مازلت أذكر رغم ركام السنين، كيف اعتدت في سنوات الطفولة
والصبا، أن أصعد إلي سطح المنزل لأراقب الطيور فرحا شغوفا
بحركاتها وسكناتها، لا يفوتني وأنا أراقبها لاعباً لاهياً
مظاهر " الأبهة " و " المريسة " التي يبديها الديك الرومي،
لا يكتفي بما في خلقته من مظاهر التميز حجما وريشا و "
عُرْفاً "، وإنما يحلو له أن يمضي أمام الإناث، والمشاهدين
أيضاً، معجباً متعاجباً بشكله وسلطانه.. ينفش ريشه نفشته
المعروفة وينفخ صدره ويطلق صوته المميز وكأنه يقول للدنيا
: " ما عليك قدي ! ".. ولم يكن يفوتني أيضا الديك البلدي
في حرصه علي إظهار سلطانه علي دجاجاته !.. فلا يكتفي هو
الآخر بأن الطبيعة ميزته حجماً وشكلاً وعرفاً وذيلا عن
الإناث، وإنما لا يني قط في تأكيد سلطانه بحركاته وسكناته
والصوت الذي يطلقه بين الحين والحين ليقول : " أنا الملك "
!.. وجدت ذلك حين درجت علي الاختلاف عاشقا مراقبا إلي
حدائق الحيوان !.. كم أدهشني أننا جميعا نرتد إلي أصل واحد
في تيهنا بالذات وإعجابنا بها، وفي حبنا للصدارة !! رأيت
ذلك في الطاووس الذي يمشي مشيته الخاصة معجباً مزهواً
بنفسه وريشه وألوانه، ناشراً ذنبه كالقوس.. ورأيته في
الأسد : ملك بالفعل في مشيته وشخصيته الناطقة بصدارته،
الحريص علي الإشعار بها !.. حتي جبلاية القرود، رأيت فيها
" الزعيم " الحريص علي زعامته وسلطته وسلطانه، واستهوتني
هذه الملاحظة حتي صاحبتني في مراقبتي للآدميين الذين لم
ينفصل عنهم بقدر أو بآخر هذا الإنشغال بالصدارة أو حب
الرئاسة الذي ربما ظهر علي الطفل في سنوات حَبْوه في محيطه
من الأطفال !
كنت مجنداً بعد تخرجي عام 1959، في الاتحاد الرياضي
للمدفعية، لأمثله في بعض الرياضات التي كنت أجيدها، وكان
معي بفريق السباحة باقة من أعز الأصدقاء.. مازلت أري بعضهم
لماماً حتي اليوم، كان الاتحاد يشمل ضباط صف من تحت
السلاح، وجنوداً من غير ذوي المؤهلات، وبعضا من حملة
المؤهلات العليا.. مازلت أذكر حتي اليوم الجندي المجند غير
المؤهل " عبد الرسول ".. ضم بعدنا بشهور فصارت لنا أقدمية
عليه !!... لا يعرف الكتابة ويكاد يفك الخط، فلما لم يجدوا
له عملاً، ولا رياضة !، جعلوه في معاونة رقيب أول
الاتحاد.. كان الرقيب الحكمدار قوة مهيمنة في الوحدة،
موكول إليه تصاريح المبيت التي كنا جميعاً ننتظرها علي
شوق، ونتفنن في محاولة الوصول إليها حتي نبكر في الانصراف،
وفجأة وجدنا الجندي " عبد الرسول " هو المندوب السامي
لتوزيع تصاريح المبيت.. فما هي إلاّ أيام حتي تحول الجندي
عبد الرسول البسيط الغلبان جداً إلي فرعون حقيقي، يمارس في
متعة وزهو وتسلط سلطة التحكم في توزيع التصاريح لا يستثني
من صولجانه وتشفيه ضباط الصف، أو الجنود السابقين له في
الأقدمية !!.. صار " عبد الرسول " بعد " حنفية " التصاريح
التي أوكل توزيعها إليه، غير " عبد الرسول " الطيب البسيط
الغلبان الذي كان !!!
ما الذي في الجبلة البشرية يجعل الآدمي يتيه بالسلطة
ويعشقها هذا العشق الذي يملك عليه كل أمره ؟!.. رأيت ذلك
كثيراً، وعرفت مما رأيت أن حياة السلطة قفراء مجدبة، أشق
ما في جفافها وإجدابها أنها تحرم صاحبها من " الصداقة " و
" الصديق ".. ليس لصاحب السلطة صديق، ولن يكون، لأن
المقتربين منه طلاب منافع أو أصحاب أغراض، ويندر من يقترب
لمشاعر انسانية صادقة !.. حتي أصدقاء الأمس، سرعان ما
تجتاحهم حمي التسابق علي المنافع والأغراض والمطالب
فيتحولون عن المحبات الخالصة وتولي معها الصداقة الحقة،
ويندرجون في طوابير طلاب المنافع !!.. ينظر صاحب السلطة
فلا يجد حوله إلاّ الإجداب والصقيع، ومع ذلك لا يزال معظم
الناس علي عشقهم للسلطة وطلبهم للصدارة وعشقهم لهذا السراب
حتي النخاع !!!
هل يفسر حب الخلود أو سرابه هذه الظاهرة، سيّما فيمن
يرتقون سدّة الحكم وتؤول إليهم مقاليد بلادهم..؟!.. قد
تتملك الآدمي أمنية الخلود أو طلب الذكري ويتمني بذلك أن
يحفر اسمه علي جدار الزمن ! فالموت حقيقة ماثلة أمام
العاقل واللاهي ليس منه مفر، به ينقطع وجوده المادي، فهل
من سبيل إلي إمتداد معنوي أو مادي بديل يحفظ له الذكري في
عالم الحياة بعد رحيله عنها ؟!.. هناك من يتلمس الذكري في
أثر يبنيه، أو في كتاب يؤلفه، أو في عمل فني يبدعه، أو في
بعض الأعمال الباقيات الجاريات التي ينتفع بها الناس ومع
انتفاعهم بها يذكرون صاحبها، أو في بنائه أحد المساجد أو
الكنائس أو المعابد التي يسرف في فخامتها وزخرفتها ويترجّي
أن يرقد جثمانه فيها ليزوره من يزور هذه المشاهد الباقية
التي تتعلق بها قلوب وعواطف ومشاعر الناس !!
علي أن عشق " الامتداد "، وبقاء الذكري، كثيرا ما ينصب في
عشق النسل من الذكور، لأن الذكر يحمل اسم أبيه، وهو في ذلك
يجد عوضاً كأنه الحي من خلال تردد اللقب مع الابن ثم
الحفيد، وقد يتغافل في حرصه علي هذا السراب عن تذكر أن "
اللقب " هو الآخر سراب يؤدي إلي عدم فسوف يتواري اللقب
قطعاً مع توالي الأحفاد وعدول المجتمعات في العصر الحديث
علي التمسك بمنطق " الأسر " و " ألقاب " هذه الأسرات، ومع
ذلك فليس في هذه الميول بأس، لأنها إن لم تنفع، فإنها لا
تضر ولكن يأتي الضرر حين يقترن حب السلطة، بحب الامتداد من
خلال الأبناء في تولي حكم الدول والأمم
والشعوب !!.. علي هذا درجت " الملكيات " التي أخذت تتقلص
الآن حتي كادت تتواري في عالم اليوم الذي مال عبر نضال
طويل إلي هجر الملكيات الوراثية إلي الجمهوريات البرلمانية
أو الرئاسية، القائمة علي الاختيار والانتخاب الحر المفتوح
لانتقاء الأكفأ والأقدر والأفضل بعيدا عن الأعراق والأنساب
والمواريث !!.. لا تقبل الجمهوريات سنن التوريث حتي ولو
كان الوريث أفضل الناس طرّاً، لأن الضرر اللاحق من التوريث
وباله كبير كبير كبير، ينعطف بنظم الحكم انعطافة حادة
تحولها من جمهورية انتخابية حرة نشأت في الأصل بديلا عن
الملكية الوراثية إلي جمهورية وراثية، ولا يشفع لهذه
الانعطافة الحادة أن يكون " الوريث " " سوبرمان " لا مثيل
له ولا صنو ولا نظير، لأن ذلك إن جري يعني هدم مبدأ" تداول
" السلطة، وهو روح ولب وصمام أمن النظم الجمهورية، فبلا
تداول للسلطة، وهي لا تتداول إذا ورث الإبن أباه، تتحول
الجمهوريات إلي " تكايا " وإلي جمهوريات ديكتاتورية مستبدة
تفقد كل المقومات والضمانات والغايات التي ينهض عليها مبدأ
" تداول " السلطة الذي يعني في جوهره أن لكل حاضر غداً
محكوماً بغير ما كان محكوما به الأمس !! فبلا تقلب الأحوال
وتداول السلطة بعيداً عن الأعراق والأنساب تخسر الأمم
والشعوب بإطلاق أيدي حكامها خسارة جمّة جدا لا سبيل
لرتقها، حتي ولو كان الوريث جدلا هو ال " سوبرمان " الذي
لا صِنْو له ولا نظير !!!
قبل معاوية بن أبي سفيان، إلتزم الحكم الإسلامي بالشوري
ولم يحد عنها قط قبيل ما فعله معاوية حين أخذ البيعة في
حياته لابنه يزيد، فأحدث فلقاً وشرخاً هائلاً في دولة
الإسلام ظلت تعاني منه وأمة الإسلام ثلاثة عشر قرنا من
الزمان.. قد علم الصحابة مما علمهم القرآن المجيد أن
المؤمنين قد وصفوا في القرآن بأنهم أهل شوري : " وأمرهم
شوري بينهم " وعلموا مما علموا أن الرسول صلي الله عليه
وسلم علي نبوته وإلهامه ووحيه، قد أمره الله تعالي أمراً
بأن يأخذ أمور الدنيا بالشوري، فقال له في قرآنه المجيد "
وشاورهم في الأمر " وبهذا وغيره جرت الأحاديث النبوية التي
أكدت للصحابة أن سياسة أمور الدنيا لا تكون إلاّ بالشوري
والمشاورة، أي بالديمقراطية بلغة زماننا !
يوم قُبض رسول القرآن عليه السلام، لم يورث الأمر أحداً،
ولم يأمر بأن يتولاه أحد، وترك الأمر شوري للمسلمين، فكان
اجتماع سقيفة بني ساعدة صورة رائعة من صور الشوري.. يومها
سارع الأنصار بطلب الإمارة لأنهم نصروا وآووا واستقبلوا
الدعوة بالمدينة واحتضنوها وجاهدوا في سبيلها حتي أظهرها
الله، فكره عمر بن الخطاب أن تتحول الخلافة من المهاجرين
إلي الأنصار، وأشار بمبايعة أبي عبيدة بن الجراح الذي وصفه
رسول القرآن بأنه " أمين الأمة "، بيد أن أباعبيدة يرفض
غاضبا، ويعاتب ابن الخطاب بأنه لم ير له فهة ( زلة ) قبلها
قط، فكيف به يبايعه ويتجاهل أبابكر الذي كان مع النبي ثاني
اثنين إذ هما في الغار !!.. وكما رفض أبوعبيدة، عاود الرفض
هو وعمر بن الخطاب حين حضر أبو بكر الصديق وطلب من
المجتمعين في السقيفة أن يبايعوا أحد الرجلين ! حتي إذا ما
وصلت المناقشات والمساجلات إلي غايتها، بايع الجميع أبا
بكر الصديق، فولي الأمر بمبايعة عامة من المسلمين قوامها
الشوري : مرادف الاقتراع الديمقراطي بلغة زماننا، ومضي
الأمر علي الشوري والمبايعة حتي برغم رغبة أبي بكر في
استخلاف عمر بن الخطاب، فلم تكن ولاية عمر بمحض استخلاف،
وإنما تلاه بيعة عامة من المسلمين قائمة علي الرضا والحرية
والاختيار، فلما طُعن عمر، أوصي بأن يكون الأمر لمجلس شوري
من الستة الباقين من العشرة الذين وعدهم الرسول عليه
السلام بالجنة وتوفي وهو عنهم راض : علي بن أبي طالب،
وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله،
وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف.. شكل عمر منهم مجلس
شوري، ولأن العدد زوجي، ومخافة الإنقسام إذا تعادلت
الأصوات، أضاف عمر إليهم ابنه عبد الله بن عمر علي ألا
يكون له من الأمر شيء، موصيا ومنبها أنه خارج دائرة
الاختيار، فلا توريث، وإنما هو مضاف للترجيح فقط إذا
تعادلت الأصوات.. فلم يدر بخلد عمر مثلما لم يدر بخلد أبي
بكر توريث إمارة المسلمين للأبناء أو لغير الأبناء من ذوي
القرابات، ولا دار هذا بخلد أحد من الصحابة.. وحين اتفق
مجلس الشوري علي جعل الأمر لعبد الرحمن بن عوف للتشاور
ليختار الأصلح علي ماهو معروف في رواية طويلة، فإنه بعد أن
عدل عن علي بن أبي طالب إلي عثمان بن عفان، لم يل عثمان
إمارة المسلمين إلاّ ببيعة عامة حرة مختارة من المسلمين،
وهكذا كانت بيعة الإمام علي بن أبي طالب يوم اغتيال أمير
المؤمنين عثمان بن عفان، وهو هو ما تقيد به الإمام علي حين
طُعن وأشرف علي الموت وسألوه في ولاية ابنه الحسن فلم يقبل
أن يورثه الحكم، وقال قولته المأثورة : " الأمر لكم، لا
آمركم ولا أنهاكم " !
لغرض في نفس يعقوب، كان المغيرة بن شعبة المحرض لمعاوية
علي أخذ البيعة لابنه يزيد في حياته، أما الغرض فهو طلب
الحظوة لدي معاوية، واتقاء عزله عن الكوفة بعد أن شاع قرب
تعيين سعيد بن العاص محله.. وقد كان للمغيرة ما أراد من
رضا وحظوة، فسر معاوية للاقتراح الذي يلاقي هوي الآباء،
ورد المغيرة إلي ولايته مكافأة له علي " إخلاصه " للبيت
الحاكم !
ولكن معاوية أول من يدرك أن الغرض محبب جميل، ولكن المهمة
العسيرة، فقد سبقته عهود لم تعرف " التوريث "، وليس من
المنتظر أن تمر الفكرة بسهولة، فلا بدّ لها من الترتيب
والحيلة ولا بأس من الخداع والمخاتلة !.. لم ينشغل معاوية
كثيراً باليعاقبة الذين جعلوا يزينون له التوريث ولكل منهم
غرضه وثمنه الذي يريده ويعرفه له معاوية، بيد أن المعضلة
في الصفوة وفي عموم الناس الذين لاغرض لهم كأغراض
اليعاقبة.. كانت نقطة البداية البحث عن مسمي غير مسمي "
التوريث " تحاشيا لوقعه المرفوض، فليكن الترويج إذن بفكرة
" الاستقرار " وضمان عدم اضطراب الأمور بعد رحيل معاوية أو
عجزه صحياً عن الاستمرار !.. ومع هذا فإن " الخدعة " لم
تنطل علي أحد، حتي في العراق التي ظن معاوية أن صاحبه
المغيرة كفيل بترويجها في دائرة حكمه هناك.. لم يصادف
المغيرة القبول الذي ظنه للفكرة وتمناه، بل وانبري زياد بن
أبيه والي باقي العراق بمعارضة شديدة ساقها لمعاوية محذرا
من أنها ستؤلب عليه الناس.. وهو هو ما أكده أهل الحجاز
الذين جاءت ردودهم عنيفة في رفض هذا الخروج عن الشوري
والبيعة وفي أوانها التي اعتادها الناس، ونفورهم الصارخ من
فكرة التوريث التي قال له بعضهم عنها : " تريدون أن
تجعلوها هرقلية، كلما مات هرقل قام هرقل ؟!!
ربض معاوية ولكن إلي حين، فقد سيطرت عليه الفكرة حتي
اعتنقها اعتناقا لا يتزحزح عنه، يواريها ويسكت علي مضض
عنها، ولكنه يتحين لها الفرص ويتوسل لها بالخداع والحيلة،
وبدت فرصة تجديد المحاولة حين توفي الحسن بن علي، وكذا
زياد بن أبيه الذي كان معاوية يطمع في عدوله عن الرفض بعد
أن آخاه وألحقه بأبيه أبي سفيان ! ولكن الذي لم يعمل
معاوية حسابه، هو قريبه وواليه الأموي علي المدينة : مروان
بن الحكم.. لم يفته فتور تحركه للدعوة للتوريث وظن به أنه
ربما أرادها لنفسه، فبادر معاوية بعزله، وولي بدله سعيد
ابن العاص، وانتهز فرصة موسم الحج، ليخرج ويتولي بنفسه
تليين أهل الحجاز لينال ما يريد !!.. فلقي بكل من المدينة
ومكه مايكره من الصحابة وكبار أبنائهم، وعلي رأسهم عبد
الله بن الزبير والحسين بي علي وعبد الله بن عمربن الخطاب
وعبد الرحمن بن أبي بكر، وخيروه بين ما فعل الرسول عليه
السلام الذي لم يستخلف أحدا وترك الأمر للمسلمين، وبين ما
فعله أبو بكر الذي أشار برجل من قاصية قريش لا يمت له
ببنوة ولا بقرابة مقترحا علي الناس أن يبايعوه إذا ارتضوه،
وأخيرا ما فعله عمر حين جعل الأمر شوري لستة ليس فيهم ولده
ولا أحد من بيته ! هنالك أدرك معاوية أنه لا سبيل إلي
احتياله، فعاد ونادي في الناس ليجتمعوا إليه في المسجد
لأمر يهمهم، بينما أمر صاحب حرسه بأن يقيم علي رأس كل رجل
من المعارضين رجلين مع كل منهما سيف ليضرباه بسيفيهما إذا
ردَّ علي معاوية قوله، فكان لمعاوية ما أراد من أخذ البيعة
كرها بعد أن أعياه أن يأخذها رضاءً !!!
كان هذا التحول المدفوع بلاشيء غير العاطفة الأبوية تحولا
خطيرا في دولة الإسلام التي قامت فيما سلف علي الشوري،
وظلت الأمة الإسلامية تعاني توابع هذا التحول وتداعياته
ثلاثة عشر قرنا، بدأت المواجهات بفتن وإحن وثورات، سالت
فيها دماء، سواء في مأساة الحسين بن علي في كربلاء، أم في
حصار الكعبة واستباحة مكة ثلاثا بعد مقتل عبد الله بن
الزبير الذي سبقه قتل أخيه مصعب بالعراق، أم في ملاحقة
المختار الثقفي والقضاء عليه وعلي حركته عبر دماء زكية
سالت بسبب فكرة " التوريث " التي راقت لمعاوية وراقت لمن
جاءوا بعده، وكيف لا تروق ومحبة الأبناء والانحياز لهم
فطري وجبلي ومحبب للنفوس، كل هذا جري أعمي ضريراً بلا
تبصر، مع أن التاريخ القديم والحديث في الشرق وفي الغرب قد
حفل بمشاهد دماء غزيزة سالت علي جدار السلطة، ودلت الدماء
التي سالت علي أن عشق السلطة والهيام في حبها قد دفع أبناء
إلي قتل آبائهم تعجلاً للسلطة، وحَضَّ آباء علي قتل
أبنائهم صبراً خشية منهم علي سلطتهم !!.. ذلك أن تحكم
الأهواء والنوازع يعطل العقول والأفهام، فراق لخلفاء
معاوية ما راق له، وصار " التوريث " سنة متبعة في الدولة
الأموية، ثم في الدولة العباسية وفي الدويلات التي خرجت
منها فترات ضعفها كالفاطمية والأيوبية والطولونية
والإخشيدية والغزنوية والبويهية وغيرها.. صار " التوريث "
هو ديدن جميع الحكام، وربما أخذت بعضهم المحبة للعدد من
بنيهم فورثوهم تباعا كما فعل عبد الملك بن مروان مع أبنائه
الوليد وسليمان ويزيد وهشام.. لم يقطع تسلسلهم علي سدة
الحكم سوي ابن عمهم عمر بن عبد العزيز توسط سليمان ويزيد
والذي تلاه أخوه هشام، ثم من بعده وليد بن يزيد.. كان هذا
كله خروجا عن مباديء الإسلام، وعن سنة الراشدين، حتي رأينا
المهدي يعهد لولديه الهادي ثم هارون، ورأينا الهادي يتخذ
كل المعاذير لخلع أخيه هارون والبيعة لابنه جعفر لولا أن
عاجله الموت الذي كثرت الروايات بأنه بفعل سُمًّ دُس له من
الخيرزان التي كانت ميالة لابنها هارون، ثم رأينا هارون
الرشيد يعاود ما ارتآه أبوه وعبد الملك بن مروان، فيعهد
تباعا لأولاده الأمين والمأمون والمؤتمن، دون أن يعمل
حسابا واعيا عاقلا لعشق السلطة وسيطرتها علي النفوس التي
هيأت في النهاية للأخ قتل أخيه، فمات الأمين قتيلا بأمر
أخيه المأمون في رواية طويلة ذكرها الطبري وذكر فيها أن
الأمين وقد استشعر المراد به أخذ يقول لقاتليه : " ويحكم !
إني ابن عم رسول الله صلي الله عليه وسلم، أنا ابن هارون،
وأنا أخو المأمون، الله الله في دمي " ! ولكنهم صموا
آذانهم كما أوصدوا قلوبهم وضربوه بالسيف، وتكاثروا عليه
وعرقبوه، ثم هجموا عليه وحزوا رأسه حزّاً كالخراف، وحملوا
رأسه في " طست " إلي شقيقه المأمون الذي فرح برأس أخيه
ونصبها للناس (؟!) علي باب " الأنبار " !!
هذا هو عشق الملك والرئاسة والصدارة والسلطان وما يؤدي
إليه، وقد هالني ما رأيته شرقاً وغرباً وأنا أعد مادة كتاب
: " دماء علي جدار السلطة " !.. رأيت عشق هذا السراب تهون
أمامه الدماء، وتتلاشي الأبوات والبنوات والأخوات
والقرابات والعلاقات والمحبات، ورأيت كيف يتجمد قلب الأب
فيقتل ابنه صبرا لأنه اعتقد أو ظن أنه طامع في السلطان،
ورأيت الابن تتجمد وتتلاشي كل عواطفه فيقتل أباه أو ينفيه
إن رَقَّ قلبه ! ليقفز إلي كرسي العرش الذي يتعجل الوثوب
إليه، ورأيت الأخ يقتل أخاه أو يحبسه طوال عمره مقنعاً
بقناع حديدي، لاتحركه عاطفة أخوّة ولا رابطة دم، وإنما هذا
الجشع الواهم لسلطة خادعةٍ كالسراب، كم سالت وأريقت من
أجلها دماء، وضاعت وضيعت مصائر دول وشعوبوأمم !
لقد أكد رئيس مصر، وصادقه نجله، أنه لا سبيل ولا نية في
مصر إلي توريث، ولكن اليعاقبة الذين صاغوا تعديل المادة /
76 من الدستور وضعوا صياغة عجيبة محرضة علي هذه الفكرة
السقيمة الضريرة، بأن رتبوا في النص الشيطاني لصيغةٍ
للإنتخابات التالية تخلو من أي منافس، وتغري وتحرض علي
التقدم بقالة إنها انتخابات واقتراع برغم عدم وجود مرشح
منافس فهكذا صاغوا النص المعدل، وهم يعلمون ويعلم الناس
الذين يظنونهم جهلاء عميان أغبياء يعلمون أن الإقتراع علي
" واحد وحيد " هو " التوريث بعينه " مهما اختلفت المسميات
ومهما علت الأهازيج والطبول وأسدلت الستائر علي ما وراء
الكواليس وأطلقت بالونات الخداع ؟.!! وهم يعلمون فيما
يعلمون أن الاستفتاء المغلوط الذي أجري حول تعديل المادة
76 من الدستور لا يطهر النص من عدم الدستورية الذي شابه من
عدة نواحٍ.. هذه هي قواعد القانون الدستوري وآراء فقهائه،
بل إن الأستاذ الدكتور أحمد كمال أبو المجد نائب رئيس
المجلس القومي لحقوق الإنسان والمجلس القومي للمرأة قد كتب
في مقاله المطول عن الإصلاح الدستوري بأهرام 4 أغسطس 2005
أن الاستفتاء ذاته قد أجري بأسلوب غير صحيح !!!
أيها السادة نصيحة صادقة خالصة : دعكم من المزينين
المحرضين اليعاقبة ومن الساكتين عن الحق، ولاتستخفوا ولا
تستهينوا بعقول وأفهام وغضبة الشعوب !!!.. ودعونا معا نصل
بمصر المحروسة إلي بر السلامة والأمان !!