قد تخطف انتباهك البالونات الملونة.. وقد تدغدغ مشاعرك
الوعود الجذابة.. فبين الحقيقة والوهم خيوط قد لا نراها..
ولكنها قد تلتف حول عنقك.. وتكبل خطوتك فتسقط بين الأقدام
المهرولة!
هكذا أوصانا الحكماء.. وهكذا علمتنا تجارب الحياة والتي
تركت آثارها علي أجسادنا ونفوسنا..
وسأحكي لكم فيلما..
الفيلم بعنوان «عدو الشعب» للمخرج الهندي الكبير «ساتياجات
راي».. وفكرة الفيلم مأخوذة عن مسرحية لهنريك أبسن بنفس
العنوان.. وجاء المخرج الهندي «راي» ليحولها إلي موضوع
معاصر.. يخاطب به ما يحدث في أوساط البسطاء عندما تسيطر
عليهم الأوهام المدمرة التي يروجها تجار الكذب والخداع.
موضوع الفيلم عن ذلك الطبيب الذي لاحظ زيادة عدد المرضي
الذين يعانون من التسمم والحمي.. واضطر أن ينقلهم إلي
المستشفي.. ليفاجأ بأن هناك مرضي آخرين يعانون نفس
الأعراض.. وقد ازدحمت بهم المستشفيات.
ولأنه طبيب عالم يؤمن برسالته الإنسانية.. فقد بدأ يربط ما
بين الحقائق.
إن كل هؤلاء المرضي يسكنون في منطقة ذلك المعبد الهندوسي..
وشربوا من مياهه التي يطلقون عليها مياها مقدسة.
وحتي يطمئن ضميره العلمي.. أرسل عينات من هذه المياه إلي
معامل التحاليل لتثبت - ما كان قد توصل إليه - أن هذه
المياه ملوثة بالجراثيم.. وأنها هي التي تسبب المرض..
والموت أحيانا.
وأمام هذا الاكتشاف الخطير.. وجد أن من واجبه أن يحذر
الجميع من شرب مياه المعبد.. ولكن كيف؟
كيف يكسر حاجز الوهم.. ويعلن الحقيقة العلمية.. أن الماء
الذي يتبركون به.. هو السبب في مرضهم.. ووفاتهم؟!
ذهب إلي هناك.. ووجد طوابير البشر تسعي لتحصل علي أكواب
الماء من المعبد.. يشربونه.. ثم ينثرون باقية علي رءوسهم
في تهليل ودعاء.
طوابير ممتدة.. وزحام لا حدود له.
هل يهتف فيهم.. ومن سيسمع صوته وسط هذا الضجيج؟!
وهل سيصدقون أن الماء الذي يعتبرونه مقدسا يحمل ميكروبات
مدمرة لصحتهم.. هل سيتهمونه بالجنون.. أم سيرجمونه
بالكفر؟!
وأخيرا.. اهتدي إلي حل أفضل.. أن يكتب مقالا علميا يرفق به
تقرير معمل التحاليل الطبية.. ولأن الرجل له سمعته المهنية
والتي لا تشوبها أي شبهة.. فقد رحبت إحدي الصحف بنشر
المقال.. فالجريدة كما يدعي أصحابها هي جريدة تقدمية..
تقول الحقيقة - دائما - ولها جمهورها الذي يثق فيها.. هكذا
طمأنه أصحاب الجريدة الذين زاروه في منزله ليقنعوه
بالكتابة فوراً!
كتب المقالة.. ولكنه فوجيء بالمماطلة في النشر.. وفوجيء
بتغير الأسلوب معه.. من الترحيب إلي التهرب.. ومن الكلام
الجميل إلي الرفض الباتر.. لن ننشر لك شيئا!!
وأمام هذا الموقف العجيب.. ولأنه مؤمن بأن الضحايا يزدادون
يوما بعد يوم.. وأن واجبه العلمي والإنساني يقتضي
المواجهة،.. فقد قرر أن يعقد اجتماعا عاما يلقي فيه
بكلمته.. ويتلو المقالة التي رفضوا نشرها..
وفي يوم الاجتماع..احتشد الكثيرون لسماعه.. ولكنه فوجئ
بشقيقه الذي يتولي منصب عمدة المدينة، يتدخل في الاجتماع
ويفرض متحدثين من أتباعه والذين يحاولون الشوشرة عليه بكل
الطرق وفض الاجتماع قبل أن يفتح الطبيب فمه بكلمة مما يريد
أن يقوله..!
ولكن بعض الحاضرين في الاجتماع من الشباب، يصرون علي
سماعه.. وتحدث المشاحنات بينهم وبين أنصار عمدة المدينة،
الذين ترتفع أصواتهم بضراوة بالغة.. «لا حديث عن المعبد»..
«المعبد مقدس»!!
ويحاول الطبيب أن يشرح المأساة.. ولكن شقيقه عمدة المدينة
يجد أن الموقف لن يستمر لصالحه.. فيسرع إلي الميكروفون
يجذبه لينهمر علي الطبيب في أسئلة حادة من نوع «كم مرة
ذهبت إلي المعبد؟.. كم مرة صليت هناك؟.. هل تعتبر نفسك
هندوسيا مؤمنا؟.. كيف يمكن لماء مقدس أن يكون ملوثاً؟!»
