يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1245 (14 - 21) سبتمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

القتل علي نفقة الدولة

 
 

حلمي سالم

 

  ما حدث في محرقة قصر ثقافة بني سويف هو قتل علي نفقة الدولة . فهذا المشهد المروع من مشاهد مسرح اللامعقول الذي شاهدناه جمعيا ليل الاثنين الماضي، والذي أودي بنخبة من أصدقائنا و آصدقاء المسرح من نقاد ومخرجين وفنانين هو خلاصة مركبة لمجموعة من المهازل السوداء .
وفي دول حية صاحية، فإن مثل هذا المشهد المريع كفيل بذهاب حكومات ووزراء ومسئولين . لكن حظنا التعس أننا نعيش في بلد لاهي حية و لاهي صاحية، بل هي حية في نهب الثروات وصاحية في مواجهة المواطنين فقط!!
سلاما لحازم شحاتة وصالح سعد ونزار سمك ومدحت أبو بكر ومحسن مصيلحي وأحمد عبد الحميد، وسلاما لفناني الثقافة الجماهيرية المحترقين . و سلاما للمواطنين الذين ذهبوا يستمتعون بعرض مسرحي مفرح، فصاروا هم متن عرض مسرحي حزين، في نهاية لم يكتبها أساطين المسرح الإغريقي التراجيدي القديم.
سلاما للنقاد الذين ذهبوا يحكمون العروض المسرحية، فحكم عليهم عبث النظام المصري حكمه الملتهب، بالتفحم!
مزيج من العبث والعمد والخراب شكل هذه المحرقة الدنيئة. والمجرمون مائة، أولهم وزارة الثقافة وثانيهم وزارة العدل، وثالثهم وزارة الصحة، ورابعهم وزارة الداخلية، وخامسهم وسادسهم وسابعهم ، حتي المتهم المائة الذي هو المناخ العام، حيث تنفق حكومتنا الرشيدة فيه الأموال الطائلة، لكي يفسد الهواء، وتنهار المستشفيات، و تخرب دور المسرح، ويتلوث الماء، وتنحط قيمة المواطن وقيمة المثقف !
هذه- إذن- لحظة قطاف مرعبة، انقصفت فيها شجرة كاملة مثمرة0 فهذا باحث مسرحي جاد (حازم شحاتة) قدم رسالة ماجستير لافتة عن «مسرح ميخائيل رومان»، ولم يكن يتخيل أن مسرحية «الدخان» لرومان ستكون تعبيراً عن مشهد حياته الأخير، بعد إضافة الشموع المدمرة والكابل الكهربائي المعلق في الهواء0 وهذا مدرس بمعهد الفنون المسرحية (محسن مصيلحي) قدم دراسته الضافية عن «المسرح الإنجليزي فيما بعد شكسبير»، ولم يكن يدري أن نهايات شكسبير الحافلة بالجثث والضحايا والأشلاء، ستكون إرهاصا فاجعا بنهايته هو0 وكلما تذكر أن فصولا من دراسته هذه أثرت مجلة «أدب ونقد» في سنوات سابقة، يزداد الإحساس بتعدد أبعاد الكارثة- وهذا مخرج تجريبي مميز (صالح سعد) شهد مسرح «الهناجر» العديد من ابتكاراته المجترئة (ومنها ماكبث زيرو)، ولم يكن يتصور أن «التجريب» ، في أسود صوره ، سيطاله، حين يزحف من الخشبة إلي صف لجنة التحكيم0
وهذا باسم ضحوك (نزار سمك)، وهذا ناقد جاد «أحمد عبد الحليم) حمل عبء الدفاع عن الجدية في زمن الهزل، وهذا، وهذا، وهذا، من المحترمين الذين ضاق بهم زمن غير محترم0 (والعشرات من المواطنين المشاهدين العزل، الذين لم يحتاطوا وهم ذاهبون إلي «فرجة » شيقة)0
لم يكن جميع هؤلاء ، وهم يحدثون التلاميذ في المعاهد المسرحية عن «سقوط الحائط» الرابع» في مسرح بريخت، يتصورون أن تنخطف حياتهم في شكل مفجع من أشكال سقوط الحائط الرابع: بين الحياة والموت، بين التمثيل علي «الخشبة»، بين التثميل المسرحي و«التمثيل» بالجثث التي لم تجد من ينقلها إلي المستشفيات، فانتقل بعضها علي دراجات، وانتقل بعضها زحفا علي البطون المحترقة، بين الواقع والكابوس، بين الرعب المشخص والرعب الشاخص0
بهذه الفضيحة الفاضحة انهار كذلك الحائط الرابع بين النظام والموت، فصار الموت هو النظام، والنظام هو الموت0
وعندما كتب إبسن مسرحيته الفذة «مشعلو الحرائق» كان يشير بسبابته -منذ عشرات السنين- إلي المسئولين المصريين الذين «أخرجوا» هذا العرض المسرحي الآثم، المتوحش0
لا تنتمي الكارثة إلي «المسرح المرتجل» قط، بل إن لها مؤلفا ومنتجا ومخرجا 0 فحاكموا المؤلف والمنتج والمخرج، الذين ساهموا في هذا «العصف المأكول» اللعين0 إنهم يقفون خلف الستارة!
إنه القتل علي نفقة الدولة . فيا أيها الناس : مصر تحتاج إلي طفاية حريق كبيرة!!
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة