يحتدم الصراع في الواقع العربي والإسلامي بين رؤيتين
للعالم، رؤية أصولية دينية مغلقة وتكفيرية، ورؤية علمانية
مفتوحة وعقلانية تري في الدين شأنا خاصا وشخصيا بين
الإنسان وربه0
«وقد أصبح الدين ميدانا للصراع حول وعي الجماهير وذاكرتها،
وكانت النتيجة التسييس المتزايد للدين، وغلبة الديني علي
السياسي، والتآكل المستمر للحدود التي تفصل بين مجال الدين
ومجال السياسة، حتي لغة السياسة تراجعت أمام لغة دينية
طاغية تستعمل مصطلحات الكفر والإلحاد عوضا عن كلمات
المعارضة والاختلاف، ومصطلحات مثل التوبة لوصف التراجع عن
المواقف السياسية السابقة0 وهكذا يزداد التصحر السياسي
لحساب الزحف الديني الأصولي بالذات ضمن مجال منفصل وله
خصوصيته»0
هكذا يصف الباحث والمفكر الدكتور «حيدر إبراهيم علي»
النفوذ المتزايد للدين علي السياسة في كتابه الصغير الجديد
«العلمانية المفهوم والقضايا»، وهو الكتاب الخامس من سلسلة
مفاهيم وقضايا التي يصدرها مركز الدراسات السودانية وشعار
السلسلة «وحدة السودان أولا» وهو شعار يستدعي علي التو قول
الدكتور حسن الترابي: «، إن دولة صغيرة تطبق الشريعة في
شمال السودان هي أفضل من سودان موحد لا يطبق الشريعة»0
وينطلق البحث من فكرة أساسية يجري تعميقها باستمرار تقول
بانعدام «رؤية شاملة واستمرار غلبة الوسطية والتوفيقية
المستحيلة»0
وهو يطلق هذه الفكرة الأساسية ويدلل عليها من تاريخ
وممارسات الدولة العربية والإسلامية الحديثة خاصة بعد
مرحلة سقوط الخلافة0 إذ لم يحدث ذلك التركيب الجدلي بين
الماضي والواقع0 ولم تصبح الدولة في العالم العربي أبدا
علمانية حتي في مرحلة بروز الفكرة القومية العربية0 وكان
الموقف الناصري والذي تكرر في التجارب القومية العربية
الأخري تجاه الدين متعايشا، واتسم بقدر من الاستمرارية
والمحافظة في أحيان كثيرة0 وما لم يقله الباحث في هذا
الصدد وهو بالغ الدلالة علي طريقة «استخدام» الناصرية
للدين أن «سيد قطب» الذي انقلب بعد ذلك علي ثورة يوليو ،
وعلي مفهوم الدولة العصرية انقلابا شاملا كان يحضر
اجتماعات مجلس قيادة الثورة حتي عام 1956 كمستشار للتربية
والتعليم، وشارك - طبقا لأمين المهدي - في عمليات التطهير
لأفضل كوادر الجامعات والمدارس وكانت هذه الكوادر ليبرالية
وماركسية0
بل وتتجدد بين الحين والآخر التحالفات السياسية والقائمة
علي أرضية فكرية بين القوي القومية وقوي الإسلام السياسي
حتي لا يكاد المرء يميز إلي أي القوتين ينتمي الخطاب0
ويطابق المفكر محمد أركون «بين الخطاب الناصري والإخواني
من حيث الاتفاق في طريقة تعبئة الجماهير لأن «الفكر
الإيديولوجي يستلزم تفصيل الشعارات الدافعة إلي الجهاد في
سبيل الله وفي سبيل الوطن علي إحداث الوعي التاريخي العلمي
الإيجابي الذي تطمح إليه العقلية الحديثة»0
ويري «حيدر» رغم أن التجارب القومية - بالذات الناصرية
والبعث وجبهة التحرير الجزائرية تتخذ كنماذج للأفكار
العربية الحديثة والدولة الحديثة، إلا أن هذه التجارب علي
أرض الواقع لم تتعد أن تكون امتداداً للماضي والتراث ضمن
سياق تاريخي مختلف أو في عالم حديث0
وأتوقف في مناقشتي لهذا البحث المهم عند قضية العلاقة بين
التيارات الدينية والتيارات القومية لأنها تشكل واحدة من
المسائل المحورية في حركة التحرر العربي في مرحلتها
الجديدة، وتعطل - من وجهة نظري - انطلاق هذه الحركة إلي
آفاق إنسانية أرحب لسبب أساسي هو أن القوميين أخذوا
ينافسون التيارات الدينية قائلين إنهم أكثر ارتباطا بالدين
وذلك في سعي لحشد جماهير بسيطة وأمية خلفهم دون تطوير قيم
الليبرالية المصرية وتوجهاتها العقلانية التي رفعت شعار
الدين لله والوطن للجميع0 ويدري القوميون أو لا يدرون فإن
مشروعهم علي هذا النحو يصب المياه في طاحونة الدولة
الدينية في خاتمة المطاف0 وتدفع قوتان اجتماعيتان رئيسيتان
ثمنا فادحا لتوجهات قيام مثل هذه الدولة هما النساء
والأقباط كضحايا لما يسمي بالإجماع القومي الديني الذي
يخاصم التعدد والحرية الفكرية0
ويتتبع الباحث نشوء مفهوم العلمانية وتطوره في سياق النهضة
الأوربية بداية بالقرن السادس عشر ضمن تطور الإنسانية0
وأنجزت حركة العلمانية بمعني فصل الدين عن الدولة التي تظل
محايدة بين كل الديانات التي تشكل مجتمعا ما- أنجزت تقدما
ملموسا رغم أنها من البداية واجهت تهمة معاداة المسيحية
والدين عموما، وهي التهمة التي مايزال الإسلاميون يوجهونها
للعلمانية رغم معرفتهم بحقيقتها فليس من غايات العلمانية
معاداة أو محاربة الدين، ولكن تأكيد أن السلطة السياسية لا
تكتسب شرعيتها مما هو إلهي ومقدس، بل تقوم علي الاتفاق
والتعاقد بين المواطنين العاديين دون حاجة إلي وسطاء بينهم
وبين الله، أي تحرير الإنسان من الوصاية الدينية
والميتافيزيقية0 والعلمنة هي سيرورة أو عملية تاريخية لا
يمكن وقفها يتخلص فيها المجتمع والثقافة من هيمنة الدين
والرؤي الميتافيزيقية المغلقة0
ومن الأخطاء الشائعة القول بأن العلمانية أو العلمنة هي
معارك ضد الدين من أجل الإلحاد أو اللادينية، فهي في
الواقع ذات طابع إيجابي يؤكد إنسانية الإنسان وإرادته
وقدرة عقله علي فهم العالم، وعلي تدبير شئونه بنفسه0
وحين دخل الفكر العلماني إلي العالم العربي ظهرت فكرة
«إنشاء مجتمع قومي علماني يكون الإسلام فيه مقبولاً
ومحترماً، لا بل مساعداً علي شد الروابط العاطفية بين
المواطنين، دون أن يكون مصدراً للسياسة»0
وما تزال هذه المعركة دائرة حتي الآن في العالمين العربي
والإسلامي علي أشدها حيث يعلو صوت الخطاب الديني في ظل
الهزيمة0
ويبقي هذا الكتاب الصغير الحجم الكبير القيمة في حاجة إلي
أن تدور حوله نقاشات في المحافل الثقافية والسياسية ويتحول
إلي مادة تثقيف في الأحزاب والمنظمات الديمقراطية حتي تعم
فائدته0