يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1244 (7 - 14) سبتمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

المستشار أحمد مكي نائب رئيس نادي القضاة:

 
 

لجنة الانتخابات الرئاسية تملك اختصاصات امبراطورية

 
 

أحمد مكي

 

 
يقتصر الهدف من هذه الدراسة علي إلقاء أضواء أولية علي الإشراف القضائي في الاتخابات الرئاسية وفقا للقانون 174 لسنة 2005، فلن نعرض لتشكيل لجنة الانتخابات الرئاسية، لأن محل ذلك نص المادة 76 من الدستور.. ولا لشروط الترشيح للرئاسة.. ولا الجرائم الانتخابية أو غيرها حتي لو اتصلت بموضوع الدراسة.. وإنما سينحصر الجهد في محاولة تفسير المادة 30 وما بعدها حتي المادة 39.
والأصل في تفسير النصوص أن يلتزم الدارس المعني الظاهر لعبارة النص، فلا يخرج عنه لتأويله، ولا يضيف إليه حكما لم يرد فيه.. لأن الأصل هو تطابق الإرادة الظاهرة مع الإرادة الباطنة.. وألا يبحث الناس في نوايا غيرهم وما تخفيه صدورهم، ولكن من سوء حظ البشرية.. أن يكثر بين الناس من يقولون ما لا يفعلون.. ويظهرون خلاف ما يبطنون، وأن نصبح شيعا.. متناحرة لا متحاورة.

فسطاطان
تكفي مطالعة عابرة لمضابط مجلسي الشعب والشوري، أثناء مناقشة تعديل نص المادة 76 من الدستور أو قانون تنظيم الانتخابات الرئاسية، لنكتشف أن مجلس الشعب قد انقسم إلي فرقتين متخاصمتين يسود بينهما الجدال والمراء.. أقلية نشطة تقول إن معني الإصلاح هو إزالة الفساد.. وأن هذا يقتضي تغيير الكثير مما هو واقع وقائم.. وأن سبيلها في ذلك إشراك قضاة الدوائر في كل عمل.. وأن تحاط عملية التصويت بعشرات الضوابط والقيود.. ولو بلغت حد الشطط، فهي تردد «إن كل الانتخابات والاستفتاءات السابقة مزورة».. تستفز الأغلبية، وتعلن كل لحظة أنها فاقدة الثقة في وعودها.
وعلي الجانب الآخر، أغلبية ساحقة العدد، مسحوقة الإرادة، ترفع شعار الإصلاح، وتتمسك بما هو قائم.. فتنادي بالتغيير في حين أنها راغبة في الاستمرار، تدافع عن كل الانتخابات السابقة.. ثم تقول إن القادمة ستكون غير كل الانتخابات السابقة، فبات ما ينبعث عنها محض ضجيج، يصك سمعك لحن القول، ليس فقط عند مناقشة شروط الترشيح للرئاسة - من وحدة الجنسية، وأداء الخدمة العسكرية، وتقديم إقرار الذمة المالية - إنما في كل المواد.. ولم تجد الأغلبية مناصا.. من أن تردد أن الحكومة وعدت بإصلاح وتغيير وبانتخابات رئاسية نزيهة.. تخضع للإشراف الكامل للقضاء.. وتديرها لجنة من أساطين القضاة والشخصيات العامة ذات القدر.. وأسفرت هذه المعركة الشرسة عن صدور هذا القانون الذي يميزه أمران غريبان:
أولهما: تخلي مجلس الشعب بالكامل عن واجبه في وضع قواعد قانونية لتنظيم انتخابات الرئاسة التي اتخذها عنوانا له.. ولا للإشراف القضائي الموعود به.
والثاني: إنشاء لجنة أسطورية للانتخابات الرئاسية، ذات اختصاصات إمبراطورية، فهي التي ستضع القواعد التي تخلي مجلس الشعب عن وضعها.. وهي التي ستتولي تنفيذ هذه القواعد، من خلال لجان ستقوم بإنشائها، وهي التي ستفصل في المنازعات التي ستنشأ عن هذه القواعد بأحكام وقرارات لا تقبل الطعن أو التأويل أو وقف التنفيذ.. وهي وحدها المختصة بتحديد نطاق اختصاصها.. وهي سلطات تشريعية وقضائية وتنفيذية.. لم يسبق أن اجتمعت في يد بشر إلا الطواغيت.. وحاشا لله أن تكون هذه اللجنة منهم.

لجان بلا أسماء
إذا استثنينا القيود والضوابط التي فرضها نص المادة 76 من الدستور، فلا نكاد نجد نصا واحدا ينظم انتخابات الرئاسة التي صدر القانون لتنظيمها.. فميعاد الترشيح تحدده اللجنة.. وهي التي تحدد البيانات اللازمة لترشيحات الأحزاب، وهي التي تبين إجراءات الترشيح.. والبيانات اللازم تقديمها.. وإجراءات الطعن وإخطار المتنافسين.. وهي التي تضع قواعد الدعاية الانتخابية.
ولما كان موضوع هذه الدراسة هو الإشراف القضائي، فقد نصت المادة 30 علي أن اللجنة تنشيء لجانا لا اسم لها.. ولا بيان لعددها.. ولا لعدد أعضائها لتتولي مراحل العملية الانتخابية والفرز.. ولجانا أخري للإشراف تسمي «اللجان العامة»، لم يبين عددها، ولا عدد أعضائها، ولا كيفية ممارستها لعملها، وإنما قال إنه ستشرف وفقا للقواعد والإجراءات التي تحددها اللجنة.. وأنها هي التي ستحدد عددها ومقارها ونظام عملها، ولجان ثالثة اسمها «لجان الاقتراع».. ونصت المادة 33 علي أن للناخب أن يدلي بصوته في غير موطنه ثم قالت: «وتضع لجنة الانتخابات الرئاسية القواعد والإجراءات التي تتبع في هذا الشأن».
أما نص المادة 34 فكله ما يلي «تفرز الأصوات طبقا للقواعد التي تحددها اللجنة الرئاسية» ونص المادة 35 فكله ما يلي «مع مراعاة أحكام المواد السابقة تتولي لجنة الانتخابات الرئاسية وضع سائر قواعد وإجراءات سير مراحل العملية الانتخابية والفرز، بما في ذلك كيفية إدلاء الناخب بصوته ونظام عمل اللجان التي تشكلها»!.
وتنص المادة 36 علي أنه «تضع اللجنة القواعد والإجراءات التي تتبع في نظر الطعون علي قرارات اللجان العامة والفصل فيها» وهكذا يمكن القول.. أنه رغم أن المشرع قد نص علي مبدأ الإشراف القضائي علي الانتخابات الرئاسية.. إلا أنه تحاشي أن يورد أي نص يتضمن أوامر المشرع أو نواهيه في هذا الخصوص، وأوكل الأمر كله إلي لجنة الانتخابات الرئاسية.

