لقد أدي إسراف وبذخ الخديوي إسماعيل كما هو معروف إلي
الاستدانة من الدول الأوروبية وما جره علي البلاد من كارثة
الديون وتدخل الدول الأجنبية في شئون البلاد، وما انتهي
إليه هذا التدخل من إعلان إفلاس الخديوي وإنشاء صندوق
الدين العام وفرض الرقابة الإنجليزية علي ماليتها واستيلاء
أصحاب الديون الأجنبية علي إيرادات السكك الحديدية
والجمارك والملاحات والضرائب، ورهنت المحاصيل الزراعية في
الأرض، ورهنت مديريات - مثل الشرقية والمنوفية والجيزة
بكاملها - وفرض وزير إنجليزي علي المالية وآخر فرنسي علي
الأشغال بحجة تنظيم الشئون المالية وتحصيل فوائد الديون
وشغل الموظفون الأجانب الوظائف المهمة برواتبهم الكبيرة
وطرد مئات الموظفين المصريين بحجة ضغط المصروفات، وقد أثار
هذا التدخل الأجنبي واستبداد حكم الخديوي إسماعيل وفساده
إلي إثارة النفوس وزيادة السخط الشعبي وإلي نهوض الحركة
الوطنية التي وجدت في جمال الدين الأفغاني القوة المحركة
لمعارضة حكم إسماعيل والتدخل الأجنبي
كما كان الأفغاني وراء إنشاء الصحافة السياسية المعارضة
وإقبال الصحف علي معالجة الشئون السياسية وكان له فضل كبير
في إثارة اهتمام ووعي الجماهير بالمشاكل الداخلية.
ووجدت دعوة الأفغاني إلي الحرية والدستور والثورة صداها
لدي كل فئات الشعب ودعوة مريديه باتجاه الدفاع عن حقوق
الشعب في الحكم الشوري الدستوري.. وقد أدت هذه الروح
الثورية والأفكار الجديدة التي أشاعها الأفغاني إلي التفاف
الفئات المثقفة والنخب السياسية حوله ومعظمهم من أبناء
البعثات التعليمية التي كان محمد علي قد أرسلها إلي
أوروبا، وأخذ مجلس شوري النواب المحدود الاختصاص يوسع من
سلطته ويثبت وجوده، وبمرور الزمن تحول إلي برلمان يشعر
أعضاؤه بواجبهم مسترشدين بالمباديء الدستورية الصحيحة،
وأصبح شعار النواب.. «مصر للمصريين»
حملات شعواء ولقد شهدت الحياة النيابية منذ عام 1876 تطورا مهما
تميز بظهور المعارضة الوطنية الديمقراطية الصريحة لمجلس
شوري النواب لنظام حكم إسماعيل والتي ظهرت في مناقشات
الأعضاء ومطالبهم، وبلغت قمة تطورها مع مجيء وزارة أرتين
نوبار باشا المختلطة في أغسطس 1878 والتي تضم وزيرا
إنجليزيا للمالية وآخر فرنسي للأشغال ومصطفي رياض باشا
وزيرا للداخلية، وتضايق الشعب من مسلك الوزارة في الحكم
وانعكس هذا الضيق والسخط في نفوس النواب الذين شنوا علي
الوزارة حملات شعواء وتداولوا الرأي في الأحداث الجسام
التي تمر بها البلاد، وردوا علي خطاب العرش بقولهم: «نحن
نواب الأمة المصرية ووكلاؤها المدافعون عن حقوقها
والمطالبون لمصلحتها..» وأخذت الوزارة تتهرب من عرض
المسائل المالية علي مجلس النواب؛ فوقف النائب محمود
العطار وهاجم رئيس الحكومة نوبار باشا بقوله: كيف يخفي علي
دولتو رئيس النظام أن للأمة المصرية نواباً، كيف تضيع تلك
الحقوق في عهد تؤمل فيها الأمة فيه نيل كمال حريتها وغاية
حقوقها وأن كل دولة تقدمت كان أساس تقدمها اشتراك النواب
في أمثال ذلك.
وكانت هذه الحملات تجد استجابة في نفس الخديوي إسماعيل
الذي ينظر إلي المسألة من زاوية مصلحته الشخصية ألا وهي
التخلص من الوزارة التي تضم وزيرين أجنبيين والتي قيدت
سلطته وغلت يده عن التصرف في أموال الدولة والضرائب
العامة.
