المخاوف من الشرعية «المتجرحة» للرئيس القادم، وما قد
ينجم عنها من انهيار دستوري، لابد أن تؤخذ في الاعتبار،
المؤشرات مازالت تؤكد أن الإقبال علي التصويت سيكون
محدودا، وقد لا يتجاوز كما قال لي أمين للحزب الوطني بإحدي
محافظات قبلي 12 - 13%، فأي شرعية ستكون لرئيس ينجح بـ 3.4
مليون صوت، من بين 5.32 مليون ناخب، هذا عدا عما يحوط
بالشرعية أصلا من عوار نتيجة الخلل الدستوري والقانوني
والإجرائي الممسك بخناق العملية الانتخابية برمتها، من لهم
بصيرة، من أهل الحكم، وما أندرهم، مرعوبون، وهم يعرفون أن
الحشد الحكومي والتزوير، أصبحا كالرزق للفقير، صعبا
المنال، رغم أن النية موجودة، والرغبة قائمة، حيث يموت
الزمار وأصابعه تلعب، هناك من الدلائل ما يؤكد أن قوي
السلطة كلها، وليس الحزب الحاكم وحده، درسوا عدة
سيناريوهات، لتفادي مأزق عدم الخروج من البيوت، أو عدم
الذهاب إلي اللجان بالتحديد يوم 7 سبتمبر، وحيث لم يعد في
جعبة أهل الخيال التعبوي القديم، ما يقدمونه، فقد تم
الاستقرار علي إسناد المهمة إلي الحشيدة الجدد، وأعني بهم
هنا رجال البزنس الكبار المرتبطين بفريق لجنة السياسات،
وقد قيل لهم صراحة أو ضمنا إنه اختبار لقدرتهم علي الحكم
والسيطرة، واختبار لقياس استعدادهم لدفع الثمن إذا كانوا
يريدون للمسيرة الاقتصادية، التي وصفها نجيب ساويرس مثلا
«وآخرون» بأنها «مفيش أحسن من كده»، يريدون لها أن تستمر،
دون أن ينغص عليها القديم البيروقراطي والشمولي، وعليهم
إثبات جدارتهم بحشد الناخبين بكل الوسائل - الحداثية - يوم
التصويت، دون الارتكاز إلي القطاع الحكومي أو العام، أو
حتي القطاع الخاص التقليدي، «اللي يدوب بيلزق يافطة ويحط
عليها صورته مع الريس، ويروح يدور علي نحتاية»، أخذا في
الاعتبار أن العيون المحلية والدولية بصاصة.
المهمة تاريخية ومصيرية، ويجب أن يقوم بها ويقودها البزنس
الكبير العولمي بطبيعته، وحده، حتي لا يعايره أحد بأنه
سنده، ويطالبه بنصيب في الكعكة، غير أن العبد في التفكير
والرب في التدبير.. فقدرات البزنس الكبير في مصر يمكن
حسابها بالورقة والقلم، ليس بحساب فرص العمل التي وفرها
فقط، ولكن حتي بحساب دوائر نفوذه آخذا في الاعتبار أن
الجغرافيا تعاندهم وبافتراض أن في مصر 70 - 80 رجل أعمال
كبار، كما قال أهل البنوك والحكم أنفسهم مرارا، فإن الطاقة
التعبوية لهؤلاء، وبحساب كل مساعدات التدريب والإمدادات
والتمويل والتأثير، لن تتجاوز المليون ناخب إضافي، وهذه هي
المعضلة التي لم يجد لها طاقم مرشح الرئاسة حلا حتي هذه
اللحظة، أو ربما وجدوا ولا يريدون إلا مفاجأتنا به، وعلي
المعسكر الرافض الذي يؤمن بأن العملية الانتخابية تمثيلية
ألا يستهين بما في جعبة الحاوي، ففي الاعتقاد بأن شهوة
الشعور بأن بين الثوار الجدد «قيادات أمانة السياسات»
وحلفاؤهم من رجال البزنس والفاينانس والكوميونيكشن و..
و..، وبين الحلو «السلطة» لحظة، أو فركة كعب، هذا الشعور
سيولد، فضلا عما ظهر، دافعا جبارا لمحاولة إنجاح عملية
السابع من سبتمبر - أيلول، لذلك، وفي المقابل، فإن المرء
يتصور أن عملا حشدويا مضادا، هو الآخر، ضرورة حياة، يكون
هدفه، ليس المقاطعة بمعني الترييح في المنزل، ولكن الاتجاه
إلي الصناديق، للشطب علي كل المرشحين، أو للضغط من أجل أن
يكون في بطاقة التصويت بعد إعادة طبعها، الخانة رقم 11 -
بعد المرشحين العشرة - للمقاطعين، إن الإقبال الواسع سيوفر
أفضل ساتر ترابي للحماية من الزحف التزويري، فضلا عن أنه
سيبعث، في حالة فوز المرشح مقاطعة (رقم 11 ورمزه *) بمقعد
الرئاسة، برسالة تأكيد علي أهمية خلق شرعية جديدة للسلطة
في هذا البلد، لن تنهار مصر إذا فاز السيد مقاطعة، فكل ما
يتطلبه الأمر، من تصليح للتعديل الدستوري ولقوانين
الانتخابات، وقضايا الجداول والإشراف القضائي إلخ، يمكن
إنجازه، في فترة قصيرة، وبشكل شرعي، وذلك أفضل ألف مرة، من
شرعية عليلة عيونها «مكسورة» بما اقترفه أهلها، مطلوب من
هذه اللحظة إعطاء مساحة لائتلاف المقاطعة، ولرموزه، التي
منها خالد محيي الدين وإسماعيل صبري عبدالله ويحيي الجمل
وضياء الدين داود وطارق البشري ومحمد السيد سعيد، ذات
المساحة المعطاة في أجهزة الإعلام ولا أقول، ذات التسهيلات
المادية أو الإدارية، ليعبر عن رأيه، ويدعو الناس إلي
التصويت للمرشح رقم 11. كلما ضاق الملعب التصويتي كلما
تمكن أهل البزنس من السيطرة عليه وعلي العملية السياسية
برمتها، فهم لا يبغون إلا جماهير لاستيفاء الإجراء، غير أن
توسيع الملعب، وهذا هو التحدي أمام حشيدة المقاطعة، هو
وحده الكفيل، بخلق سياسة حقيقية، سياسة بمعناها الأرسطي
هي: فن تحقيق المنافع للناس، محكومة بتوازنات عادلة وعصرية
وطبيعية، وليست سياسة لأهل «جيل المستقبل» وشباب النيولوك
وأترابهم، لم تكن مصادفة أن أعلي نسبة إقبال في انتخابات
نيابية جاءت عام 1951 «الانتخابات التي أشرفت عليها حكومة
حسين سري باشا»، أي في فورة الغليان المصري من أجل
الاستقلال والحرية وبإمكاننا جعل يوم 7 سبتمبر، يوما لثورة
جديدة، بمضامين أغني، تنتصر للحرية والعدالة والاستقامة
والعقلانية، ولكل ما هو أخضر في عقول وقلوب أهل المحروسة.