التخلي عن الواجب
حين عرض قانون تنظيم الانتخابات الرئاسية.. بعد إقراره من مجلس الشعب، كان يتضمن ما نصت عليه المادتان 54 و55 من عقاب بالحبس المطول.. والغرامة الباهظة علي كل من يخالف أي قرار سوف تصدره لجنة الانتخابات الرئاسية.. أو يرتكب فعلا ما بقصد تعطيل أو وقف أحد قراراتها - لم تصدر هذه القرارات بعد - وهذا إسراف بشع في تخلي المشرع عن واجباته.. قالت عنه المحكمة الدستورية في قرارها الصادر بتاريخ 26/5/2005 ما نصه: «النصان المتقدمان يعاقبان علي أفعال غير محددة تحديدا دقيقا، ذلك أن اللجنة تصدر قرارات عدة بالتطبيق لأحكام المشروع المعروض، ومنها ما لا يستوجب عقوبة جنائية عند مخالفتها، كما أنها تتفاوت فيما بينها من حيث الأهمية، مما يستلزم تفاوتا عقابيا عند مخالفتها، ثم تقول إن الدستور يستوجب أن تتضمن نصوص القوانين قدرا من التحديد تزداد الحاجة إليه في القوانين الجزائية، لأنها تفرض علي الحرية الشخصية أخطر القيود وأبلغها أثرا، ويتعين بالتالي ضمانا لهذه الحرية أن تكون الأفعال التي تؤثمها هذه القوانين محددة بصورة قاطعة بما يحول دون التباسها بغيرها، وأن تكون تلك النصوص جلية واضحة في بيان الحدود الضيقة لنواهيها.. ذلك أن التجهيل بها أو إبهامها في بعض جوانبها لا يجعل المخاطبين بها علي بينة من حقيقة الأفعال التي يتعين تجنبها».
وخلصت المحكمة في ذلك إلي عدم دستورية هذين النصين ولا شك أن من واجب المشرع أن يحدد الحقوق ويحميها بنصوص واضحة وحاسمة ومحددة.. ولو لم تكن النصوص جنائية.
الاستنساخ!
حين أرسل السيد رئيس الجمهورية إلي مجلس الشعب طلبه بتعديل نص المادة 76 من الدستور بتاريخ 26/2/2005 جاء فيه ما نصه:
«ويطيب لي أن أضع أمام نواب الشعب بعض المبادئ الأساسية التي أراها كفيلة بتحقيق الغرض من التعديل.. أولا انتخاب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع السري العام المباشر من جميع أفراد الشعب الذين لهم حق الانتخاب..
سادسا: إجراء الاقتراع لانتخاب رئيس الجمهورية في يوم واحد.
سابعا: وضع الضمانات الكفيلة بتحقيق إشراف قضائي علي عملية الاقتراع».
وجاء في الطلب وعلي سبيل الإيضاح ما نصه:
«ورغبة في تحقيق الاستقرار وعدم إطالة المدة التي يجري فيها الاقتراع اقترحنا أن يجري الاقتراع لانتخاب رئيس الجمهورية في يوم واحد، علي أن توضع الضمانات الكفيلة بتحقيق إشراف قضائي علي عملية الاقتراع.
أي أن السيد الرئيس وإن عبر عن رغبته في إجراء الانتخابات في يوم واحد.. إلا أنه أكد علي أن الاستجابة لهذه الرغبة مشروطة بوضع الضمانات الكفيلة بتحقيق إشراف قضائي علي عملية الاقتراع».
ثم عُدلت المادة 76 من الدستور ليتضمن نصها ما يلي:
«ينتخب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع السري العام المباشر.. ويجري الاقتراع في يوم واحد، وتشكل لجنة الانتخابات الرئاسية اللجان التي تتولي مراحل العملية الانتخابية والفرز، علي أن تقوم بالإشراف عليها لجان عامة تشكلها اللجنة من أعضاء الهيئات القضائية، وذلك كله وفقا للقواعد والإجراءات التي تحددها اللجنة».