وفي نفس الوقت اندلعت انتفاضة الجيش ضد وزارة نوبار، الذي
أصدر قرارا بإقصاء 2500 ضابط مصري من الخدمة وذلك بهدف
إضعاف العنصر المصري في الجيش « الذي كان لا يزال يسطر
عليه الأتراك والشركس والألبان» بحجة عجز الميزانية.. فثار
الضباط المصريون ونظموا مظاهرة حاشدة في 18 فبراير 1879
واشترك فيها أعضاء من مجلس النواب تضامنا معهم واتجهوا إلي
وزارة المالية واعتدوا علي نوبا باشا بالضرب واحتجزوه ومعه
رياض باشا وزير الداخلية والوزيران الإنجليزي والفرنسي
وكانت النتيجة أن أجبرت وزارة نوبار المختلطة علي
الاستقالة، وقد قبضت السلطات علي أحمد عرابي وزميليه محمد
بك النادي وعلي بك الروبي بتهمة التحريض علي المظاهرة ثم
أطلق سراحهم فيما بعد.
سلطة النواب خلفت وزارة نوبار وزارة محمد توفيق ولي العهد وأدخل
الوزيرين الأوروبيين فيها وتسلم رياض باشا وزارة الداخلية،
وأدرك الخديوي أن سلطة النواب قد جاوزت حدها وأن «وكلاء
الشعب» باتوا خطرا عليه، وخشي أن يؤدي الوعي الدستوري في
البلاد إلي حدوث أزمة، وقرر حل مجلس النواب، وكلف رياض
باشا وزير الداخلية بإبلاغ المجلس بقرار الحل، وتوجه في 27
مارس 1879 إلي مجلس النواب يبغي فضه فعارض النواب هذا
القرار ورفضوا أن تبطش بهم الحكومة وتعبث بالدستور.
جرت وقائع الجلسة علي النحو التالي:
أحمد رشيد باشا رئيس المجلس: عطوفتكو أفندم رياض باشا ناظر
الداخلية شرف الجلسة حاملا أمرا عاليا سيتفضل بتلاوته
عليكم.
رياض باشا وزير الداخلية: قبل أن أتلو علي حضراتكم الأمر
العالي الصادر من مولاي ومولاكم أقدم لحضراتكم جزيل تشكرات
الحكومة علي ما أبداه المجلس من نشاط في نظر المسائل التي
عرضت عليه وإني أتلو علي حضراتكم الأمر المشار إليه وهو
يقضي بفض المجلس.
عبد السلام المويلحي بك: لا أري معني لتشكرات الحكومة لنا
فإننا لم نقم بعمل إلي الآن يكون له ولو شبه فائده قد عادت
أو ستعود علي البلاد فما هي المآثر التي سنتركها وراءنا
لتشكرنا عليها الحكومة فيما لو فرضنا المستحيل وانفض
المجلس.
رياض باشا: مستحيل.. ينفض المجلس، فماذا تقول حضراتكم؟
مستحيل فض المجلس؛ كيف يكون فض المجلس مستحيلا بعد أمر
خديوينا المعظم؛ هل حضرتك فاهم جيدا قيمة مسئولية ما تقوله
الآن؟.
عبد السلام المويلحي : نعم أنا فاهم وفاهم جيدا جدا ما
قلته ومقدر مسئولية ما أقوله تماماً.
رياض باشا: هل حضرتك تتكلم عن نفسك فقط، وهل إخوانك
يوافقونك علي هذا الكلام؟ ما أظن أن حضراتهم يوافقونك علي
ذلك مطلقا.
محمود العطار بك: موافقون البك المويلحي علي ما قال.
عثمان غزالي: أنا والله موافق المويلحي بك بجوارحي علي
أقواله.
عبد الشهيد بطرس: أوافق عبد السلام المويلحي بك علي ما
قاله وما سيقوله مقدما.
رياض باشا: إذن أنتم جميعا عصاة.
