«في كلمته خلال زيارته لمزارع المغربي بمحافظة البحيرة،
تعهد الرئيس حسني مبارك - مرشح الحزب الوطني الديمقراطي في
الانتخابات الرئاسية - بالحفاظ علي مكتسبات الفلاح وحقوقه،
وطرح رؤية طموح للارتقاء بقطاع الزراعة تضع الفلاح المصري
في قلب الاهتمامات باعتباره عصب عملية الإنتاج الزراعي».
جريدة الأهرام - 23 أغسطس 2005
قبل أيام معدودة من ذكري صدور قانون الإصلاح الزراعي في 9
سبتمبر 1952، أعلن الرئيس حسني مبارك - بصفته مرشح الحزب
الحاكم لانتخابات رئاسة الجمهورية - رؤيته لتطوير قطاع
الزراعة، مؤكدا.. عند طرح برنامجه في المؤتمر الذي عقد في
النوبارية لهذا الشأن - أن هدفه هو تأمين حاضر الفلاح
وضمان مستقبله حيث إن الفلاحين يمثلون حوالي 35% من إجمالي
العمالة الزراعية، ولأنهم كانوا دائما - وسيظلون «في صدارة
النضال ضد الاحتلال والعدوان وفي مسيرة العمل الوطني لمصر
وأبنائها».
وحرص سيادته - إبرازا لهذا التأكيد - أن يحتسي كوبا من
الشاي مع المزارع «كمال المراغي» أعدته زوجته «سناء» علي
«كانون» صغير في الكوخ البسيط لهذه الأسرة الفلاحية، قبل
أن يتوجه إلي خيمة اللقاء الجماهيري.
ولكن - عفوا - ماذا فعل الحزب الحاكم للفلاحين - بكل ثقلهم
هذا.. السكاني والإنتاجي والوطني، علي مدي العقود
الأخيرة؟.
لقد أدت سياسات هذا الحزب - وحكوماته المتعاقبة - إلي
إهدار الزراعة المصرية والواقع الاجتماعي للفلاحين
المنتجين.. وعلي جميع المحاور.. بما يمكن إيجازه فيما يلي:
فقدت مصر مليونا و200 ألف فدان من أخصب الأراضي المزروعة
بالدلتا والوادي - المحدودة أصلا - لصالح «الباشوات» الجدد
الذين بنوا عليها عشرات الآلاف من الفيلات والقصور
والمنتجعات السياحية.
تقلصت كثيرا المساحات المزروعة بالمحاصيل الرئيسية
الضرورية لغذاء الشعب أو اللازمة للصناعات الوطنية، لصالح
مافيات الاستيراد من الخارج.
تم إهدار الاستقرار النسبي في العلاقة الإيجارية الزراعية،
بما دمر حياة عدة ملايين من المستأجرين وأسرهم، وأدي إلي
انخفاض الإنتاج - والإنتاجية - للمحاصيل الزراعية.
التصفية - الفعلية - للحركة التعاونية الزراعية، بما وضع
الفلاحين تحت رحمة «أو عدم رحمة!» السوق السوداء بالنسبة
للحصول علي مستلزمات الإنتاج، واستغلال بنك التنمية
والائتمان بالنسبة للقروض الزراعية ومافيات الاحتكار
بالنسبة لتسويق حاصلاتهم.
تزايد معدلات البطالة والإفقار في الريف بنسبة عالية، مما
دفع بالفلاحين - في سبيل التمكن من مجابهة أعباء المعيشة -
إلي القذف بأطفالهم وبناتهم في سعير عمالة الزراعة
والتراحيل بكل آثارها المأساوية عليهم صحيا وتعليميا بل
بما يودي كثيرا بحياتهم نفسها.
قليل من كثير من «إنجازات» الحزب الوطني وحكوماته في مجال
الزراعة والفلاحين.
وقد تولي المهندس أحمد الليثي مسئولية وزارة الزراعة.. بعد
سنوات طويلة من هذه السياسات المهدرة، أمل الفلاحين -
وأملنا معهم في التغيير - ولو النسبي - لهذه الأوضاع.
ومع رصدنا - وتقديرنا - لمحاولاته الجادة علي ثلاثة محاور
مهمة:
زيادة إنتاج القمح كقضية شديدة الأهمية، ليس فقط من
الزاوية الغذائية والاقتصادية، بل أيضا من زاوية تحجيم
المخاطر السياسية والأمنية علي مصر من اعتمادها علي أمريكا
في النسبة الأكبر من استيراد احتياجاتنا منه.
الموقف الحاسم من فوضي استيراد المبيدات الزراعية، لدرء
أخطارها علي صحة الإنسان المصري.
تقليص حجم الفساد الذي استشري بشكل كبير في هذا القطاع
الحيوي.
.. إلا أننا - مع فلاحي مصر وكل قواها الوطنية.. نرصد بكل
أسف تواصل وتدعيم أخطر عدة اتجاهات كانت وراء السياسة
الزراعية المدمرة في العقود الثلاثة الأخيرة:
أولا: الإصرار علي ربط السياسة الزراعية المصرية بالتوجهات
الأمريكية، تحت حجة محاولة الإسراع بعقد اتفاقيات إنشاء
منطقة التجارة الحرة مع أمريكا، علي الرغم من كل الآثار
السلبية التي لحقت بزراعة مصر وفلاحيها لمدة أكثر من ربع
قرن من جراء الانصياع لهذه التوجهات - أو التوجيهات -
الصادرة إلينا من البنك والصندوق الدوليين والهيئة
الأمريكية للتنمية تحت مسمي «التكيف الهيكلي» للزراعة
المصرية.
ثانيا: تكثيف الحركة مؤخرا في اتجاه ما يسمي «التطبيع
الزراعي مع إسرائيل».. الوفود الزراعية المصرية إلي
إسرائيل، والوفود الزراعية الإسرائيلية إلي القاهرة،
واللقاءات المشتركة علي مستويات عليا، بل وصل الأمر في هذا
الشأن الخطير - وفق ما نشرته الصحف الإسرائيلية في شهر
يونيو الماضي وما جاء في تقرير للخارجية المصرية في الشهر
التالي - إلي انعقاد النية المصرية - الإسرائيلية علي
إنشاء منطقة زراعية مشتركة علي الحدود المصرية -
الإسرائيلية بخبراء إسرائيليين وبدعم أمريكي وبعمالة
مصرية، وأن هذا المشروع كان محل البحث العملي الجاد، سواء
من خلال لقاء «دان لفانون» كبير خبراء وزارة الزراعة
الإسرائيلية مع كبار المسئولين المصريين، أو من خلال ورشة
العمل التي عقدت في جامعة تل أبيب يومي 19 و20/6/2005،
بحضور وفد مصري زراعي علي مستوي عال.
ثالثا: اتباع منهج أن الأرض الزراعية المصرية مجرد سلعة
تعطي لمن يدفع أكثر، وآخر تطبيقات حكومة الحزب الوطني لهذا
المنهج هو طرح الأراضي المستصلحة المصرية علي المستثمرين
الأجانب بنظام حق الانتفاع أو الـ B.O.T، دون مراعاة ليس
فقط للاحتياج المصري لهذه الأراضي، بل أيضا لمخاطر ذلك علي
أمن مصر القومي.
رابعا: الحملة الشرسة التي يتعرض لها الفلاحون مؤخرا في
العديد من المحافظات والمواقع الريفية، من أجل تمكين مدعي
الملكية - دون سند قانوني - من الاستيلاء علي أراضي
الفلاحين الثابتة ملكيتهم لها تلك الملكية الكاملة التي
أكدتها المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 176 لسنة
21 «قضية دستورية» بجلسة 8/2/2004.
هل يمكن لفلاح أن يأمن علي حاضره ومستقبل أبنائه - وفق
الدعاية الانتخابية لمرشح الحزب الحاكم - في ظل هذه
الأوضاع والسياسات، بل هل يمكن في ظلها لمصري - يدرك حجم
المسألة الزراعية في الواقع المجتمعي - أن يأمن علي حاضر
ومستقبل الوطن؟.