..وتتوالي الأسئلة كأنها قذائف اتهام تدين الطبيب بالكفر
والتهجم علي الدين!!
وتعلو أصوات المتعصبين تهتف ضد الطبيب.. الذي يجمع أوراقه
ليعود إلي منزله مهزوما.. ويتلقي الطعنات تباعاً.. لقد
فصلوه من عمله.. وفصلوا ابنه أيضا من الجامعة.. وأصبح
منزله محاصرا بالمتعصبين!.
وبكل المرارة والأسف يكتشف شبكة العلاقات والمصالح التي
تربط بين شقيقه عمدة المدينة بالمستفيدين من إيراد هذا
المعبد.. ويكتشف صلة أصحاب الجريدة الذين رفضوا نشر مقاله
بأغنياء المدينة.. وكلهم سلسلة مترابطة من أصحاب المصالح
المادية في استمرار حال المعبد كما هو، وفي الوقت نفسه
تلقين بعض عناصر من الشباب بالتكتل ضد الطبيب واتهامه بأنه
عدو الشعب!!
وهكذا ارتبط هتاف «عدو الشعب» بالطبيب.. إنه هتاف يطارده
أينما تحرك.. وحاصروه داخل منزله.. وضيقوا عليه الخناق في
حياته وعمله.
ويقرر الطبيب أن يأخذ أسرته ويرحل بعيدا عن هذه المدينة..
يجمع أشياءه وحقائبه.
ولكن قبل أن يرحل.. يسمع أصوات هتاف تعلو تنادي باسمه
وتدعوه للبقاء.. ومواصلة العمل والتحدي..
ويتوقف الطبيب مندهشا.. يسأل ابنه عن أصحاب هذه الهتافات..
فيرد الابن بفرح.. إنهم زملاؤه في الكليات الجامعية الذين
عرفوا الحقيقة.
أي أن شباب المتعلمين.. هم الذين سيقفون ضد الجهل والتزلف
والتعصب!
وينتهي الفيلم بموجة هائلة من التصفيق المتواصل، في تلك
القائمة الرئيسية بمهرجان كان السينمائي عام 89.. حيث عرض
الفيلم، عرضه العالمي الأول، في حفل خاص لتكريم المخرج
الهندي الكبير «ساتيا جات راي» والذي تجاوز عمره - وقتها -
السابعة والستين.. ومازال يناضل من أجل الحقيقة.. رغم ما
أصاب قلبه وجسده من وهن.. حتي إنه كانت تقف علي باب
الاستوديو الذي يصور فيه مشاهد فيلمه، عربة إسعاف جاهزة
بفريق من الأطباء والممرضين في حالة استعداد.. وفي كل لحظة
تأتيه التحذيرات بمراعاة عدم الإجهاد حرصا علي قلبه المجهد
الذي خضع لعملية جراحية دقيقة لتغيير الشرايين.. وتركت
آثارها علي جسده بالوهن الشديد!
المثير.. أن هذا المخرج واصل العمل بعد هذا الفيلم لينهي
فيلمين في عامين متتاليين 90، 91.. ومات في مارس 92..
لتخرج جموع هائلة من ولاية البنغال - مسقط رأسه في الهند -
تودعه إلي مثواه الأخير باحتفال جنائزي مهيب.. تعطلت فيه
المدارس والمصالح الحكومية والمتاجر.
وكان «ساتيا جات راي» قد أذهل العالم بفيلمه الأول «الأب
بانشالي» - عام 1955 - ثم توالت أفلامه تؤكد تميزه كفنان
مبدع.. ومفكر صاحب رسالة.
وفي آخر حوار صحفي معه - تناقلته وكالات الأنباء - قال إنه
يري نفسه مثل ذلك الطبيب الذي قدمه في فيلم «عدو
الشعب»..يري أن كشف الحقائق بصراحة ووضوح هو أول طريق
للإصلاح.. أما دعامة الطريق فلن تكون إلا بالعلم.
سألوه.. هل يمكن أن تغير السينما من أخطاء ومفاهيم سائدة
في المجتمع..!
قال بشجاعة: لا أحب المبالغات والأوهام الخادعة.. ولذلك
أقول إن السينما تستطيع أن تغير قليلا، ولفترة قصيرة بين
جمهور المتفرجين، ثم تشغلهم دوامات الحياة اليومية.. مثلا
في فيلمي «عدو الشعب» بعد ما أثاره الفيلم من رد فعل قوي
في بلدي.. عاد الناس يشربون من المياه الملوثة بذلك
المعبد!!.. المهم هو مواصلة التحذير والتنبيه..المهم هو
الإلحاح المستمر والعمل لتأكيد المفاهيم الجديدة.
وهكذا.. وحتي النفس الأخير.. لم يرض هذا الفنان المبدع
بخداع النفس.. ولخص وصيته في «مواصلة التحذير»!
إنه درس من عالم السينما.. ليس بعيدا عن واقعنا بأي حال..