كانت مفاجأة سارة للأوساط الثقافية المصرية والعربية
أن يطلق سراح الشاعر السعودي علي الدميني ورفاقه المحبوسين
في الرياض منذ عامين، ذلك أن الملك عبد الله - خادم
الحرمين - استهل حكمه للسعودية بعد وفاة الملك فهد، ببادرة
طيبة هي العفو عن المعتقلين السياسيين في سجون السعودية،
وعلي رأسهم الدميني، والكاتبان متروك الفالح وعبد الله
الحامد.
وكان الثلاثة ضمن جماعة فكرية تنشط حقوقيا في إطار «دعاة
الإصلاح السياسي» والدستوري في السعودية وهي جماعة نشأت
منذ سنوات قليلة حينما انفجر الحديث عن ضرورة الإصلاحات
الديمقراطية والدستورية في البلاد العربية، وكان تكوّن هذه
الجماعة استجابة طبيعية للنزوع الإصلاحي الذي صار شعار
النخب الثقافية العربية وشعار الأنظمة العربية علي السواء
بصرف النظر عما تخفيه ضمائر الأنظمة!
وأصدرت جماعة «دعاة الإصلاح الدستوري» هذه بيانات ومقالات
تطالب بوضع دستور للمملكة العربية السعودية «ومعروف أن
السعودية ليس فيها دستور!» وبالفصل بين السلطات: التشريعية
والقضائية والتنفيذية، وغير ذلك من مطالب تهدف إلي إقامة
دولة حديثة في عصر حديث.
وفي أوائل عام 2004 تم اعتقال حوالي عشرين ناشطاً من دعاة
الإصلاح السياسي وغيرهم وبعد شهور قليلة طُلب من الجميع
توقيع تعهدات بعدم العودة إلي ذلك النشاط السياسي الدستوري
كشرط للإفراج عنهم، وقد وافق كثيرون علي هذا الشرط، وتم
الإفراج عنهم بعد كتابة التعهد كانت وجهة نظر هؤلاء
الموقعين أن الخروج من السجن ومزاولة النشاط والعمل أكثر
إيجابية وفائدة من البقاء فيه لكن نفرا من المحبوسين لم
يوافق علي الشرط، ولم يوقع التعهد من هؤلاء ثلاثتنا:
الدميني والفالح والحامد.
وفي أثناء الحبس صدرت ثلاثة كتب في بيروت، تتضمن توثيقا
للقضية وللوقائع: اثنان منها لعلي الدميني، واحد بعنوان
«نعم في الزنزانة لحن» يتضمن قصائد لعلي الدميني حول
الحرية والوطن والقهر والعدالة الغائبة، مع تقديم للناشط
الحقوقي العربي المعروف د. هيثم مناع، والثاني بعنوان «زمن
للسجن، أزمنة للحرية» قدمت الأهالي من قبل عرضا له بقلم
فاطمة ناعوت، ويتضمن مذكرات الدميني في السجن، ووقائع
التحقيقات معه، ودفاعه السياسي ضد التهم المنسوبة إليه،
فضلا عن مجموعة من القصائد الجميلة التي كتبها الشاعر في
الزنازن التي تنقل فيها بين عليش والدمام والرياض.
أما الكتاب الثالث فهو «ربيع السعودية ومخرجات القمع» قدمت
الأهالي من قبل عرضا له بقلم فاطمة خير ويتضمن توثيقا
للبيانات والمقالات والنداءات والتحليلات السياسية التي
صدرت عن «دعاة الإصلاح السياسي»، كما يتضمن عرائض الاتهام
والدفاعات السياسية.
تمحورت التهم الموجهة إلي هؤلاء المثقفين الوطنيين «شأن
تهم الأنظمة العربية لمثقفيها» حول: إشاعة الفتنة، بذر
الخلاف بين أبناء الشعب، إثارة التحزب المهذبي، الغض من
الدين الدين، تخريب السلام الاجتماعي، الإزدراء بالشريعة،
الانقلاب علي نظام الحكم».
ومن مفارقات هذه القضية أن دعاة الإصلاح السياسي كانوا قد
قابلوا الأمير عبد الله قبل اعتقالهم أكثر من مرة، أثناء
أن كان وليا للعهد، وقد أعلن لهم أنه يؤيد مطالبهم، وأن
مطالبهم هي توجهات النظام الحاكم!.
وطوال عام 2004 ارتفعت أصوات التضامن مع دعاة الإصلاح
السياسي، في سائر الأوساط العربية، الثقافية والحقوقية،
مطالبة بالإفراج عنهم، لكن السلطات السعودية لم تلق بالاً
لهذه الأصوات المتضامنة؛ بل إن محاكمة صورية سريعة أصدرت
في مارس الماضي بعد عام كامل من الاعتقال حكمها علي
الوطنيين الثلاثة بالسجن مددا تتراوح بين ست سنوات وتسع
سنوات، وأضافت إلي المحبوسين حكما بالسجن مدة مشابهة علي
المحامي الذي كان يدافع عنهم!
كان من أبرز التضامنات مع المعتقلين السعوديين، تضامن
الحركة الثقافية المصرية، إذ أصدرت مجلة «أدب ونقد» و«لجنة
الحريات بحزب التجمع» بيانا تضامنيا طالبوا فيه بالإفراج
الفوري عن الوطنيين السعوديين السجناء، وقد وقع عليه مئات
المتضامنين، كما عقد حزب التجمع مؤتمرا تضامنيا حاشدا شارك
فيه رهط من كبار المثقفين والحقوقيين المصريين، وألقي فيه
د. رفعت السعيد رئيس حزب التجمع كلمة تضامنية موجزة، كما
تشكل وفد صغير انبثق من المؤتمر حمل بيان التضامن إلي
السفارة السعودية بمصر، وسلم البيان للمستشار الثقافي عن
هؤلاء المثقفين المستنيرين بعد حكم المحكمة الجائرة ولكن
تولي الملك عبد الله الحكم حمل معه المفاجأة الكبيرة
بالإفراج عنهم والالتقاء بهم، مما جعل هؤلاء الوطنيين
يستبشرون خيرا مع الملك الجديد ويبايعونه علي القيادة،
تطلعا منهم إلي عصر مختلف.
والمثقفون المصريون والعرب يستبشرون كذلك بهذه البادرة
الطيبة التي تستهدف انجاز صلح وطني عام، وتسعي إلي جبهة
داخلية متراصة، ولذلك فإن الحركة الثقافية المصرية
والعربية تأمل ألا تكون هذه البادرة الطيبة مجرد لمسة
كريمة سامية وحيدة منعزلة، بل أن تكون خطرة أولي في طريق
سيتواصل ويطرد فتتلوها خطوات وخطوات.
كما نأمل أن يكون الإفراج عن هؤلاء الدعاة منطويا علي قدر
من الاعتراف بعدم تأثيم مسعاهم الإصلاحي، وعلي قدر من
الاعتراف بصحة مطالبهم المشروعة، وهو ما يعني العمل علي
تنفيذ كل - أو بعض - رؤاهم الفكرية الهادفة إلي تقدم الوطن
نحو المدنية والديمقراطية والتحديث والعدل.
والحق أن السعودية بلد أساسي في المنطقة العربية وفي
الشرق، ولذا فإن أي تطور بها نحو الإصلاحات السياسية
والاجتماعية والفكرية سيلقي بظله الإيجابي المؤثر علي
الوطن العربي والعالم الثالث كله.
هذا هو الحلم الذي راودنا من جراء البادرة الطيبة بالإفراج
عن علي الدميني ورفاقه.