برنامجه شيئاً0 وهذا يفسر أن أحزابا لم يكن يتصور أحد أن
تحصل علي صوت واحد، بل إن أصحابها لم يصوتوا لأنفسهم، حصلت
علي عدة آلاف من الأصوات0
والذين يرون أن حزب الوفد خرج من المعركة خاسرا، يتجاهلون
المكاسب التي حصل عليها، بينها أنه أعاد تقديم نفسه للرأي
العام بشكل إيجابي، وطرح خطابا سياسيا جديدا، يمكن أن
يجتذب إليه جماهير أوسع وخصوصا تركيزه علي أنه ليس حزبا
لليمين الرأسمالي، ولكنه حزب للأمة المصرية كلها، وأنه
أقرب ما يكون للجبهة الوطنية، التي تضم بين صفوفها شرائح
واسعة من الطبقات الشعبية والوسطي0
لقد اختبر الوفد آلته الحزبية في هذه المعركة، واكتشف
ميزاتها وأوجه النقص فيها تمهيدا لإصلاحها في الانتخابات
البرلمانية القادمة0
أليست هذه مكاسب لمن ينظرون للنصف المملوء من الكوب؟