اصطلاح مطاط
وإذا كانت المادة 76 من الدستور هي ترديد لطلب السيد الرئيس، فإن قانون تنظيم الانتخابات الرئاسية يكاد يكون استنساخا لنص المادة 76 موزعا علي عدة مواد.. ونجتزيء من هذه النصوص:
نص المادة (30) التي تقول: «يجري الاقتراع في يوم واحد، تحت الإشراف العام للجنة الانتخابات الرئاسية، وتشكل اللجنة اللجان التي تتولي مراحل العملية الانتخابية والفرز، علي أن تقوم بالإشراف عليها لجان عامة تشكلها اللجنة من أعضاء الهيئات القضائية، وذلك كله وفقا للقواعد والإجراءات التي تحددها اللجنة.
وتتولي اللجنة تحديد عدد هذه اللجان ومقارها ونظام العمل فيها وذلك بالتنسيق مع الجهات المختصة.
وللجنة أن تعين احتياطيين من أعضاء الهيئات القضائية لرئاسة اللجان العامة عند اللزوم، ولها أن تعين أعضاء أصليين واحتياطيين من هذه الهيئات في المحافظات للإشراف علي الانتخابات وتولي رئاسة لجان الاقتراع».
وتدل عبارة النص.. علي أن هناك نوعين من الإشراف.. أحدهما عام تتولاه اللجنة العليا، وإشراف خاص.. أي حقيقي وفعلي بالمعني المتعارف عليه في القانون تتولاه اللجنة العامة، كما يفهم من النص أن اللجان المنتظر تشكيلها هي لجان عديدة.. منها لجان حدد مسماها ومهمتها بأنها لجان اقتراع ومنها لجان لم يحدد اسمها.. ولا مهمتها، عبر عنها النص بأنها اللجان التي تتولي مراحل العملية الانتخابية والفرز.. ومراحل العملية الانتخابية اصطلاح مطاط، قد يبدأ من إعداد أو فحص طلبات الترشيح، أو متابعة الدعاية الانتخابية، أو حتي توعية المواطنين بأهمية الانتخابات الرئاسية، والدعوة إلي المشاركة فيها، علي ما نصت المادة الثامنة من القانون، ويحسن إرجاء الحديث عن هذه اللجان إلي أن تبدأ اللجنة العليا في طرح تصوراتها عنها.
وفي النص إشارة إلي لجان عامة مشكلة بالكامل من أعضاء الهيئات القضائية، مهمتها الإشراف الفعلي والحقيقي.. علي عمل سائر اللجان، ترك النص للجنة العليا تحديد عددها ومقارها ونظام العمل فيها وإن أشار النص في فقرته الأخيرة.. إلي المحافظات.. وربما كان في ذهنه ما كان يسمي في الانتخابات النيابية ب «غرف العمليات»، ولا يهمنا في هذا المقام إلا الإشارة إلي أن مصطلح اللجان العامة الوارد في قانون الانتخابات الرئاسية، يقصد مدلولا مغايرا لمصطلح اللجان العامة الوارد بقانون مباشرة الحقوق السياسية، ذلك أن عدد اللجان العامة - في انتخابات مجلس الشعب مثلا - هو 222 لجنة عامة بمقدار عدد الدوائر الانتخابية المحددة بالقانون.. كما أن اللجان العامة في قانون مباشرة الحقوق السياسية، تبدأ عملها الحقيقي يوم الاقتراع ذاته.. لأنه لا صلة لها بالإشراف علي المراحل الانتخابية السابقة علي عملية الاقتراع.. في حين أن قانون انتخابات الرئاسة أسند إلي اللجان العامة مهمة الإشراف علي مراحل العملية الانتخابية كلها.. ولن تعرض هذه الدراسة إلي لجان الفرز.. لأن نص المادة (34) قد جري علي ما يلي: «تفرز الأصوات طبقا للقواعد التي تحددها اللجنة الرئاسية»، فيحسن النظر في أمرها في ضوء هذه القواعد.. ولكن محل الدراسة الحالية هي لجان الاقتراع لكي نعرف ما يوجبه الدستور والقانون بشأن تشكيلها واختصاصها والإشراف عليها.