عبد السلام المويلحي بك: حلمك يا باشا لا تغضب سريعا،
والآن الحمدلله قد ظهر لعطوفتك موافقة إخواني لأقوالي وهم
يعرفون كلهم مقدار المسئولية التي قلت عنها عطوفتك
ويقدرونها حق قدرها؛ فاعلم يا عطوفة الناظر أن من الغريب
أن تحمل لنا أمراً عاليا اليوم يقضي بفض المجلس، وهذا
الأمر العالي مبني علي غلطة جوهرية فاضحة لأنها في الواقع
مغالطة رمزية من الحكومة السنية لمجلس نواب أمتها، وهي كيف
جاز للحكومة أن تبني الأمر العالي بفض المجلس علي أن مدة
انعقاده وهي ثلاث سنوات قد انقضت ومع أن الحكومة تعلم
والنواب يعلمون جميعا أن تاريخ الدكريتو الذي صدر لانعقاد
هذا المجلس وبتعيين سعادة أحمد رشيد باشا رئيسا هو يوم 26
ديسمبر 1878، ولم يمض إذن علي دورة المجلس سوي سنة وثلاثة
أشهر، فكيف أصبحت هذه المدة في حساب الحكومة ثلاث سنوات؟
رياض باشا: أما حساب عجيب وغريب يا حضرة النائب.. إن مدة
انعقاد المجلس هي بدء النطق الكريم الذي صدر من مولانا
الخديوي المعظم في حفلة طنطا، فاحسب حضرتك تجد أن المدة
فاتت وزيادة.
عبد السلام المويلحي بك: ما هذا الكلام يا عطوفة الباشا..
حفلة طنطا؟ وما هي حفلة طنطا؟ وما لنا بحفلة طنطا الآن؟
وما هو مقدار رسمية حفلة طنطا..؟ وما قيل من الخطب ردا علي
ما فاه به سمو الخديوي المحبوب في تلك العزومة لحضرات
المدعوين إليها؛ إن الغريب والعجيب هو حساب الحكومة لا
حسابنا.. عزومة شرفها سمو الجناب العالي، وتناول الطعام مع
المدعوين إليها، وقيل فيها كلام وخطب من سموه ومن المدعوين
ولم يدون منها حرف واحد علي الإطلاق، لا بطريقة رسمية ولا
شبه رسمية تفيد أن كلام سموه فيها كان أمراً عاليا له قيمة
القانون ويؤثر في مدة انعقاد مجلس شوري النواب وتحديد تلك
المدة.. أليس هذا الكلام عجيبا وغريبا.. من عطوفتكم
لأمتنا؟
إبراهيم الوكيل: عجيب جدا.. بالله اتركوا عزومة طنطا وما
حصل فيها وخلوا علي رأي المثل العامي «زكايب الهم مقفولة».
رياض باشا: يعني حضراتكم تقلدون نواب فرنسا الذين ثاروا
علي حكومتهم.. وألا يعني حضراتكم الآن بعمائمكم وجببكم مثل
نواب أوروبا وأمريكا؟
أحمد علي العويسي بك: يا باشا أنت الآن شتمتنا. ما هذا
الكلام؟ يعني عطوفتك شتمت نواب أمتك التي تعطيك أنت وغيرك
مرتباتكم الشهرية.
عبد الشهيد بطرس: أنا أعتبر هذه العبارة إهانة من ناظر
الداخلية للمجلس وأطلب إثباتها في المحضر، وأقول لعطوفتك
إن كلامك هذا وقاحة وأن المجلس لا يقبل من ناظر الداخلية
هذه الوقاحة بل يردها إليه.
شيخ العرب أحمد الصوفاني: أوافق حضرة العضو علي رد هذه
الإهانة للناظر وأطلب من المجلس أن ينظرها فيما بعد ليحاسب
عطوفته، إن في البلاد أمة حية ولها نواب أحياء يدافعون عن
كرامتها وكرامتهم.
عبد السلام المويلحي بك: أسمعت ياباشا؟ أرأيت عاقبة تسرع
عطوفتك بالكلام وعدم ضبطك لعواطفك كما قلت في أول كلامي..
يا باشا إعلم أن المسألة ليست مسألة زي وثياب بل إن
المسألة نواب لهم عقول تفهم جيدا رغبات الأمة التي أنابتهم
عنها، واعلم ياباشا أن أهل وطنك ليسوا بأقل شعورا بما لهم
من الحقوق وعليهم من الواجبات مثل الأمم الأخري التي هي في
الواقع أقل منا كثيرا في المكانة المالية والعمرانية، مثل
صربيا وبلغاريا وغيرهما،.. ثم ثق إن كنت تعتقد أن مصر لم
تلد سوي عطوفتك من عهد رمسيس إلي الآن.. أنك غلطان جدا
وألف غلطان ياباشا؛ ألم يكن من العيب الكبير وأنت وزير في
وزارة يزاملك فيها وزيران إنجليزي وآخر فرنسي وهما في
الحقيقة خفيران عليكم وعلي الحكومة، ثم تجمع أمس مساء أمام
هذين الوزيرين الأجنبيين أصحاب الجرائد وهم ميخائيل عبد
السيد وتقلا وأديب إسحق وسليم النقاش وغيرهم وتقول لهم إن
الحكومة عزمت علي فض مجلس شوري النواب غدا فالحذر كل الحذر
من أن تنشروا كلمة واحدة عن هؤلاء النواب في جرائدكم لأنهم
ناس جهلاء وهمج ولا يوجد فيهم عشرة يفهمون ما يقال في
الصحف.. تقول ذلك يا باشا عن نواب بلادك مصر العزيزة ولا
تزن قولك قبل صدوره عنك، ولا تتألم في نجواك من صدوره عنك
ثم تكرره أمامنا اليوم.. يا باشا إننا جميعا درسنا في
الأزهر الشريف وفي غيره، درسنا المعقول جميعه من علوم
البلاغة والأدب والفلسفة والأصول والمنطق، وكذلك قرأنا
المنقول من تفسير وحديث وفقه وتوحيد، ولكن خبرني بالله
عطوفتك ما الذي قرأته وتعلمته أنت من كل ذلك؟ وأين كنت
تدرسه وتتعلمه؟
الشيخ الصباحي: تعلم ودرس في أورطة المفروزة؟! «يقصد
الكتيبة التي أنشأها الوالي عباس الأول باسم المفروزة وكان
رياض برتبة ملازم في موسيقاها».
رياض باشا: هذه وقاحة، هذه إهانة لا أقبلها ولا أسمح بها
لأحد.
حسن عبد الرازق: إن ما قاله حضره عبد ا لسلام المويلحي بك
هو إعراب عن أفكارنا ومطابق مطابقة تامة لآرائنا، ولا يشذ
عنه أي فرد منا، وكلنا متحملون مسئولية هذه الأقوال مهما
عظمت؛ أليس كذلك يا إخواني؟
الأعضاء جميعا وفي صوت واحد: نعم؛ نعم نوافق علي جميع ما
قيل من إخواننا النواب في هذه الجلسة.
رياض باشا: إذن أن منسحب، أنتم عصاة.. أنتم ثوار.
عبد السلام المويلحي بك: يا مصطفي باشا بصفتك سكرتير عام
المجلس لا تحذف حرفا واحدا مما قيل في كتابة المحضر حتي
إذا نقلته جرائد اليوم علمت الأمة والناس جميعا من هم
الهمج.. النظار أم النواب؟
إطلاق حرية القول ثم طلب عبد السلام المويلحي بك إلي هيئة المجلس قرارا
باستمرار الجلسة منعقدة ليل نهار؛ فوافق الأعضاء بالإجماع
واستمر وجود الأعضاء بالمجلس وقاعاته بلا انقطاع، واتفقوا
علي أن يكون ثلث الأعضاء بالتناوب ليبقي في المجلس ليلا
ويبيت به ويحضر بالنهار سائر الأعضاء، وتستمر الجلسة
منعقدة، وكذلك اتفقوا علي إحضار طعام العشاء ليلا لمن يكون
عليهم الدور من زملائهم في المبيت.
ولم يجد رياض باشا وزير الداخلية إزاء إصرار النواب علي
عدم مبارحة دار المجلس؛إلا أن يعرض الأمر علي الخديوي، وأن
يضع تحت نظره رسالة بعث بها النواب إليه يطلبون فيها
بإطلاق حرية القول والخطابة وفرض الضرائب علي الأجانب أسوة
بالمصريين، والاحتجاج علي مسلك الوزارة من امتهانها لحقوق
النواب والاستخفاف بكرامتهم؛ ثم ذكروا في الرسالة بأن
المشروع المالي الذي أعدته الوزارة يعد بمثابة إشهار إفلاس
الحكومة.. وأخيرا اضطرت وزارة ولي العهد محمد توفيق باشا
إلي الاستقالة.
وفي ظل تنامي المشاعر الوطنية العارمة والسخط الشعبي
المتزايد عقد في دار السيد البكري نقيب الأشراف وفي منزل
إسماعيل راغب باشا رئيس مجلس شوري القوانين اجتماعات حضرها
أعضاء مجلس شوري النواب والأعيان وضباط من الجيش وكبار
الموظفين في الدولة ووضعوا مشروع «لائحة وطنية» رفعوها إلي
الخديويي إسماعيل في أبريل 1879، وتتضمن المطالبة بمنح
مجلس شوري النواب حق تقرير الشئون المالية وغيرها من شئون
الدولة، وأن تكون الوزارة مسئولة أمامه في جميع تصرفاتها،
وأمام هذا الضغط الشعبي والوطني قرر الخديوي إسماعيل أن
يعهد بتكليف الوزارة إلي محمد شريف باشا المعروف بميوله
الدستورية؛ فقبل محمد شريف باشا علي أساس الإبقاء علي مجلس
شوري النواب ومنحه سلطة معترف بها كالمجالس النيابية
الأوروبية واعتباره بمثابة جمعية تأسيسية يقدم إليها
الدستور، وقام بتأليف حكومة خالية من الوزيرين الإنجليزي
والفرنسي وتكون مسئولة أمام البرلمان، وجعل مسألة الديون
من عمل الوزراء والمجلس وحدهما بعيدا عن الوصاية الأجنبية.
وقفة شعبية وبذلك وصل الأمر إلي حالة من التوازن السياسي لم يكن
يرضي أطرافا معينة.. ورأي الخديوي أنه لا يمكن تحقيق هذه
المطالب؛ ذلك أن الدول الأجنبية التي أعلنت وصايتها علي
مصر لاستيفاء ديونها المالية لن ترضي بنظام نيابي صحيح
يقوم فيها.. خاصة وأن الأجانب لم يعودوا يثقون في ضعف شخص
الخديوي، كما أن إجابة المطالب الوطنية الدستورية وإقامة
مجلس نواب حر في ظل دستور صحيح ورقابة شعبية علي عمل
السلطة سيغضب تركيا التي لا يقبل نظامها الاستبدادي
بالدساتير والحياة النيابية.
وفي 10 أبريل 1879 اجتمع مجلس شوري النواب.. ثم قدم إليه
محمد شريف باشا رئيس الوزراء في جلسة 17 مايو نصوص الدستور
الجديد، ولائحة الانتخابات ولائحة المجلس للمناقشة
لتعديلها أو إقرارها؛ كما نص في هذه التشريعات - إلي جانب
المسئولية الوزارية - علي حق الخديوي في حل المجلس.. ورأت
القوي الوطنية الدستورية في شخص الخديوي الحاكم المستبد
الديكتاتور الذي دفع البلد إلي مواقع الخطر وأن تنحيته
لابد منها لإعادة ترتيب أوضاع البلاد ويبعد عنها مخاطر
السيطرة الأجنبية، وذهب وفد من القوي الوطنية والأعيان إلي
شريف باشا وطلبوا منه أن يقنع الخديوي بضرورة التنازل عن
الخديويية إلي ولي العهد محمد توفيق.
وذهب محمد شريف إلي الخديوي إسماعيل وأقنعه بالتنازل عن
الخديوية إلي ولي العهد محمد توفيق، كما قبل سلطان تركيا
التنازل استجابة لطلب كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا..
وتم خلع إسماعيل في 26 يونيو وتعيين محمد توفيق خديويا علي
مصر، وما لبث توفيق أن وجد نفسه بين قوتين متعارضتين:
الأولي القوي الوطنية الدستورية من جهة، والأخري قوة
القناصل الأجنبية التي تضغط عليه لكي لا يتنازل عن سلطاته،
التي أرادوا أن يستخدموها لصالحهم باسمه، فأذعن لهم في
النهاية، وفي جلسة 6 يوليو أعلن الخديوي توفيق فض دورة
مجلس شوري النواب وتعطيله إلي أجل غير مسمي، وأمر بتوقيف
لائحة الدستور الأساسية التي أقرها مجلس شوري النواب في
آخر عهد إسماعيل، وقدم شريف باشا استقالة وزارته في 17
أغسطس 1879، وأًصدر توفيق أمرا بإلغاء الوزارة، وألف وزارة
تولي هو رئاستها متجها بذلك نحو الحكم المطلق والانفراد
بالسلطة، وأمر بنفي جمال الدين الأفعاني مما أثار انزعاجا
عاما، إلا أن هذه الشدة كما يقول الشيخ محمد عبده: «لم تزد
الأفكار إلا حدة، ولا الألسن إلا جرأة، ولا الإحساس بضرورة
الإصلاح إلي نموا وظهورا».