يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1244 (7 - 14) سبتمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

فلاح مبارك.. الذي حسدناه!

 
 

محمد فهمي

 

 
. لن يسمح للزميل هاني الأعصر.. بصعود طائرة الرئاسة.. ولا أي طائرة تحلق في أي سماء بعد الذي نشره عن فلاح مبارك!
في الأسبوع الماضي كتبت عن فلاح مبارك!
كتبت عن الحاج فتحي محمود حسن.. الذي يعيش تحت خميلة جميلة.. تطل علي نهر النيل في مدينة المنيا.. ويجلس فوق أريكة زاهية الألوان.. يحلم بمثلها رئيس جمهورية أندونيسيا الأسبق عبد الواحد.. الذي لم يمنعه وقار السن وهيبة الشيب من التشبث بكرسي السلطة.
وكانت صحف الحكومة قد نشرت صورته في صدر صفحاتها الأولي.. وهو يحتسي الشاي مع الرئيس مبارك.. وقد رفعت بينهما الكلفة..وزادت الألفة.
وتضاربت أقوال صحف الحكومة.. حول وصف المكان.. الذي شهد اللقاء.. فقالت واحدة إنه «كوخ» متواضع.. وقالت ثانية إنه «عشة» متواضعة».. وقالت الثالثة إنه «خُص» متواضع.. ولكنها اتفقت علي أن زوجة الحاج فتحي.. الفلاح السعيد.. واسمها سعدية هي التي أعدت الشاي الذي قدم للرئيس.. وهي تنحني في أدب جم.. محبب للنفس التواقة لكل ما هو متصل «بالإتيكيت»!
واتفقت علي أن زيارة الرئيس قد فاجأت الحاج فتحي وزوجته سعدية.. وكانت زيارة مباغتة!
وقالت إن الحاج فتحي ألقي قصيدة في مدح الرئيس أثارت الإعجاب والاستحسان!
ومن ناحيتي فقد اعترفت في الأسبوع الماضي.. بأنني أحسد الحاج فتحي.. علي «عشته» المتواضعة المطلة علي النهر الخالد.. وقلت إنني نادم علي اليوم الذي قررت فيه احتراف الكتابة الصحفية.. وتمنيت من كل قلبي أن أكون أحد الفلاحين في «عهود» مبارك.
إلا أن هذا «الندم» لم يستمر طويلا.. بعد أن قرأت الحديث الصحفي الذي أدلي به الحاج فتحي للزميل هاني الأعصر ونشرته صحيفة «الدستور» بالمانشيتات التالية:
الفلاح الذي قابله مبارك في المنيا.. يعمل موظفا بوزارة الداخلية (!!)
الحاج فتحي ألقي نفس القصيدة لزكي بدر وفاروق حسني (!!)
«الخص» الذي جري به اللقاء شيدته الحكومة.. وهدمته بعد اللقاء (!!) والشاي معمول جاهز.. ومتأمن.. وضفادع بشرية كانت تحرسه في النيل(!!)
أما الذي لم تنشره صحف الحكومة.. وجاء علي لسان الحاج فتحي.. فهو أن الحاج فتحي قال للرئيس مبارك:
اوعدني.. إنك ترجع فلوس سويسرا.. ياريس (!!)
ورد عليه الرئيس مبارك:
- انت أروبة قوي!
وبعد أن قرأت هذه العناوين الرئيسية.. لم أعد أشعر بالندم لأنني لم أكن فلاحا في «عهود» مبارك.. ولم أعد أحسد الحاج فتحي.. علي الخميلة.. والأريكة الجميلة.
وكلما طالعت التفاصيل وجدتني أحمد الله كثيرا.. علي احترافي للكتابة الصحفية..
عرفنا مثلاً..
أن الحاج فتحي كان يعمل قبل إحالته للمعاش.. موظفا مدنيا بمكتب مدير أمن المنيا.. وأن ابنه «عمران» يعمل بمركز شرطة المنيا.. وإن ابن عمه «خلف» يعمل مخبرا سريا.. وأن الغالبية العظمي من رجال العائلة من المخبرين السريين!
وعرفنا أن الكوخ لم يكن له وجود.. قبل الزيارة.. وتقول زوجته سعدية:
دي «عشة» معمولة بالجريد.. وفيها كنبتين جداد منوفي.. وسجادة حلوة.. قعدنا فيها مستنيين الرئيس خمس ساعات!
وقالت سعدية: إنها لم تعد الشاي بنفسها.. إنما أحضره واحد من ذوات «البدل» من المحيطين بالرئيس.. وأمرها بتقديم الشاي للرئيس ولزوجها.. وحدد لها الكوب الذي يقدم لكل واحد منهما!
وعرفنا أن إجراءات الأمن كانت مشددة.. ولم يسمح للمارة بالسير.. وأن الضفادع البشرية والقوارب المطاطية قد انتشرت بطول مجري النيل في منطقة المنيا..
وعرفنا أنه تم نزع السلاح الحكومي من رجال الشرطة تحسبا لأي احتمالات!
وبعد الزيارة «الناجحة» توجه الرئيس مبارك للزوجة سعدية بسؤال:
وانت عاوزة حاجة؟!
فأجابت سعدية..
- ألف شكر يا ريس.. «كفاية» علينا زيارتك.. وربنا يخليك لينا ويعلي مراتبك.. ويعليك كمان.. وكمان!
...
طرحت الصحيفة جانبا.. وجلست أتأمل المشهد.. وأتساءل عن مصير الحاج فتحي وزوجته سعدية.. بعد نشر ما جاء علي لسانهما.. فأصبت بالرعب المستطير..
وجري أمامي شريط لأقارب الحاج فتحي من المخبرين.. وقد استدعتهم القوات الأمنية لاستجوابهم عن حقيقة علاقاتهم بالحاج فتحي وزوجته سعدية.
رأيتهم يقفون موقف التاركين للصلاة.. يوم القيامة.. وقد انحنت رءوسهم.. وتهاوت أجسادهم.. وتكهربت أوصالهم..
رأيتهم وقد.. تبرأ الواحد منهم تلو الآخر.. من الحاج فتحي.. وقرروا الأخذ بالثأر.. منه.. ومن سعدية.. ومن كل من يتشدد له.. فازداد حزني.. وهلعي..
وسألت نفسي:
لماذا فعلتها يا حاج فتحي؟
لماذا هذا التهور.. يا حاج؟!
***
بيد أن الحوار الذي أجراه الزميل الشاب هاني الأعصر.. مع الحاج فتحي.. وزوجته سعدية.. يستحق التحية..
تحية له.. ولجيله من الصحفيين الذين يدقون أبواب بلاط صاحبة الجلالة.. بثقة.. وجرأة.. وشجاعة وحرفية.. ومهارة.. في ظروف مهنية بالغة القسوة..
لقد أرسي الحزب السرمدي طوال ربع القرن الذي مضي قيماً من الفساد والمحسوبية والرشوة.. والسطحية.. والتفاهة.. أغلقت الأبواب في وجه كل صاحب موهبة يسعي للعمل الصحفي.
لقد اختار الحزب السرمدي أسوأ النماذج.. ووضعها علي قمة المواقع القيادية في صحف الحكومة.. وهي التي قامت بدورها في تخريب المهنة وأخلاقيات الحرفة.
ولذلك فإن الشاب هاني الأعصر يستحق التحية.. لأن الحوار الذي أجراه مع الحاج فتحي وزوجته سعدية يشير إلي أنه يعمل من أجل المهنة وللوطن.. فهو مخلص في البحث عن الحقيقة.
حتي ولو كانت هذه الحقيقة لا تتفق مع كل ما يرضي السلطة.. وبالتالي فإن هذا الصحفي الشاب لن يسمح له في يوم بإعداد برنامج تليفزيوني.. أو برنامج حواري.. ولن يحلم.. ليس فقط.. بصعود طائرة الرئاسة.. وإنما بصعود أي طائرة.. تحلق في أي سماء!
لن يحلق هاني الأعصر علي متن أي طائرة تعبر به الأجواء.. لأنه اختار الطريق المسدود.. ولن يبقي له سوي العرق والدم والفقر.
تري هل يمكن أن يأتي اليوم الذي تكرم فيه نقابة الصحفيين.. أي صحفي مبدع.. سواء كان مع الحكومة أو ضدها؟!!
وإلي متي يظل التكريم حكراً علي الصحفي الذي يتمرغ في خير الحكومة؟!!
وبالمناسبة أود أن أتوجه للجنة جائزة مصطفي وعلي أمين بكلمة.. وهي أن روح مصطفي وعلي أمين سوف تسعد بتكريم هذه البراعم الجديدة.. وما قام به هاني الأعصر.. هو تطبيق أمين لكل ما تعلمناه من علي ومصطفي أمين.. وأولها الحصول علي الأخبار من أفواه البسطاء.. وليس فقط من أفواه المسئولين.
البسطاء.. لا يكذبون.
***
وحكاية الحاج فتحي.. ليست أول حكاية في مسلسل الخداع والكذب.. ولن تكون آخرها..
يحدث ذلك في المستشفيات التي يزورها الرئيس مبارك.. ويقوم خلالها جنود الأمن المركزي باحتلال أسرة المرضي.. بعد إبعاد المرضي الحقيقيين.. وبعد أن يشرح الأطباء للجنود الأمراض التي يتعين لأغلبهم التظاهر بأنهم مصابون بها.
وهو ما حدث في مدرسة «أم القري» الإعدادية للبنات في الإسكندرية أثناء زيارة السيدة لورا بوش للمدرسة في يونيو الماضي.. حيث تم استبدال الطاقم الإداري للمدرسة وجميع طالباتها.. بطالبات مدرسة أجنبية راقية مع طاقمها الإداري... إلخ
ولم يكشف هذا التدليس سوي الدكتور حمدي حسن الذي وجه طلب إحاطة إلي وزير التعليم.
المهم..
إن هذه التصرفات التي تتسم بالرعونة والغش.. وما شابهها باتت تجري علي ألسنة الناس.. من باب التسلية والتندر.. دون أن تثير بيننا القلق حول صفات كثيرة فقدناها.. دون أن ندري..
صفات.. كانت العمود الفقري لتراثنا الثقافي والأخلاقي والديني والحضاري.. وكانت تميزنا عن غيرنا من شعوب الأرض..
هذه الصفات.. كانت روح الأمة..
نحن لا نتحدث عن مترو الأنفاق والصرف الصحي والأرصفة التي يجري تبليطها كل شهر.. إلخ.
نحن نتحدث عن القيم المصرية الأصيلة.. التي ترسم توجهاتنا نحو المستقبل. وتحافظ علي سلوكياتنا.. وتقاليدنا.. وتحمينا من الذوبان في ثقافات وافدة.
نحن نتحدث عن المصداقية.. والصدق.. والأمانة والشرف.. والمروءة.. والإحساس بالمسئولية.. والتفاني في العمل وفي الحب.
الصفات النبيلة التي فقدناها.. خلال ربع قرن من الزمان.. دون أن ندري.. ووجدنا أنفسنا أمام طوفان من الكذب والغش تروج له الأجهزة الرسمية.
والذين يزوِّرون تلاميذ المدارس.. ومرضي المستشفيات.. والفلاحين.. لا يستطيعون محاسبة الذين يزورون الانتخابات ويستوردون السلع الفاسدة.. ويسرقون أموال البنوك.. وينهبون ميزانيات الصحف القومية.
إنها تصرفات غير مسئولة.. لأناس لا يقدرون المسئولية.. لا أستطيع أن أضع وزرها علي الرئيس وحده.. إلا أنها تلقي بظلال كثيفة من الشك حول مصداقية التصريحات التي أدلي بها الرئيس مبارك أثناء المعركة الانتخابية..
مثلا..
كيف نصدق الرئيس عندما يقول إنه سيعمل علي توفير مكان لكل تلميذ في مدرسة قريبة من بيته؟!
كيف نصدقه عندما يقول إنه سيوفر مسكنا لكل شاب مقبل علي الزواج؟!
كيف نصدقه عندما يقول إنه سيوفر 25 مليار جنيه خلال السنوات الست القادمة للصرف الصحي في قري الصعيد والوجه البحري؟!
كيف نصدقه عندما يقول إنه سيتيح ما يزيد علي أربعة ملايين فرصة عمل خلال السنوات الست المقبلة؟!
وعلي نفس المنوال ونفس الموجة نسمع عن شق 12 ألف كيلو متر من الطرق الجديدة.. وازدواج وتطوير ثلاثة آلاف كيلومتر من الطرق السريعة.. ورصف خمسة آلاف كيلو متر من الطرق بمداخل القري المصرية وثلاثة آلاف كيلو متر من الطرق الترابية بعواصم المحافظات.
كلام كبير ووعود كثيرة ترددت علي لسان مرشح الحزب الوطني.. وهذا المرشح الوحيد الذي تولي إدارة البلاد لمدة 24 سنة متصلة.. وكان من المفروض أن يثق الناس في وعوده وعهوده.
بيد أن التصريحات غير المسئولة.. كما حدث مع فلاح مبارك.. الحاج فتحي.. أفرغت هذه الوعود من أهم عناصرها.. وهي المصداقية..
الناس لم تعد تثق فيما تراه أمام عيونها.. بسبب السلوكيات التي تتسم بضعف الإدراك.. وأدت إلي إصابة «روح» هذه الأمة بالوهن والشيخوخة «المبكرة».
مطلوب إدارة سياسية جديدة تعمل بما يرضي الله.. وليس فقط.. بما يرضي الإدارة الأمريكية..!
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة