يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1244 (7 - 14) سبتمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

الإنجازات الحقيقية في عهد مبارك «السعيد» (2)

 
 

ديون وتضخم.. وانهيار للجنيه

 
 

أحمد السيد النجار

 

  كشف الكاتب في العدد السابق عن الإنجازات الحقيقية، من الناحية الاقتصادية، لعهد الرئيس مبارك الذي دام 24 عاماً متصلة، فأشار إلي انهيار أوضاع الاقتصاد المصري إقليمياً وعالمياً، مشيراً إلي أن النمو السريع للاقتصاد في بعض الفترات لم يكن مستمراً كما في الدول الأخري0 وكشف عن تدهور الصادرات والادخار القومي وانخفاض معدلات الاستثمار الحقيقية والفشل المستمر في جذب الاستثمارات الأجنبية نتيجة لسياسات الحكومات المتعاقبة000 ويستكمل الكاتب اليوم رصده لأوضاع الاقتصاد المصري0

ثالثا: الناتج المحلي الإجمالي
تشير بيانات وزارة التخطيط المصرية إلي أن الناتج المحلي الإجمالي المصري بالأسعار الجارية قد بلغ نحو 474.4 مليار جنيه مصري في العام المالي 2003/2004، مقارنة بنحو 417.5 مليار جنيه عام 2002/2003. ونظرا لأن عدد السكان المقيمين داخل مصر قد بلغ نحو 67.3 مليون نسمة في العام المالي 2002/2003، فإن متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية قد بلغ نحو 6203.6 جنيه في العام المذكور، بمتوسط دخل شهري للفرد يبلغ 517 جنيها. ونظرا لأن عدد المشتغلين فعليا في مصر قد بلغ نحو 18.2 مليون عامل وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والبنك المركزي (النشرة الإحصائية الشهرية، أكتوبر 2004، ص 77)، فإن معدل الإعالة في مصر قد بلغ 3.7 شخص.أي أن كل عامل يعول 2.7 شخص بالإضافة إليه هو نفسه. ووفقا لمتوسط دخل الفرد، فإن متوسط دخل العائل في مصر قد بلغ 22953 جنيها في العام، أي نحو 1913 جنيها شهريا.
وفي ظل النظام الاقتصادي الراهن والفساد المروع الذي يؤدي إلي تحويل أموال عامة إلي أموال خاصة بشكل غير مشروع، فإن التفاوت الطبقي أصبح رهيبا. لكن البيانات الرسمية المصرية تعمد إلي التخفيف من هذا التفاوت من خلال بيانات زائفة عن توزيع الدخل في مصر. وتشير البيانات التي نشرها البنك الدولي والمأخوذة من بيانات حكومية مصرية، إلي أن أفقر 10% من سكان مصر قد حصلوا علي 3.7، % من الناتج المحلي الإجمالي، أي أن 6.73 مليون نسمة قد حصلوا علي 15447.5 مليون جنيه مصري بواقع نحو 2306 جنيهات للفرد سنويا، أي بواقع 192 جنيها شهريا للفرد، ونحو 8531 جنيهات سنويا للعائل الذي يعول 3.7 شخص بما فيهم نفسه، أي 711 جنيها شهريا.
أما أغني 10% من السكان، أي أغني 6.73 مليون نسمة في مصر، فقد حصلوا علي 29.5% من الناتج المحلي الإجمالي، أي نحو 123163 مليون جنيه، بواقع 18383 جنيهات للفرد سنويا، أي 1532 جنيها شهريا، ونحو 68015 جنيها سنويا للعائل، بواقع 5668 جنيها شهريا. لكن داخل أغني 10% من السكان هناك بضعة آلاف يحصلون علي دخول خيالية، وربما لو كان هناك مسح يحدد حصة أغني 0.5% في المجتمع من الدخل، لكان لدينا صورة أكثر وضوحا عن دخل الطبقة العليا في مصر وعن طبيعة الانقسام الطبقي الحقيقي في مصر.
ويحصل أفقر 20% في مصر علي نحو 8.6% من الدخل، بينما يحصل الخمس التالي من السكان علي 12.1% من الدخل، بينما يحصل الخمس الثالث علي 15.4% من الدخل، ويحصل الخمس الرابع علي 20.4% من الدخل، بينما يحصل أغني 20% من السكان علي 43.6% من الدخل، وذلك وفقا للمسح الذي أجري عام 1999 بمعرفة الحكومة المصرية. ورغم أن توزيع الدخل في مصر علي هذا النحو وفقا لهذه البيانات الحكومية، يعد بعيدا عن مستويات العدل الاجتماعي التي كانت متحققة في أوقات سابقة، إلا أنه يعد معتدلا نسبيا، لكن مثل هذه البيانات تحتاج لكي تكون أكثر مصداقية، إلي أن يتم إعدادها من خلال جهة تتمتع بالاستقلالية ومن خلال خبراء ينتمون لكل الاتجاهات السياسية وليس من قبل الحكومة التي من الممكن أن تحاول إظهار صورة معتدلة لتوزيع الدخل علي خلاف الواقع، بغرض تسييد انطباع عام عن مستوي غير حقيقي من العدل الاجتماعي.

رابعا: مؤشرات أداء الاقتصاد المصري:
هناك العديد من المؤشرات المعبرة عن أداء الاقتصاد المصري، وعادة ما تؤخذ المؤشرات الرئيسية الثلاث وهي معدلات النمو والتضخم والبطالة علي أنها المؤشرات الأكثر دلالة التي تعبر عن طبيعة الأداء الاقتصادي، لكننا سنقتصر هنا علي التعرض لمؤشري النمو والتضخم لأننا أفردنا فصلا كاملا لمأساة البطالة التي تفاقمت في عصر مبارك علي نحو غير مسبوق..