بيان الشروط
وربما لفت نظر المطلع علي هذه الدراسة.. أننا لم نورد نص المادة 88 من الدستور التي تنص علي أن «يحدد القانون الشروط الواجب توافرها في أعضاء مجلس الشعب، ويبين أحكام الانتخاب والاستفتاء علي أن يتم الاقتراع تحت إشراف أعضاء من هيئة قضائية»، ولا شك أنه نص يحكم كل اقتراع في أي انتخابات، أو استفتاءات رغم وروده في الدستور في الفصل الخاص بالسلطة التشريعية، ذلك أن أحكام محكمة النقض والدستورية والإدارية قد استقرت علي أنه لا عبرة بالعنوان الوارد تحته النص، لأن العناوين لا تكون محلا لنقاش وأن العبرة بعموم النص لا خصوص السبب.. ونص المادة 88 قد تضمن حكمين أحدهما تكليف المشرع ببيان الشروط الواجب توافرها في عضو مجلس الشعب.. وحكم آخر مستقل تماما، هو تكليف المشرع بوضع القواعد التي يجب اتباعها في كل انتخاب، وفي أي استفتاء.. علي أن تكون عملية الاقتراع بالذات تحت إشراف عضو من هيئة قضائية.. وهو ما قالت به المحكمة الدستورية صراحة في حكمها الشهير سنة 2000، إلا أننا لم نشأ أن نتوقف عند هذا النص لأن نص المادة 76 من الدستور، وطلب تعديله، ونصوص قانون تنظيم إنتخابات الرئاسة قد اعادت ترديد حكمه على النحو السابق بيانه وما سيبين من شرحها
ليس الاقتراع أهم المراحل الانتخابية فحسب، بل إنه يكاد يكون جوهرها فصدر المادة 76 من الدستور والمادة الأولي من قانون تنظيم انتخابات الرئاسة يقولان: «ينتخب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع السري العام المباشر».
فانتخابات الرئيس التي قامت لها الدنيا، ولم تقعد حتي الآن في نظر البعض.. وطلب تعديل الدستور.. هي الاقتراع السري، وحيثما ورد نص في الدستور أو طلب تعديله، أو قانون تنظيم انتخابات الرئاسية، يتحدث عن إشراف قضائي علي مراحل العملية الانتخابية، فلازم ذلك بالضرورة الإشراف القضائي علي عملية الاقتراع التي هي جوهر العملية الانتخابية.
فما معني الإشراف؟ سبق للحكومة أن تمسكت بأن الإشراف يعني الاطلاع من علٍ.. ولا يعني الرقابة والسيطرة.. كما تمسكت بأن الإشراف يجب أن يكون بقدر الإمكان.. وتستقل الجهة القائمة عليه بتقدير توافره.
ولكن المحكمة الدستورية ردت علي كل ذلك فعرفت الاقتراع بأنه: «العملية التي تبدأ بإدلاء الناخب بصوته لاختيار من يمثله بدءا من تقديم بطاقته الانتخابية وما يثبت شخصيته إلي رئيس لجنة الانتخابات، مرورا بتسليمه بطاقة الاختيار، وانتهاء بإدلائه بصوته في سرية لاختيار أحد المرشحين، وإيداع هذه البطاقة صندوق الانتخاب».

الحكم القاطع
وقالت المحكمة الدستورية: «إن المقصود بالإشراف القضائي هو إمساك أعضاء الهيئات القضائية بزمام عملية الاقتراع، فلا تفلت من بين أيديهم، بل يهيمنون عليها برمتها، بحيث تتم خطواتها متقدمة الذكر تحت سمعهم وبصرهم».
إمساك الزمام.. وليس الاطلاع.. بل وحتي الرقابة والسيطرة بل إمساك الزمام.. وإمساك زمام ماذا.. عملية الاقتراع جميعا بدءا من قيد الناخب حتي إيداع بطاقة التصويت في الصندوق، وأن يتم كل ذلك تحت سمع القاضي وبصره، هذا هو معني الإشراف القضائي في حكم المحكمة الدستورية الملزم للكافة.. فهل هناك إمساك لزمام بقدر الإمكان؟؟.
وخلصت المحكمة الدستورية من ذلك إلي أنه لا يكفي تردد أعضاء الهيئات القضائية علي لجان الاقتراع - سواء أكانوا أعضاء في اللجنة العامة.. أم لجنة الإشراف القضائي المستحدثة بالقانون 13 لسنة 2000 - بل لابد من وجودهم الدائم والمسيطر أو الممسك بالزمام في لجان الاقتراع.
وقالت المحكمة الدستورية في ذلك أيضا: «لا محاجة في القول بتعذر رئاسة أعضاء الهيئات القضائية للجان الفرعية بعدم كفاية عددهم، ذلك أنه إذا تطلب الدستور أمرا فلا يجوز التذرع بالاعتبارات العملية لتعطيل حكمه بزعم استحالة تطبيقه».

مفهوم.. ومفهوم
لا جديد إذن في الجدل المثار اليوم، فقد سبق للحكومة أن قالت مفهومها للإشراف القضائي، وأفاضت في بيان مفهوم السلطة التقديرية للجهة القائمة علي تنظيم الانتخابات، وقلة عدد القضاة وقصور الإمكانات.. وقالت المحكمة الدستورية حكم القانون في هذا الأمر كله.
ومن حق الحكومة، بل ورئيس الجمهورية شخصيا أن يفخر بأنه خضع لحكم القضاء وأصدر القرار بقانون 167 لسنة 2000 فهل يعقل أن تمتهنه لجنة الانتخابات الرئاسية المشكلة من شيوخ القضاء وأساطين القانون!! فينسب إليها القول بأن الإشراف القضائي قد لا يعني إدارة الانتخابات والإمساك الكامل بزمامها، وإنما ربما نرتد إلي القول بأنه قد يكون بقدر الإمكان.

إنجاز المهمة
تعكس مناقشات أعضاء مجلس الشعب قلقا من النص في المادة 76 من الدستور، وفي المادة 30 من القانون، علي أن يجري الاقتراع في يوم واحد لأن هذا الميعاد قد يمثل قيدا علي حرية اللجنة، وقد يدفعها الحرص علي رعايته أن تفرط في موجبات الإشراف القضائي الذي يوجب إمساك القضاة بالزمام علي النحو السالف بيانه، في حين أن كل المشتغلين بالقانون يعلمون أن هذا الميعاد لا يعدو أن يكون ميعادا تنظيميا لا يمكن أن يترتب جزاء علي مخالفته، وكل المقصود به هو حث اللجنة، والمواطنين علي الإسراع في إنجاز هذه المهمة.
فالمواعيد التي تنص عليها الدساتير أو القوانين إما مواعيد حتمية يرتب القانون جزاء علي مخالفتها، أو مواعيد تنظيمية لا يتصور أن يترتب عليها سقوط أو بطلان، وأقرب مثال لفهم طبيعة هذا الميعاد ما نصت عليه المادة 93 من الدستور من أن علي رئيس مجلس الشعب أن يحيل الطعون الانتخابية إلي محكمة النقض خلال خمسة عشر يوما، وأن تحققها المحكمة خلال تسعين يوما.. وأن يفصل المجلس في صحة الطعن خلال ستين يوما والمواعيد الثلاثة مواعيد تنظيمية لا يتصور أن يترتب عليها سقوط الطعن ولا بطلانه ولا إسقاط لعضوية المطعون ضده.

موعد تنظيمي
ومثال آخر هو النص في المادة 36 من قانون تنظيم انتخابات الرئاسة من أنه:
«للمرشحين الطعن في القرارات الصادرة من اللجان العامة أمام لجنة الانتخابات الرئاسية دون غيرها، ويجب أن يقدم الطعن خلال اليوم التالي علي الأكثر لصدور القرار المطعون فيه، وتفصل اللجنة في الطعن في اليوم الذي يليه بعد سماع أقوال الطاعن».
فميعاد تقديم الطعن هو ميعاد حتمي يترتب علي مخالفته سقوط حق المرشح في الطعن علي قرار اللجنة العامة.
أما ميعاد الفصل في الطعن في اليوم التالي الذي ستسمع فيه اللجنة الرئاسية أقوال الطاعن، وقد تري أن في هذه الأقوال ما قد يقتضي تحقيقا أو ضم أوراق، فلا يتصور إلا أن يكون ميعادا تنظيميا فيجوز للجنة أن تؤخر الفصل في الطعن إلي أن يسفر العدل عن وجهه، وإلا كان معني هذا أن المشرع قد فرض علي اللجنة ارتكاب المظالم.
ولهذا فإن الفهم الصحيح للنصوص يقتضي أن يجري الاقتراع في يوم واحد بقدر الإمكان.. بشرط أن تتوافر الظروف الموضوعية بما في ذلك الإشراف القضائي الكامل.. وأن يتم الفصل في الطعن في اليوم التالي بقدر الإمكان شريطة أن تستكمل اللجنة تحقيق الواقعة.

الأمانة
شاء قدر عشرة من شيوخ القضاء وأساطين القانون.. لهم قدرهم ووقارهم وتاريخهم أن يحملوا أمانة تشفق منها الجبال، وأن تطلق يدهم في كل أمر.. فباتوا محط أنظار شعب مصر بل والعالم.. وباتت ترهف السمع إليهم.. فعينوا متحدثا باسم اللجنة.. وخيرا فعلوا.
غير أنه في شأن الاختصاص التشريعي للجنة بوضع نصوص تحكمه إجراءات الانتخابات، وسبل الطعن عليها.. أليس من حق المخاطبين بأحكامها، والقائمين علي تنفيذها، وسائر المعنيين بالانتخابات العامة، أن تنظم اللجنة جلسات الاستماع إلي آرائهم؟.
أليس من حق هذه الأمة، بعد أن باتت سلطة التشريع في يد عشرة من العلماء، أن تري نصوصا واضحة ومحكمة تنبع من ضمير الأمة.. وتعبر عن إرادتها.. وتستوحي آمالها وتنظم حقوقها.. وتعود بالنصوص التشريعية إلي أصولها العريقة.. فلا تحاكي الأوامر العسكرية.. ولا التعليمات الإدارية.
ثم أليس من حق الأمة.. والمعنيين بهذه التشريعات أن تستمتع إلي مداولات اللجنة في شأن النصوص المقترحة وأن تطلع علي مضابطها.
فالتشريعات لا تعرف السرية وتزداد النصوص إحكاما ووضوحا بنشر أعمالها التحضيرية، والشفافية، والعلانية في الحوارات المتصلة بالتشريع تزيده تألقا وانضباطا، وتقنع المخاطبين بأحكامها أنها قد صدرت حماية لمقدساتهم.
بل إن أهم شروط اكتساب ثقة الناس في نزاهة الانتخابات العلانية والشفافية.. فالأصل ألا تعرف إجراءات الانتخابات كلها السرية.. إلا في لحظة اقتراع الناخب، أما ما عداها فيجب أن يكون علنيا.

الأسوة الحسنة
ولقد علمنا الصادق الأمين أن: «الإثم ما حاك في صدرك وخفت أن يطلع عليه غيرك» فجعل حياته كلها كتابا مفتوحا.. يعرف الناس.. كل الناس أدق ما يدور في بيته، بل ما يختلج في صدره.. وينص صلي الله عليه وسلم إلي الناس.. ويحدثهم.. ويحاورهم ويحاورونه، ويشاورهم في كل أمر.. ففاز بثقة الناس أجمعين وبلغ مكانة لم يبلغها غيره، ومن واجبات اللجنة بنص المادة الثانية من القانون الموكول إليها تطبيقه أن «تسهم في توعية المواطنين بأهمية الانتخابات الرئاسية والدعوة إلي المشاركة فيها»، وهكذا بات علي العشرة الكرام أن يكونوا دعاة.. فهل يكون لهم في رسول الله صلي الله عليه وسلم أسوة حسنة.
بقي أن أقول إنه كلما احتدم الجدل كما هو الحال الآن، أتذكر كلمات للمرحوم الدكتور عبدالوهاب عزام، يقول فيها:
«إن الحق في كل أمر محدود والباطل كثرة لا تحد، والعدل في كل قضية واحد، والهوي نزعات لا تعد، فإذا أخذ الناس بالحق اجتمعوا، وإذا آثروا الباطل تفرقوا، وإذا قضوا بالعدل ائتلفوا، وإذا مالوا إلي الهوي تباغضوا، وإن ما نسمع ونري من خصام وافتراق، وبغض وشقاق، وجدال ومراء، وتنافر وعداء، كل أولئك بما آثر الناس الباطل ومالوا مع الهوي، ودواء هذا الداء: أن يعرف الناس الحق، ويبصروا به، ويرغبون فيه، حتي يحبوه فيؤثروه، وأن يعلموا العدل، ويمرنوا عليه حتي يطيعوه، وأن يكشف لهم الباطل في شناعاته، والجور في سيئاته، ويبين لهم كيف شقي بهما الناس، وخرب بهما العمران، مصداقا لقوله سبحانه «يا أيها الناس كونوا قوامين لله، شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم علي ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوي، واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون» وقوله تعالي «ولا تتبع الهوي فيضلك عن سبيل الله» صدق الله العظيم وسلام علي المرسلين، والحمد لله رب العالمين».
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة