ذات مرة كان لدينا تليفون ضعف صوته دون مبرر وبلا سابق
إنذار.. باستدعاء خبير فني اتصالات وشهرته عامل مصلحة، ومع
أننا شرحنا له الحالة مقدما.. والتي تمثلت في أن «عدة
التليفون» أصابها الاستقرار.. إلا أنه حضر ومعه سلم وأسلاك
وعلبة سجائر وحزمة بقدونس.
استقبلنا المذكور بكل ترحاب، مع التنويه بإمكانياته
والتمجيد في إنجازاته.. هذا مع أننا لم نسمع عنه قبلا..
وأن من اقترح حضوره هو الخواجة جورج جارنا.. بدأ السيد
التكنولوجي بخطبة عصماء تضمنت معارفه وسابق شهاداته
ومستقبل توقعاته، مركزا علي أن اختياره هو الأفضل.. «وليه
تروح بعيد لما ممكن تلاقي أقرب».. وأنه سوف يكون أمينا علي
المصلحة «الخاصة بنا».
طلب بعدها توفير جو خاص من الاستقرار من أجل إنجاز المهمة
والرسالة.. وقد كان.. شايا وموسيقي وهدوءا وتهوية مركزية
وإضاءة مبهرة.. وفرنا له كل شيء، الكل في خدمته، القرار
قراره، والأمر أمره.. وبدأ العمل.
وضع الرجل شاكوشا ومفكا وقلم رصاص علي جنب، وفوطة ومرآة
ولوح خشب علي الجانب الآخر.. وجلسنا منبهرين بالنظام..
ننتظر الفرج.. وبدأ النشاط.
أخذ الفني يفك «العدة» بكل حرص، وبمنتهي الدقة يأخذ قطعة
ثم يرميها «أي يلقيها بعيدا» قائلا بثقة الخبير الدولي: دي
مش مهمة.. يلتقط بعدها قطعة أخري كي يضعها بعيدا.. مرددا:
دي مالهاش لازمة.. كرر نفس الفعل ونحن أقل انبهارا.. مما
دفعني للقول - بمنتهي الرقة والخجل - أمال يعني حضرتك، لو
قصدي سيادتك الحاجات دي مالهاش فايدة.. يعني جنابك.. تفتكر
عنايتك المصنع الألماني عملها وركبها هنا ليه؟.
امتدت يد الرجل للشاكوش لاشعوريا.. واتجه بصره نحو المفك
المعدني.. تراجعت بسرعة قائلا: لكن ممكن نكون مش فاهمين..
هو التليفون إيه غير حتة سلك زي ما الباشمهندس قال.. هما
الألمان حايعرفوا أكتر مننا؟! تذكرت النكتة التي تقول:
«الأسطي حسن سواق هايل إحنا اللي مش عارفين نركب» وقلت في
سري: ربما.. من يدري؟!.
أفرغ الرجل التليفون من مضونه.. والعدة من محتوياتها.. ثم
طلب شايا وقهوة ووجبة وسجائر ومشروبا باردا.. كل هذا
وتتجول نظراتنا ما بين حطام التليفون وبقايا الطعام..
وأفكارنا ما بين حلم ضائع وأمل واهن.. مشجعا الأسطي علي
استئناف العمل.. قلت ضاحكا: أظن الشغل مش محتاج غير دقائق
من وقتك، ده ممكن تعمله وانت مغمض.. صح؟ لم يرد الرجل
وإنما ظل مركزا بصره علي سقف الصالة؟!.
وفجأة قال: وجدتها.. همس أخي: «نيوتن عندنا.. وافترحتاه»
وأكمل الأسطي: عندي خطة للتليفون ده.. حا اعمل له تعديل
يبقي أحسن من الجديد بحيث تتكلم وتسمع وانت بعيد عنه.. «لم
يكن اللاسلكي والمحمول والمنقول قد ظهرت».
حسنا.. قلنا في نفس واحد.. نبدأ الآن كي نغيظ الجيران
ونقهر الأعادي.. ونسمع أم كلثوم: «حبيبي يسعد أوقاته ع.
الجمال سلطان».. قال بكل خشوع: «أبدأ بكرة.. لأني تعبت
النهاردة.. والخطة في الورشة».
وأكمل بكل جشع: بس عايز العربون والمجهود والعرق
والمواصلات والتموين00 همس أخري مرة أخري: «ناقص يقول
والزراعة والصناعة و.. حا يشكل وزارة» كان لابد مما ليس
منه بد.. دفعنا له مضطرين.. أملا في إصلاح التليفون.. ومر
يوم.. واثنان.. ولم يظهر المذكور.
في اليوم الثالث بدأنا نبحث عنه، دلنا جورج علي مكانه، تحت
بير سلم يقبع، وخلف منضدة متآكلة يسندها بعدة أحجار، وجدته
يتعاطي مشروبا أسود اللون، وبجواره جوزة «شيشة» قديمة مع
آثار دخان أزرق.. تجاهل وجودي، بعدها تجاهل معرفته بعدة
التليفون المنهارة، ثم تجاهل أنه عامل أو صنايعي أو صبي
فني، وأخيرا تجاهل معرفته بذاته قائلا: «مافيش حد هنا
بالاسم ده.. أنا مااعرفكش وماعنديش فكرة عن موضوعك» كدت
أنفجر غيظا: الشكوي لا تفيد، العنف لا يجدي، والتفاهم
أيضا.. وماذا بعد.. العدة مفككة قطعة قطعة.. وبدلا من صوت
التليفون الضعيف الذي بدأنا نشكو منه منذ مدة.. أصبح
الجهاز صامتا تماما.. أصابه الشلل والخرس، تحول الأمل إلي
مجرد أمل في إعادته كما كان قبل وصول المحروس.. ووعود
المنقذ.. خدعنا جورج والسلم، والمرآة والخطة.. والجوزة
والدخان.
تركته عائدا.. قلت لنفسي مؤنبا: ألهذه الدرجة أعطيت عقلي
أجازة؟! وركنت مخي وفكري جانبا؟.. هل من المنطق أن يقوم من
خرب العدة.. بإصلاحها.. أن يقوم من دمر الجهاز بتطويره؟
كيف تناسيت حكمة تقول: فاقد الشيء لا يعطيه.. لكن.. ومع
الحزن المقيم: لا يجدي البكاء علي اللبن المسكوب، وصلت
المنزل.. التليفون جثة هامدة ولابد من جهاز جديد إذا كنا
نريد الكلام.