1- النمو الأقل منذ نصف قرن:
يعد معدل النمو المتحقق في عصر مبارك هو الأدني منذ نصف قرن علي الأقل، فبينما بلغ ذلك المعدل نحو 6% في الخمسينيات، فإنه ارتفع إلي أعلي ذروة له في النصف الأول من ستينيات القرن العشرين حيث بلغ نحو 8.3% سنويا. وحسب بيانات البنك الدولي بلغ متوسط معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي المصري نحو 6.8% خلال الفترة من عام 1965 إلي عام 1980.. وإذا أخذنا بمتوسط معدل النمو السنوي منذ الخمسينيات وحتي عام 1980 فإنه قد بلغ نحو 6.8% سنويا.
وقد بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين نحو 6.4% سنويا خلال الفترة من عام 1965 حتي عام 1980، وبلغ المعدل نحو 3.6% سنويا في الهند خلال الفترة المذكورة، وبلغ المعدل المناظر في تايلاند 7.2% سنويا، وفي ماليزيا نحو 7.3% سنويا، وفي كوريا الجنوبية نحو 9.6% سنويا خلال الفترة من عام 1965 إلي عام 1980.
أي أن مصر كانت تقف في الصف الأول مع أسرع دول العالم في النمو الاقتصادي بالذات في فترة الازدهار الذهبية في النصف الأول من ستينيات القرن العشرين، حيث كان النمو حقيقيا ومرتبطا ببناء صناعات جديدة تشكل اختراقا للصناعة المصرية، والتوسع في الصناعات التي تلبي الاحتياجات الاجتماعية، فضلا عن أن النمو الاقتصادي في مصر منذ الخمسينيات وحتي منتصف سبعينيات القرن العشرين كان ممولا بشكل ذاتي بالأساس وكانت القروض الخارجية ميسرة إلي حد بعيد، وهو ما جعل مصر تخرج من حرب أكتوبر وكل ديونها المدنية الخارجية 2.7 مليار دولار فقط. ويضاف إلي تلك الديون المدنية، ديونا عسكرية بلغت قيمتها نحو 2 مليار دولار للاتحاد السوفيتي السابق وهي ديون تم إعفاء مصر منها في النهاية. أما النمو السريع في النصف الثاني من السبعينيات فقد تحقق بالاعتماد علي الإفراط في الاقتراض وكبل مصر بديون خارجية كبيرة بلغت نحو 21 مليار دولار في عام 1980،وخلال الفترة من عام 1983 حتي عام 2004، تدهور متوسط معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي المصري إلي 4.1% سنويا طبقا لبيانات صندوق النقد الدولي المأخوذة عن البيانات الرسمية المصرية التي تنطوي علي مبالغات بالزيادة في إطار انتشار تزوير البيانات الرسمية لتجميل الأداء المتواضع لحكومات مبارك المتتالية. وبالمقابل بلغ المعدل في الصين 9.8% سنويا، وبلغ 5.8% سنويا في الهند، ونحو 6% سنويا في ماليزيا، ونحو 6.1% سنويا في كل من كوريا الجنوبية وتايلاند. وكان من الطبيعي أن تتدهور مكانة مصر مقارنة بهذه البلدان، خاصة وأن رقم النمو الاقتصادي الضعيف الخاص بمصر ينطوي علي درجة من التضخيم والمبالغة غير الحقيقية.
والأسوأ أن هذا النمو الضعيف في عهد مبارك قد تحقق بالاعتماد علي الإفراط غير المسبوق في الاستدانة من الخارج حيث ارتفعت الديون الخارجية لمصر إلي 50 مليار دولار في 1988، بما يعني أنها زادت خلال الفترة من 1980 حتي 1988 بمقدار 29 مليار دولار بما يتجاوز كل ما ترتب علي مصر من ديون منذ الخمسينيات وحتي عام 1980 بنحو 8 مليارت دولار.
وقد تمكنت الحكومة المصرية من التخلص من قسم كبير من الديون الخارجية مقابل موقفها المؤيد للتحالف المضاد للعراق في حرب عام 1991، وأيضا مقابل تطبيق برنامج صندوق النقد الدولي وفتح السوق المصرية أمام الأجانب وبيع القطاع العام وخفض سعر الجنيه المصري مقابل العملات الحرة الرئيسية وتحرير سوق الصرف وفتح كل المجالات للقطاع الخاص المصري والأجنبي. لكن الديون الخارجية المصرية التي تراجعت إلي نحو 26 مليار دولار في منتصف عام 2001، عادت للتزايد لتصل إلي نحو 31.1 مليار دولار في بداية عام 2005 حسب البيانات الحكومية الواردة في النشرة الإحصائية للبنك المركزي المصري.
والخلاصة أن عصر مبارك قد اتسم بضعف النمو الاقتصادي بالمقارنة مع الفترات السابقة عليه، وحتي هذا النمو الضعيف تم من خلال الاستدانة الخارجية التي كبلت مصر بديون خارجية هائلة لم يتم التخلص منها إلا بسبب تنازل الدول الدائنة عن الجانب الأعظم من تلك الديون مقابل موقف مصر المؤيد للولايات المتحدة والسعودية في حرب الخليج عام 1991. ولن تتمكن مصر من تحقيق اختراق اقتصادي يمكنها من تحقيق طموحاتها في التحول لدولة صناعية ناهضة ثم متقدمة، إلا إذا تمكنت من تحقيق دورة طويلة من النمو الاقتصادي السريع علي غرار ما فعلته الصين ومن قبلها كوريا الجنوبية والعديد من بلدان شرق آسيا. ومثل هذا النمو السريع ينهض بالأساس علي معدلات استثمار مرتفعة يتم تمويلها من المدخرات المحلية بالأساس، وتؤدي إلي زيادة الناتج الكمي من السلع والخدمات المتنوعة، وليس علي مجرد ارتفاع أسعار سلع أولية يتم إنتاجها فعلا مثل النفط أو الغاز. وهذا ما أشرنا آنفا إلي عدم تحققه في مصر في عهد مبارك.

2- عهد التضخم الكبير
يعد معدل التضخم، من أكثر المؤشرات الاقتصادية المثيرة للجدل، نظرا لأن المعدل في الدولة الواحدة، يمكن أن يختلف بشكل جوهري تبعا لتغيير تركيب سلة السلع والخدمات التي يحتسب علي أساسها هذا المعدل. ومنذ أن تخلت الدولة عن تسعير السلع وتركت هذا التسعير لقوي السوق التي لا توجد أي ضوابط فيها لحماية المستهلك علي غرار تلك الموجودة في الدول الرأسمالية المتقدمة، فإن معدل التضخم المعلن رسميا أصبح محل جدل كبير خاصة أن سلة السلع التي يحتسب التضخم علي أساسها تتحيز للسلع الأكثر استقراراً في أسعارها.
وعلي أي الأحوال فإنه حتي بالاعتماد علي البيانات الحكومية المشكوك في صحتها، فإن عهد مبارك يعد عهد التضخم الكبير في تاريخ مصر. ووفقا لبيانات صندوق النقد الدولي، فإن متوسط المعدل السنوي للتضخم بلغ نحو 2.9% سنويا في الفترة من عام 1960 إلي عام 1970. وبلغ هذا المعدل نحو 9.5% سنويا في الفترة من عام 1971 إلي عام 1981 خلال حكم السادات. وخلال السنوات العشر الأولي من حكم مبارك من عام 1982 إلي عام 1992، بلغ متوسط معدل التضخم نحو 18.3%. ورغم أن هذا المعدل قد تراجع بعد ذلك في النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين، إلا أنه عاود الصعود بقوة ليبلغ 11.3% في عام 2004 وفقا للبيانات الرسمية. وخلال الفترة الإجمالية لحكم مبارك الممتد ل 24 عاما بلغ متوسط معدل التضخم نحو 12% سنويا وهو أعلي معدل للتضخم في 24 عاما متصلة في تاريخ مصر الحديث.
وعلي أي الأحوال فإن ارتفاع معدل التضخم يؤدي إلي اضطراب حسابات الاستثمار القائم علي التوقعات، كما يؤدي إلي إعادة توزيع الدخل لصالح أصحاب حقوق التملك وبالذات الفئات الرأسمالية المختلفة، علي حساب أصحاب الدخول الثابتة وشبه الثابتة من أصحاب الرواتب والأجور والمعاشات. فأصحاب الدخول الثابتة وشبه الثابتة من الموظفين والعمال وأرباب المعاشات يتعرضون لأكثر الآثار السلبية للتضخم حيث تنخفض دخولهم الحقيقية التي نعني بها القدرة الشرائية للدخول الإسمية، نظرا لأن دخولهم الإسمية تتزايد عادة بمعدلات تقل عن معدل التضخم، كما انها لا تزيد إلا بعد حدوث التضخم بفترة. وبالتالي فإن المعدلات المرتفعة للتضخم تؤدي عادة إلي زيادة سوء توزيع الدخل في أي مجتمع.

خامسا - الدين المحلي تجاوز كل حدود الأمان
تشير بيانات البنك المركزي المصري، إلي أن إجمالي الدين المحلي، قد بلغ نحو 471.3 مليار جنيه في نهاية مارس 2005، بما يوازي نحو 94.8%% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية المقدر للعام المالي 2004/2005، علما بأن إجمالي الدين العام المحلي لم يكن يتجاوز 217 مليار جنيه في نهاية عام 1999. أي أن ديون الحكومة وهيئاتها الاقتصادية وبنك الاستثمار القومي قد زادت بمقدار 254.3 مليار جنيه، أي بنسبة 117.2% خلال خمس سنوات. أو بمعني آخر، فإن كل الديون المحلية المترسبة عن اقتراض الحكومة وهيئاتها الاقتصادية وبنك الاستثمار القومي ما قبل عام 1999 تقل عما ترسب عن هذا الاقتراض من ديون عامة خلال الفترة من عام 2000 حتي مارس 2005، وهو أمر يبدو خارج حدود المنطق والعقل، ولا يبرره إلا العجز المروع لحكومات مبارك الأخيرة عن توفير إيرادات من النشاط الجاري تمول بها الإنفاق العام، وترتيبا علي هذا العجز فإن هذه الحكومات أفرطت في الاقتراض المحلي علي النحو المشار إليه آنفا.
وينقسم الدين العام الإجمالي إلي ديون حكومية مباشرة، بلغت نحو 333.3 مليار جنيه في مارس 2005، بما يوازي نحو 67% من الناتج المحلي الإجمالي المقدر للعام المالي 2004/2005. في العام المذكور، وديون الهيئات الاقتصادية التي بلغت قيمتها نحو 42.4 مليار جنيه بما يعادل نحو 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وديون بنك الاستثمار القومي التي بلغت نحو 95.6 مليار جنيه بما يعادل 19.2% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد جاءت الزيادة الكبيرة في الدين العام المحلي المصري، من زيادة الديون الحكومية المباشرة بصورة هائلة في السنوات القليلة الماضية، حيث زادت من 147.2 مليار جنيه في نهاية عام 1999، إلي 333.3 مليار جنيه في مارس 2005، بنسبة زيادة بلغت 126.4%، بما يعني أن كل الديون الحكومية المباشرة المترسبة خلال الفترة السابقة علي عام 2000 تقل كثيرا عن تلك المترسبة خلال الفترة من عام 2000 حتي عام 2005. وكان من الممكن تفهم هذه الديون الهائلة التي أضيفت علي كاهل الدولة لو أنه قد تم إنشاء مشروعات منتاجة بها يمكن من خلالها سداد هذه الديون وفوائدها، لكن شيئا من هذا لم يحدث، وكل ما في الأمر أن الحكومة التي قادت الاقتصاد إلي حالة من التباطؤ والركود في بعض الأحيان لم تتمكن من تمويل الإنفاق العام من عائد النشاط الاقتصادي الجاري، وبالتالي لجأت إلي التوسع في تصدير الموارد الناضبة مثل النفط والغاز وإلي الإفراط في الاقتراض المحلي الذي تجاوز كل حدود الأمان وأصبح قنبلة موقوته بالفعل، وهو يهدد بانفلات التضخم مرة أخري، ويحتاج بالتالي إلي وقفة صارمة للسيطرة علي عجز الموازنة العامة للدولة الذي ينتج عنه الاستدانة المحلية الجامحة والتي لم تحقق الحكومة أي إنجاز اقتصادي يبررها.
وفي مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2004/2005، بلغ الإنفاق المقدر نحو 177.4 مليار جنيه، وتبلغ الإيرادات المقدرة نحو 125.1 مليار جنيه، ويبلغ العجز المقدر نحو 52.3 مليار جنيه، بما يوازي نحو 10.5% من الناتج المحلي الإجمالي المقدر للعام المالي المذكور والذي قدرته الحكومة بنحو 497 مليار جنيه. والحقيقة أن هذا المستوي المروع من عجز الموازنة العامة للدولة، يتم التعامل معه من وزارة المالية والحكومة عامة والرئيس مبارك، بتساهل غريب وهو استمرار لمنهج المضي في طريق زيادة عجز الموازنة العامة للدولة بشكل سريع، حيث ارتفع عجز الموازنة العامة للدولة، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، من 2.9% في العام المالي 1998/1999، إلي 3.9% في العام المالي 1999/2000، ليرتفع مجددا إلي 5.6% في العام المالي 2000/2001، ثم إلي 5.8% في العام المالي 2001/2002، قبل أن يرتفع إلي 6.3% في العام المالي 2002/2003، ثم بلغ نحو 9.4% في العام المالي 2003/2004، أي أن هناك ارتفاع متواصل في عجز الموازنة العامة للدولة كقيمة وكنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وعندما تصل نسبة العجز إلي الناتج المحلي الإجمالي إلي المستويات المتحققة في الأعوام الماضية والمقدرة في العام المالي الأخير، فإن ذلك يهدد الاستقرار الاقتصادي في مصر، ويهدد بانفجار التضخم الذي بدأ في الخروج عن السيطرة في الواقع وليس في البيانات غير الدقيقة التي تصدرها الحكومة وأجهزتها.
والأمر الذي يجعل المستوي الراهن لعجز الموازنة العامة للدولة، كارثة حقيقية، هو أن الإنفاق العام لم يكرس لتحقيق التنمية الحقيقية من خلال تحقيق إضافات كبيرة للجهاز الإنتاجي الصناعي بالذات، بما يلبي الاحتياجات الاجتماعية، ويساعد علي خلق فرص العمل الدائمة، ويساهم في مكافحة البطالة المنتشرة في مصر، ويساعد علي اختراق مجالات تكنولوجية جديدة بصورة تساهم في تحديث الاقتصاد المصري، ويكافح الفقر ويحقق درجة مقبولة من العدالة الاجتماعية ومن ضمان حد أدني من حياة كريمة للفقراء، بل إن هذا الإنفاق العام هو إنفاق أسمنتي بالأساس أي مكرس للبنية الأساسية، رغم أن مستوي البنية الأساسية في مصر يعتبر أكثر من ملائم لمستوي الدخل والنشاط الاقتصادي فيها، والمشكلة في هذه البنية الأساسية، تكمن في أن قسما كبيرا منها غير مطابق للمواصفات، وتسلمته الحكومة وأجهزتها من المقاولين الذين حصلوا علي عقود بناء المشروعات العامة بهذا المستوي الذي يؤكد وجود فساد في عملية تسلم المشروعات العامة. كما أن الإنفاق علي قمع الشعب المصري وشل حيويته السياسية من خلال قوات الأمن المركزي وقوات مكافحة الشغب وأمن السجون المكتظة بالمعتقلين بلا مبرر، يقتطع بدوره قسما مهما من الإنفاق العام.
وبغض النظر عن الفساد المستشري في مصر عموما، فإن الإنفاق العام يجب أن يتحول بشكل جوهري ليركز علي إقامة المشروعات الصناعية لإنتاج السلع التي تحتاجها السوق المصرية علي الأقل ولخلق فرص العمل وتحديث الاقتصاد، دون الخضوع لأي ابتزاز أيديولوجي رأسمالي متطرف يذهب إلي ضرورة تقليص أو إنهاء الدور الاقتصادي المباشر للدولة. وحتي لو وجدت الدولة أن هذا التوجيه المقترح للإنفاق العام يتناقض مع نظام الاقتصاد الحر الذي تتبعه، فإنها يمكن أن تقوم ببيع المصانع والمشروعات التي تبنيها، لكن هذا البيع أو الخصخصة لا يمكن أن يتم بشكل نزيه إلا في وجود نظام ديموقراطي كامل ويملك الآليات القادرة علي منع الفساد وكشفه ومكافحته ومعاقبة المسئولين عنه إذا حدث. وهذا النظام الديموقراطي الكامل يتطلب تغيير أسس النظام السياسي المصري وهياكله الأساسية ووضع أسس دستورية وقانونية لتداول السلطة عبر تحديد مدة حكم أي رئيس بفترتين رئاسيتين لا يحق له الترشيح للمنصب بعدهما، مع انتخابه بشكل حر مباشر وتغيير المادة 76 المخالفة للدستور والتي تم إقرارها من خلال استفتاء مزور ارتكبت خلاله السلطة التنفيذية وقوات الأمن أقصي التجاوزات والانتهاكات لحقوق وحريات المواطنين في مصر. كما أن بناء هذا النظام الديموقراطي يتطلب إطلاق حرية إصدار الصحف، وحرية تكوين الأحزاب وإزالة ترسانة القوانين المقيدة للحريات، وتحقيق التوازن بين السلطات بدلا من الوضع الراهن الذي تتمتع فيه السلطة التنفيذية وبالتحديد رئيس الجمهورية بسلطات متحكمة ومهيمنة وقاهرة علي السلطتين التشريعية والقضائية. كما أنه يتطلب فصل أجهزة الدولة عن الحكومة، وفصل الدين عن الدولة ومنع قيام أي أحزاب علي أساس ديني، كضرورة حيوية في بلد مزدوج الديانة مثل مصر، بدلا من سباق المتاجرة بالدين بين الدولة والمجموعات الدينية-السياسية، وسباق المتاجرة وملكية مفاتيح الدين الواحد، بين المجموعات الدينية-السياسية وبعضها البعض، بصورة تنزل بالدين إلي مستوي المنازلات السياسية المتدنية بين مستخدميه سياسيا، وتهدد وحدة الكيان الاجتماعي للأمة. كذلك فإن النظام الديموقراطي الحقيقي لابد وأن يضمن حماية الإبداعات العلمية والفلسفية والفنية والأدبية من أي تدخل للسلطات الدينية وإخضاعها فقط لسلطة الدستور والقانون الذي تختاره الأمة ليساعدها علي فتح آفاق التقدم وعلي أساس العناصر الإيجابية في تراثنا الحضاري، بما فيه الدين بالطبع، والعناصر الإيجابية المشتركة مع الإنسانية بأسرها. كما أن النظام الديموقراطي الحقيقي لابد وأن يضمن معاملة كل المواطنين من الرئيس إلي أصغر عامل أو فلاح أجير، علي قدم المساواة أمام القانون واحترام حرياتهم وحقوقهم الإنسانية علي غرار ما يحدث في أعرق البلدان الديموقراطية.
وإذا نظرنا إلي الإيرادات العامة للدولة، سنجد أن الإيرادات السيادية تأتي من الضرائب المفروضة علي المواطنين عامة وعلي الطبقة الوسطي من العاملين براتب أو أجر، حيث تكون الأوعية الضريبية واضحة مما يسهل اقتطاع الضرائب منها، وتبلغ الضرائب علي الدخول والأرباح ورسوم الدمغة نحو 35.3 مليار جنيه بنسبة 28.2% من إجمالي الإيرادات المقدرة في موازنة عام 2004/2005، أما الضرائب علي المبيعات فإنها مقدرة بنحو 24.5 مليار جنيه، كما أن الضرائب والرسوم الجمركية مقدرة بنحو 15.6 مليار جنيه. أما الرأسماليين فإنهم يتهربون من دفع الضرائب من خلال العديد من الحيل المحاسبية التي يساعدهم عليها مكاتب المحاسبة الرئيسية، وانتشار الفساد بين موظفي الحكومة. وقد بلغ حجم التهرب الضريبي لرجال الأعمال، وبالتحديد كبارهم، أكثر من 17 مليار جنيه في العام المالي 2001/2002، وفقا للتقديرات الرسمية نفسها.
أما الحلول التي طرحتها الحكومة لمواجهة عجز الموازنة العامة للدولة، فقد تركزت علي الاستدانة المحلية والخارجية بما جعل الديون المحلية تتجاوز كل حدود الأمان كما أشرنا آنفا. وبدلا من أن تعترف الحكومة بذلك وتعمل علي مواجهة المشكلة، فإنها دخلت في مراوغات وتحايل فج لإظهار قيمة الديون العامة المحلية أقل كثيرا من قيمتها الحقيقية من خلال التركيز علي الدين الحكومي فقط، وكأن ديون الهيئات الاقتصادية وبنك الاستثمار القومي هي ديون مستحقة علي كوكب المريخ وليس علي الدولة المصرية. وهذه المحاولة لإظهار الديون العامة المحلية أقل من قيمتها، تستهدف التغطية علي الفشل الحكومي، الذي أدي إلي التزايد السريع لإجمالي الدين العام المحلي (الدين الحكومي وديون الهيئات الاقتصادية وبنك الاستثمار القومي) في مصر بنسبة 18.4%، 13.4%، 12.4%، 17.4% في الأعوام المالية 2000/2001، 2001/2002، 2002/2003، 2003/2004 علي التوالي، بما جعل هذا الدين يرتفع كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، من 72.2% في العام المالي 1999/2000، إلي نحو 81.1% في العام المالي 2000/2001، ثم إلي نحو 86.4% عام 2001/2002، ثم إلي نحو 90.6% في العام المالي 2002/2003، ثم إلي 91.7% في العام المالي 2003/2004، قبل أن يبلغ نحو 94.8% من الناتج المحلي الإجمالي في مارس 2005، وهو مستوي خطير يهدد الاستقرار الاقتصادي بالفعل، بالذات بالنسبة لدولة نامية مثل مصر، ومن المرجح أن يؤدي إلي إعادة معدلات التضخم في مصر إلي مستوياتها التي كانت سائدة قبل برنامج التثبيت الذي بدأت مصر في تنفيذه بالتعاون مع صندوق النقد الدولي في عام 1991، وتمكنت من خلاله من إنهاء حالة التضخم والحمي في الاقتصاد المصري.
والغريب أن الحكومة التي أدركت أن الدين المحلي قد تجاوز الحدود الآمنة، لم تحاول أن تعمل علي زيادة الإيرادات وبالذات من الضرائب علي الأثرياء من رجال الأعمال الذين لا يدفعون ضرائب في العادة، بل إنها أكدت أنها ستقترض بدون فائدة من حساب الحكومة المجمد لدي البنك المركزي والبالغ نحو 80 مليار جنيه حسب التصريحات الرسمية، وهو حساب غير مملوك للدولة، وإنما هو عبارة عن أقساط الديون المسددة في مواعيدها من قبل جهات محلية، والذي سمح اتفاق صندوق النقد الدولي مع مصر، للحكومة المصرية بالاحتفاظ به لحين حلول أجل سداده الجديد بعد جدولة مصر لديونها مع الدول والمؤسسات المالية الدائنة لها. وتجميد هذا الحساب يستهدف تخفيف الضغوط التضخمية، أما إذا اقترضته الدولة وفكت تجميده فإنها ستشعل التضخم الذي اشتعل فعليا منذ عامين تقريبا بصورة غير مواتية لمتطلبات تحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي وإنعاش الاستثمارات المحلية وجذب الاستثمارات الأجنبية..
ومن ناحية أخري أشارت الحكومة إلي أنها ستبادل جزء من الدين العام المحلي، ببعض الممتلكات الحكومية التي تدر عوائد قادرة علي سداد ديونها، وبما أنها تدر عوائد، فهي بالتأكيد جزء مما تبقي من القطاع العام وربما المشروعات التابعة للهيئات الاقتصادية. وهذه الوسيلة مخالفة لكل الأعراف الاقتصادية لأنها تعني بيع الأصول الرأسمالية من أجل تمويل إنفاق جار. وهذه الممتلكات أسست في عهد حكومات وأجيال سابقة، وليس من المنطقي أن تبيعها الحكومة في الوقت الحالي لتمويل إنفاقها الجاري في استنزاف صريح لما بنته الحكومات والأجيال السابقة.
وقد فتحت هذه الطريقة، المجال أمام المسئولين الحكوميين ليفكروا في بيع كل شيء بنته الحكومات والأجيال السابقة مثل الإعلان عن حصر الأراضي القابلة للبيع، وإعلان وزير الزراعة السابق عن بيع 40% من بحيرة ناصر، وإصرار محافظة أسوان علي بيع البحيرة بالكامل!

سادسا: عصر انهيار الجنيه
شهد عصر مبارك تدهورا مستمرا لسعر صرف الجنيه المصري، كامتداد للتراجع الذي لحق به في عهد السادات. ولابد من التأكيد علي أن سعر صرف أي عملة ليس هدفا في حد ذاته، لكنه وسيلة أو آلية لتحقيق أهداف اقتصادية أخري تتعلق بإنعاش الاقتصاد وزيادة جاذبيته لرؤوس الأموال والسياح من مختلف بلدان العالم، وزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد وصادراته السلعية والخدمية وتحقيق التوازن في المعاملات الخارجية وضمان شروط عادلة لهذه المعاملات الخارجية في مجملها. ورغم أنه يتم الحكم علي سعر الصرف انطلاقا من تحقيقه لهذه الأهداف أو فشله في ذلك، إلا أن التراجع المستمر لأي عملة يعكس خللا كبيرا في الاقتصاد وبالذات في معاملاته الخارجية.
وفي عام 1982 في بداية حكم الرئيس مبارك كان الجنيه المصري يساوي 1.429 دولار أمريكي، أما الآن فإنه يساوي نحو 0.1724 دولار أمريكي، وهذا يعني أن الجنيه المصري قد فقد نحو 87.9% من قيمته مقابل الدولار خلال عصر مبارك. وبالمقابل ارتفع الدولار من نحو 0.69999 جنيه عام 1982 إلي نحو 5.8 جنيه في الوقت الراهن، بنسبة زيادة قدرها 729% تقريبا في عام 2005 بالمقارنة مع عام 1982.
ومن المفترض أن يؤدي التراجع السريع لسعر صرف الجنيه المصري في عصر مبارك إلي تقليص الواردات التي سيرتفع سعرها مقوما بالجنيه المصري مما يقلل قدرتها التنافسية، لكن هذا التقليص للواردات مرتبط بقدرة الفئات المستهلكة لها في مصر علي الاستغناء عنها أو التحول إلي بدائل محلية لها، ومرتبط أيضا بثبات أسعار السلع المحلية البديلة كشرط أساسي لتقليل القدرة التنافسية للواردات في السوق المحلية، وهو ما تبدد جانب مهم منه بعد أن قام غالبية المنتجين المحليين، برفع أسعار منتجاتهم بنسب متفاوتة سواء كانت هذه المنتجات تتضمن مكونا أجنبيا أو كانت منتجا محليا خالصا.
ومن المفترض أيضا أن يؤدي تراجع سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار والعملات الحرة الرئيسية إلي زيادة الصادرات، لكن هذا مرتبط بأن يكون لدي مصر إنتاج سلعي قابل للتصدير وقادر علي المنافسة من زاوية الجودة والمواصفات، وأن تستمر أسعاره بالجنيه المصري ثابتة أو شبه ثابتة كما كان الوضع قبل انخفاض سعر صرف الجنيه المصري، حتي ينخفض السعر بالدولار والعملات الحرة الأخري بما يعطيه ميزة سعرية وقدرة عالية علي المنافسة السعرية مع المنتجات المناظرة التي تتدفق علي الأسواق الدولية من بلدان أخري. كما أن تزايد الصادرات المصرية بعد خفض سعر صرف الجنيه المصري مقابل العملات الحرة الرئيسية يرتبط بوجود طلب خارجي علي هذه الصادرات.
