اليوم سنعرف بعد ساعات المحصلة الحقيقية لتعديل المادة 76
من الدستور لقد كتبت بعد تعديل المادة أقول إنها خطوة
طولها عدة ملليمترات في مشوار الألف ميل علي طريق الإصلاح
السياسي، وبعد أن انتهي المولد يحق لنا أن نقف لنتأمل ما
جري حتي الآن، وما يمكن أن يفضي إليه من نتائج وتداعيات،
ولن أخوض في أي تكهنات عن نتيجة انتخابات اليوم.. عملا
بالمثل القائل «خبر النهاردة بفلوس.. بكرة يبقي ببلاش»!
وبصرف النظر عن الفائز، من المفيد أن نرصد عددا من الظواهر
المهمة، بعض تلك الظواهر إيجابي، لكن الكثير منها سلبي في
تقديري المتواضع، ويبقي لك عزيزي القاريء الرأي النهائي
بطبيعة الحال.
أول تلك الظواهر أن المجتمع السياسي المصري منقسم علي نفسه
بشكل واضح فبعض الأطراف الرئيسية في الحوار الوطني للإصلاح
السياسي مثل حزبي التجمع والناصري قررا مقاطعة الانتخابات
الرئاسية، وانضمت إليهما قوي أخري في هذا الموقف، وقد
رأينا أن تحالف أو ائتلاف المعارضة المكون من الوفد
والتجمع والناصري لم يصمد أمام أول اختبار، ويبقي الإخوان
المسلمون مستعدين، وإن حاولوا التأثير من خارج الملعب، إن
المشهد السياسي أشبه بدوري كرة القدم تجري مبارياته في
غياب عدد من النوادي الرئيسية إما بسبب المقاطعة أو بسبب
الاستبعاد، حالة الانقسام والتشرذم هذه حرمت الجسد السياسي
المصري من فرصة التعافي من الأنيميا السياسية، وأعتقد أن
الحزب الوطني يتحمل كامل المسئولية عن هذه الحالة.
ثاني تلك الظواهر أن البرامج التي طرحها المرشحون
الرئيسيون مجرد تنويعات علي نفس اللحن، فهي جميعا تنتمي
إلي اليمين من حيث الأجندة الاقتصادية والاجتماعية، وأي
متابع لما عرضه الحزب الوطني ولما طرحه حزبا الوفد أو الغد
يدرك ذلك تماما، فليس بين تلك الأحزاب خلاف حول السياسات
الاقتصادية والاجتماعية.. كلها تنحاز لاقتصاد السوق..
وكلها ضد دور قوي للدولة.. كلها تنحاز للأغنياء ولا تهتم
حقيقة بمصالح الفقراء، لقد عاني العمال والفلاحون من
سياسات الحزب الوطني الذي أعلن مرشحه المزيد والمزيد منها
إذا انتخب رئيسا! كما أن حزب الوفد أو حزب الغد لا يقل
تطرفا في اتجاه اليمين أو اندفاعا في اتجاه قوي السوق التي
تعمل لصالح الأغنياء وعلي حساب الفقراء، إذن كان علي فقراء
المصريين أن يختاروا بين الرمضاء والنار! من هنا تبدو
الخسارة الفادحة لغياب اليسار عن هذه المعركة.
الظاهرة الأخيرة التي أود التحذير منها هي إخضاع العملية
السياسية لمنطق وآليات السوق، لقد شاهدنا بكل وضوح محاولات
«تسويق» المرشحين بالألوان والسلوفان.. بالصوت والصورة، إن
جهابذة الحزب الوطني خرجوا علينا بإصلاح «التسويق
السياسي»، وهو تعبير شديد الفجاجة، فكلمة سياسة وما يتفرع
عنها تعني كل ما يتصل بالشأن العام.. بمصالح العباد
والبلاد، وهو ما يتطلب تقديم معلومات وطرح بدائل حقيقية،
أما مجرد لف «البضاعة المضروبة» بالسلوفان وعرضها بالصوت
والصورة والألوان لترغيب الناس فيها، فهذا خداع وتضليل،
وإذا أردنا أن نسمي الأشياء بمسمياتها، فهذا ليس من
التسويق في شيء، بل هو التسويء بعينه! ولذلك، فنحن الآن في
حاجة ماسة ليس فقط لأساليب لترشيد التسويق التجاري، بل
لضوابط لمنع التسويء السياسي!