ورغم أن انخفاض سعر صرف الجنيه مقابل الدولار في عصر مبارك، يعني زيادة جاذبية مصر للمستثمرين والسياح الأجانب لأن قدرتهم الشرائية فيها ترتفع بقوة بعد هذا الانخفاض، إلا أن تحقيق زيادة في الاستثمارات الأجنبية يتطلب أمورا أخري قد تكون أكثر أهمية بكثير من تغيير سعر الصرف، مثل تحسين مستوي الشفافية ومكافحة الفساد المستشري، والقضاء علي التعقيدات البيروقراطية وضبط المواصفات ومنع التهريب وحماية حقوق الملكية الفكرية في السوق المصرية. لذلك فإن الجنيه تراجع وتراجعت الاستثمارات الأجنبية التي تتدفق لمصر أيضا كما أشرنا في موضع سابق.
أما الأثر المؤكد لتراجع سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار والعملات الحرة الرئيسية في الفترة الأخيرة فهو رفع أسعار كل السلع المستوردة التي تشمل سلعا أساسية مثل القمح ودقيقه والسكر والزيت. وعلي سبيل المثال فإنه إذا كانت قيمة الواردات السلعية المصرية قد بلغت نحو 18286.3 مليون دولار في العام المالي 2003/2004، بما شكل نحو 24% من الناتج المحلي الإجمالي في العام المذكور، فإن ارتفاع أسعار هذه الواردات عند تقويمها بالجنيه بنسبة تصل إلي نحو 33% في المتوسط، يعني إحداث تضخم يبلغ 8.3% في مصر، وإذا أضفنا إلي ذلك ما حدث من ارتفاعات في أسعار السلع والخدمات المنتجة محليا، في أعقاب ارتفاع أسعار الواردات، فإن معدل التضخم في مصر يمكن أن يكون قد ارتفع كثيرا خلال العام المالي 2003/2004 ليتجاوز مستوي 15% علي الأقل، بكل ما يعنيه ذلك من معاناة إضافية للفقراء والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطي.
ومن ناحية أخري فإن تراجع سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار والعملات الحرة الأخري أدي إلي فقدان مدخرات الطبقة الوسطي التي تمتلك الغالبية الساحقة من المدخرات في الجهاز المصرفي، لجزء مهم من قدرتها الشرائية وأدي إلي تراجع المدخرات عموما والاتجاه إلي الادخار بالعملات الحرة بدلا من الجنيه ورفع معدل الدولرة في الاقتصاد المصري بما أثر سلبيا علي سعر صرف الجنيه المصري بصورة أعمق وأطول أجلا.
وللعلم فإن ودائع القطاع العائلي التي تصنف إجمالا علي أنها ودائع الطبقة الوسطي، بلغت نحو 329.2 مليار جنيه في أبريل من عام 2005، بما شكل نحو 64.4% من إجمالي الودائع بالعملة المحلية في الجهاز المصرفي، مقابل 14.5% للقطاع الخاص أو الرأسمالية التقليدية، ونحو 21.1% للحكومة وقطاعها العام.
ويمكن القول إجمالا أن الوضع فيما يتعلق بسوق وسعر الصرف في مصر، هو تعبير مكثف عن حالة الأزمة الاقتصادية الممتدة في مصر في عصر مبارك، وعن ضعف القدرة التنافسية للاقتصاد المصري وبالتالي العجز الكبير في ميزانه التجاري، وتعبير أيضا عن ضخامة حجم تحويلات النقد الأجنبي للخارج والمرتبطة بالفساد وبنشاطات الاقتصاد الأسود بكل جوانبه من تمويل عمليات التهريب السلعي التي هي في النهاية واردات سلعية، وتمويل استيراد المخدرات والسلاح، وكذلك تحويل الأموال الناتجة عن الفساد وعن نشاطات الاقتصاد الأسود إلي دولارات أو عملات حرة حتي يمكن تهريبها للخارج. أما المخرج من هذا الوضع فهو مرتبط بمعالجة كل هذه الظروف مجتمعة وعلي رأسها عجز الموازين الخارجية، وإنهاء ارتباط الجنيه المصري بالدولار، وربطه بسلة من العملات الحرة الرئيسية أو بوحدة حقوق السحب الخاصة تفاديا لاضطرابه مقابل العملات الحرة الرئيسية بشكل تابع تماما للدولار دون أن يكون هناك أي مبررات اقتصادية لذلك، وكل ذلك في إطار سياسة اقتصادية أكثر كفاءة وفعالية ترتقي للتفاعل الإيجابي مع الظروف الاقتصادية المحلية والدولية التي تعيش مصر في وسطها في هذه المرحلة المفعمة بالفرص والمخاطر.

سابعا: تزوير البيانات في عهد مبارك..
بالرغم من أن تزوير البيانات المعبرة عن أداء الاقتصاد لإظهار الأداء الحكومي في وضع أفضل كثيرا مما هو حادث في الواقع فعلا هو عادة رديئة للحكومات المصرية المتعاقبة منذ ثلاثة عقود، إلا أن تزوير البيانات في عهد مبارك وصل لمستويات بالغة الفجاجة، فضلا عن أن حالة العشوائية السائدة في الدولة المصرية في السنوات الأخيرة، تكفلت بأن يكون لدينا عدة بيانات رسمية شديدة التناقض فيما بينها مما يفقدها جميعا مصداقيتها، ويفقد حكومات مبارك المتعاقبة مصداقيتها التي وصلت للحضيض منذ حكومة عاطف عبيد وحتي الآن بصفة خاصة.
وهناك تناقض موضوعي فظ بين معدلات النمو التي تعلن الحكومة أنها تحققت في مصر وبين المعدلات الشديدة التدني للاستثمار والتي أشرنا إليها في موضع سابق والتي لا يمكن أن تسمح بتحقيق معدلات النمو التي تتحدث عنها الحكومة. كما أن التخفيض المتعمد من قبل الحكومة لمعدلات التضخم عن مستواها الحقيقي يجعلها تبالغ في معدلات النمو الحقيقية لأنها ببساطة تخصم معدلات تضخم تقل عن المعدلات الحقيقية من معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية.
وتعتبر البيانات الخاصة بالصادرات والميزان التجاري والاحتياطيات الدولية من العملات الحرة هي أكثر البيانات تعرضا للتزوير الفج في الوقت الراهن. وعلي سبيل المثال استمرت الجهات الرسمية في إصدار بيانات متناقضة بشأن التجارة الخارجية والميزان التجاري، وبالتالي ميزان الحساب الجاري وميزان المدفوعات الكلي. ووفقا لبيانات البنك المركزي، ارتفعت قيمة الصادرات السلعية المصرية إلي 8987.1 مليون دولار عام 2003، في حين تشير بيانات النشرة الاقتصادية للبنك الأهلي والمأخوذة من بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلي أن قيمة الصادرات السلعية المصرية في العام المذكور قد بلغت نحو 36811.9 مليون جنيه مصري، أي نحو 6186.9 مليون دولار طبقا لسعر صرف الجنيه مقابل الدولار في العام المذكور. أي ان هناك فارقاً يبلغ نحو 2800 مليون دولار بين بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وبين بيانات البنك المركزي المعتمدة علي بيانات وزارة التجارة!!
ويبدو أن الخلل في هذه البيانات يتعلق بصادرات مصر من النفط وصادراتها للولايات المتحدة الأمريكية. فوفقا للبنك المركزي المصري، بلغت قيمة صادرات مصر من النفط نحو 3545.6 مليون دولار عام 2003، في حين بلغت قيمة تلك الصادرات نحو 2453.9 مليون دولار وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والمنشورة في النشرة الاقتصادية للبنك الأهلي. أي أن الفارق بين الرقمين يبلغ نحو 1091.7 مليون دولار، فأيهما نصدق: البنك المركزي أم الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء؟!
وبالنسبة للصادرات المصرية للولايات المتحدة، فإن بيانات البنك المركزي تشير إلي أن قيمتها بلغت نحو 3233.2 مليون دولار عام 2003، بينما تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والمنشورة في النشرة الاقتصادية للبنك الأهلي المصري، إلي أن قيمتها بلغت نحو 523.1 مليون دولار في العام المذكور. أي أن الفارق بين الرقمين بلغ 2710.1 مليون دولار!!
أما البيانات الدولية المتوفرة لدي صندوق النقد الدولي والمقدمة من الحكومة المصرية فتشير إلي أن قيمة الصادرات المصرية للولايات المتحدة قد بلغت نحو 1108 ملايين دولار عام 2003، في حين تشير البيانات الأمريكية المتوفرة لدي صندوق النقد الدولي إلي أن قيمة الصادرات المصرية للولايات المتحدة قد بلغت نحو 1219 مليون دولار في عام 2003.
وفي كل الأحوال فإن البيانات التي ينشرها البنك المركزي عن الصادرات السلعية المصرية للولايات المتحدة هي بيانات مزيفة ولا علاقة لها بالواقع. ومن المرجح أن مصدر هذا التزوير هو أن الحكومة تعتبر أن حصة الشريك الأجنبي في الإنتاج النفطي المصري والذي تقوم الشركات الأجنبية بتصديره إلي الولايات المتحدة، هو صادرات مصرية، وهو عبث لا علاقة له بالحقيقة.
ونظرا لأن البيانات الخاصة بالصادرات السلعية المصرية تشكل مكونا رئيسيا في بيانات الميزان التجاري وميزان الحساب الجاري وميزان المدفوعات الكلي، فإن كل هذه البيانات التي تعد الصادرات السلعية مكونا رئيسيا فيها تنطوي علي تضارب بين المصدرين الرسميين اللذين أشرنا إليهما.
وإضافة إلي التزوير الذي يكشفه تضارب البيانات الرسمية بشأن الصادرات والموازين الخارجية لمصر، فإن هناك تضاربا مماثلا في البيانات الخاصة بالبطالة يمكن متابعته في الفصل الخاص بالبطالة في هذا الكتاب.
والحقيقة أن هذا التضارب يفقد البيانات الرسمية المصرية مصداقيتها، ويفرض ضرورة مراجعة هذه القضية بشكل حاسم لإنهاء التضارب في البيانات الرسمية ولتوحيد البيانات الرسمية التي ينبغي أن تصدر عن جهة واحدة وأن تكون بيانات حقيقية تماما لا تهدف إلي تجميل الأداء الاقتصادي الحكومي، لأن الحقيقة وحدها هي التي تمكن الدولة والمجتمع والنخبة العلمية من بحث القضايا الاقتصادية بناء علي بيانات صحيحة للوصول إلي حلول لهذه القضايا.
وكل ما سبق يفرض علي كل عاقل ذي ضمير وطني حي أن يرفض استمرار مصر رهينة لمدة ستة أعوام اخري لمبارك وحزبه الوطني بعد الأداء الاقتصادي السيئ للغاية الذي أنتج الفقر والكساد والبطالة وانهيار المكانة الاقتصادية لمصر. إن مستقبل مصر في حاجة إلي الانعتاق من أسر هذا المرشح وحزبه اللذين يصران بكل الوسائل علي إبقاء مصر رهينة لنظام القهر والقمع والظلم الاقتصادي الاجتماعي المروع. وهذا الانعتاق هو مهمة شعبنا العظيم وقواه الحية المسلحة بالحقائق والعلم والمدفوعة بعشق هذا الوطن الجميل وبالرغبة المشروعة في صياغة مسار ومصير يليق بمصر وشعبها.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة