يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1243 (31 أغسطس - 6 سبتمبر) 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

برامج مرشحي الرئاسة بين الوعود والبدائل الحقيقية

 
 

د0 زهدي الشامي

 

  علي الرغم من كل التحفظات علي التنافسية الحقيقية في انتخابات الرئاسة المصرية الحالية، والتي تجري لأول مرة بدلا من نظام الاستفتاء القديم00
وهي التحفظات التي أدت بحزبي التجمع والناصري إلي إعلان مقاطعتهما لتلك الانتخابات، فسيكون من الخطأ أيضاً ألا نلمس أن ثمة جديدا ما في الساحة00 صحيح أن ما تم حتي الآن هو أقرب للتغيير في الشكل وليس المضمون00 ولكن من الصعب ألا يؤدي التغيير في الأشكال إلي تغييرات مضمونية بدرجة ما00 أن هذه التغييرات في المضمون هي محدودة جدا، وذلك هو الذي يقف وراء منطق المقاطعة00 ولكن علينا في جميع الأحوال أن نرصد التغييرات الجارية والجدل الدائر، وذلك في إطار إدراك بأن ما نشاهده في اللحظة الراهنة هو حلقة من حلقات عملية تغيير مؤكدة وحتمية سيدور الصراع في الفترة المقبلة حول سيناريوهات مختلفة لها00 أحدها سيناريو حكومي يستند إلي ميراث طويل من خبرة الحكم الراهن في إنشاء أشكال خاوية من المضمون علي حد تعبير العالم المعروف د0 مصطفي سويف0 ومن هنا فإن برامج المرشحين للرئاسة ذات دلالة من هذه الزاوية علي اتجاهات التغيير المستقبلي0
مضمون برنامج مبارك : إصلاح سياسي جزئي وإصلاح اجتماعي وهمي :
وأول ما يلفت النظر في المشهد الحالي هوأن الرئيس مبارك يتقدم لأول مرة ببرنامج لفترة حكمه القادمة، وهو الذي رفض التقدم بمثل هذا البرنامج الذي يتضمن رؤية ما والتزامات محددة في الاستفتاءات السابقة اكتفاء بأن برنامجه هو أعماله وإنجازاته السابقة0 ولا شك أن مثل هذا التغيير هو نتيجة مباشرة للشكل الجديد لانتخابات الرئاسة ، حتي وإن جاء في سياق يجعل نجاح مبارك مضمونا0 ذلك أنه من المستحيل هذه المرة أن يمتنع الرئيس عن تبني برنامج ما في حين يطرح المنافسون برامج. إذ لم يحدث أن كانت ممارسة الحكم سابقا مبررا لامتناع الرئيس في الحكم عن طرح برنامج للفترة القادمة وقبوله للجدل والنقاش حوله0
وقد ارتبطت بتلك الوضعية الجديدة مجموعة من المفارقات اللافتة للنظر0 وأولي تلك المفارقات هي علاقة برنامج الرئيس وخطابه الانتخابي بالحزب الوطني ولجنة سياساته0
للوهلة الأولي يبدو هناك فارق0 ومع ذلك يجب ألا نتعجل الحكم علي الأمر، لأن المسألة كما تبدو لنا ستظل أكثر تعقيدا00 المهم الآن أن هذا الفارق مرتبط بالقطع بالظرف الجديد: ظرف المنافسة حتي ولو محدودة ولو غير متكافئة00 إذ بالقطع أن هذا يختلف كثيرا عن ظرف وضع برامج لجنة السياسات الباردة في غرف مغلقة ومكيفة00ومن هنا ظهرت المفردات و بؤرة الاهتمام مختلفة اختلافا ملموسا00 فبدلا من مواضيع مستهلكة أوعامة حول «السكان» أو «المواطنة» وما شابه فنحن أمام مفردات مثل الإصلاح السياسي والفقر والبطالة ودعم الطبقة الوسطي والتعاون وإتاحة الحيازات الزراعية الصغيرة للفلاحين وغيرها0
ويطرح الخطاب الانتخابي لمبارك تساؤلات كثيرة ومتباينة00 هل تبني مبارك مطالب المعارضة؟ أم أنه دخل في منافسة بالوعود مع المرشحين الآخرين؟ وما مدي واقعية وعود مبارك؟ وهل تتميز من حيث واقعيتها عن وعود منافسية الرئيسيين كما أشار بعض المحللين؟
من الوسط إلي اليمين
بالنسبة لبرنامج حسني مبارك فإن تغير لغة الخطاب فيه أبرز من تغير مضمون السياسات المتبعة00 ولغة خطاب النظام ومفرداته تتغير عموما خلال سنوات حكمه الطويلة من الحديث عن الإنجازات لفترات، ثم الاعتراف بالمشاكل في فترات أخري، ولكنه يرجع المشاكل لأسباب غير حقيقية علي شاكلة «الزيادة السكانية» و«المتغيرات العالمية»00 ولكن عبر هذه المسيرة تحول النظام بحزبه الوطني الديمقراطي الحاكم بثبات من مواقع «الوسط» إلي مواقع اليمين السافر0 فبعد أن حافظ لسنوات علي قطاع الدولة ودور الدولة في الاستثمار وضبط الاقتصاد وعلي جوهر ميراث الإصلاح الزراعي الناصري، تخلت الدولة عن كل ذلك بعد اتفاقها مع صندوق النقد الدولي في عام 1991 وأصبح الحزب الوطني الديمقراطي الذي كان ينسب نفسه في بداية تأسيسه لأفكار الاشتراكية الدولية، إلي درجة مشاركته رسميا في أنشطة تلك المنظمة، هو الراعي الرسمي لسياسات الليبرالية الاقتصادية الجديدة التي يفرضها غلاة المحافظين الجدد في أمريكا!!

مفردات الخطاب
هل يستطيع مبارك باطروحاته أن يضع حدا لهذا التطرف اليميني يعيد للحزب الوطني في مصر صورته كحزب «للوسط» ولو حتي من موقع «يمين الوسط»00؟
الإجابة عن هذا السؤال حاكمة في تقدير مدي واقعية برنامج مبارك0 والإجابة الواضحة هي النفي الذي لن يجدي معه تغيير المفردات أو إطلاق الوعود التي اعتدناها مرارا00 وقد أوضح د0 إبراهيم العيسوي عدم واقعية وعود حل المشاكل من حيث رصدها لاحتياجات مالية هائلة غير متوافرة تفوق الموارد المتاحة حاليا في الموازنة بنسبة70%0 ويمكننا أن نشير إلي جوانب مهمة أخري00 ذلك إن مفردات الخطاب الانتخابي لمبارك بخصوص الأوضاع الاجتماعية للعمال والفلاحين والطبقة المتوسطة مثيلا لا تحتوي علي أي تحليل حقيقي لأسباب تدهور أوضاع تلك الطبقات والتي تشكل معا «الشعب المصري» بالمعني الحقيقي للكلمة0
فحقوق العمال التي يشار للحفاظ عليها تتحول في الأساس إلي التمسك بصيغة الـ 50% القديمة كأنها حلالة العقد، وليست إلي وقف التسريح إلي المعاش المبكر، وانخفاض الأجور الحقيقية00 والوعود بزيادات في الأجور تتجاهل أن الجزء الأكبر من العمالة هو الآن خارج القطاع الحكومي، حيث ليس لها سيطرة علي الوضع بقرارات الرئيس، كما يتجاهل في النهاية الالتزام بالمسألة الرئيسية، ألا وهي المحافظة علي التوازن بين الأجور والأسعار، وهو ما رد به الوفد علي وعود مبارك بزيادة الأجور!!
والغريب أن الصحف التي أعلنت عن خطاب مبارك بالمحافظة علي حقوق العمال قد حوت صفحاتها الأخري أخبارا عن استكمال برامج الخصخصة التي تؤدي لتسريح العاملين!!

سياسات احتكارية
ما يصدق عن عمل العمال بصدق علي الفلاحين والطبقة المتوسطة، الطبقة المتوسطة عانت من التدهور والانحلال لأسباب لايرد ذكرها0 وبالتالي لا توجد مخططات فعلية لمواجهتها0 ومن بين ذلك انخفاض الأجور الحقيقية بفعل آلية التضخم، والتي تطل برأسها بقوة في المرحلة الحالية بفعل العجز المالي المتفاقم، ومن بينها تنامي الاحتكارات والسياسات الاحتكارية في السوق وتقاعس الحكومة عن مواجهتها، وإفلاس آلاف المنشآت الصغيرة، ومن بينها نظام ضريبي يزداد انحيازا للأثرياء ويفتقد للعدالة، حيث ساوي مؤخرا في العبء الضريبي بين من يكسب 40 ألف جنيه سنويا وبين كبار الرأسماليين المصريين والأجانب!! ومن بينها أيضا تآكل الملكيات المتوسطة في الريف0

الأرض والفلاح
وحسنا أن الرئيس مبارك أشار أخيرا إلي أهمية التعاون بعد أن وضعته الحكومة في الثلاجة لسنوات طويلة00وحسنا أنه متجه إلي أهمية إتاحة الأراضي المستصلحة لأصحاب الحيازات الصغيرة، بعد أن تبنت الحكومة علنا فكرة اعطاء الأراضي الجديدة لكبار المستثمرين، بما في ذلك المستثمرين الأجانب في بلد لا يجد فيه الفلاح قيراطا من الأراضي لزراعته والعمل فيه00 ولكن من الواضح أن تعريف الحكومة للحيازات الصغيرة مازال مختلا00 فإذا كانت وفق برنامج مبارك ستمنح قسما من الأرض لكبار المستثمرين وقسما آخر لحيازات تصل إلي 10 أفدنة00 فما أستطيع أن أؤكده أن عشرة أفدنة في مصر لا تمثل الحيازات الصغيرة بل أغنياء الفلاحين، وأن هذه السياسة بالتالي لن تفلح إجمالا في معالجة مشكلة إتاحة أرض مصر لفلاحيها لكي يزرعوها ويتعيشوا منها!!

الانحياز للأغنياء
الخلاصة أنه بدون إعادة النظر في سياسة انحياز حكومة الحزب الوطني لكبار المستثمرين والأغنياء في إطار التزامها بمخططات اليمين الدولي بزعامة الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي، فإن سياسة الإصلاح الاجتماعي تظل من حيث الأساس سياسة وهمية وجريا وراء السراب!! وهذا النقد ينطبق أيضا بالضبط علي برنامجي المرشحين الأساسيين المنافسين للرئيس مبارك وهما مرشحا حزبي الوفد والغد 00 كما سنري 0
شعار المرحلة القادمة :
يتغير الرئيس ويبقي الحزب
والنتيجة التي انتهينا إليها عن التوجه العام الاقتصادي والاجتماعي لبرنامج الرئيس وسراب الإصلاح الاجتماعي تنقلنا إلي الجانب الآخر المهم في برنامجه، وهو ذلك المتعلق بالإصلاحات السياسية00 الرئيس يعد بإصلاحات سياسية جديدة حقا، ولكنه لا يقبل كل حزمة الإصلاحات التي تطالب بها المعارضة بل والرأي العام في مصر0
فهو يعلن عن صلاحيات جديدة للحكومة ولمجلس الشعب، ولكنه لا يعلن عن تخلي الرئيس عن السلطات الاستثنائية المخولة له بحكم المادة 74 للدستور مثلا00 إنه يعلن عن إلغاء قانون الطوارئ ، ولكنه يجهز لقانون جديد للإرهاب0 يعلن عن انتخابات بالقائمة النسبية، ولكنه لا يستجيب للمطالب المتعلقة بضمان نزاهة الانتخابات والإشراف القضائي الكامل غير المنصوص عليها0
ولا يلتزم الرئيس قبل هذا بتعديل المادة 76 للدستور التي تكاد تجعل من أي انتخابات قادمة في مصر استفتاء علي شخص واحد تنطبق عليه وحده شروط الترشيح0 وهكذا فنحن في الواقع أمام وعد بنصف إصلاح سياسي يتكامل معه وعد وهمي بإصلاح اجتماعي واقتصادي0 ويبقي الوعد بنصف الإصلاح السياسي مجرد وعد، إذ إن الخبرة دلت دائما علي أنه يتحول الأمر دائما علي يد رجالات الحزب الوطني إلي «تفريغ المضمون» كما ذكرنا00 أي إذا لم يدخل الشعب المصري طرفا في المعادلة، فإنها لن تسفر إلا عن «ربع إصلاح» يراد به أن تحكم مصر لحقبة قادمة وفق قاعدة «يتغير الرئيس ويبقي الحزب» وهي القاعدة التي جربتها المكسيك علي يد الحزب الحاكم فيها لسنوات طويلة قبل أن تطوي صفحة هذا الماضي الشمولي فيها!!.

صراع أحزاب المعارضة الليبرالية
لعل هذا هو ما يميز برامج مرشحي المعارضة الليبرالية الآخرين عن برنامج الرئيس.. فالمرشحان ضمنا برنامجهما تقريبا المطالب الديمقراطية الأساسية المتفق عليها شعبيا، وهذا وضع طبيعي من مرشحي المعارضة.. كما أنه من الطبيعي أيضا أن يكون لذلك الجانب من برنامجهما مصداقية، فهما علي أي حال لا يستطيعان التحلل من التزاماتهما.. وإذا افترضنا نجاح أيهما في الانتخابات «وهي فرضية نعتقد أنها غير واردة في الظروف الحالية» فإن ذلك يعني بالضرورة نشوء وضع سياسي جديد وتوازن للقوي يمنع أي حاكم من الانفراد بسلطات استثنائية.
ينبغي أن نشير إلي أنه من حيث المضمون الاقتصادي والاجتماعي، فإننا لا نجد فارقا ملموسا بين برنامج حسني مبارك وبرامج نعمان جمعة وأيمن نور، ففي ظل مقاطعة الأحزاب الرئيسية الممثلة لتيار اليسار الاشتراكي وهما حزبا التجمع والناصري، فقد أصبحت معركة الانتخابات الرئاسية الراهنة تدور أساسا بين ممثلي مدرسة الليبرالية الاقتصادية: وطني ووفد وغد، وعلي الرغم من دخول المرشحين المتنافسين فيما أطلق عليه معركة الوعود الانتخابية، وهي وعود ناقشنا فيما سبق مدي واقعيتها في حالة الخطاب الانتخابي لحسني مبارك، فإنه لم تثر بينهم خلافات رئيسية حول أسس سياسات الانفتاح الاقتصادي المتبعة، بل إن الوعود الانتخابية للفئات المختلفة اتجهت بدرجة ملحوظة أيضا للفئات الانفتاحية مستوردين ومنتفعين بالمناطق الحرة التجارية، بل وأثرت أحيانا بالعكس علي فكرة مقاومة الفساد تحت مسمي عدم حبس المتعثرين أو لنقل الهاربين بأموال البنوك.. إلخ.
في جميع الأحوال يبدو مشتركا القبول بالعولمة كأمر واقع وعدم طرح بدائل وطنية واضحة لمواجهتها.. يبدو مشتركا غياب أي نقد لأسس سياسات التثبيت والتكيف الهيكلي التي تعتقد غالبية شعوب العالم الثالث أنها أدت بها إلي حالة الإفقار الراهن، ويبدور مشتركا غياب طرح مسألة عدم عدالة توزيع الدخل القومي، وفي ظل ذلك تبدو معالجة الفقر محاولة لتحسين كمي في ظل استمرار واتساع الفوارق الطبقية، ويلفت النظر أن مسألة العجز المالي الراهن شبه متجاهلة، حيث إنه لا يمكن تقديم منح للفقراء بدون إعادة هيكلة المجتمع إلا في ظل سياسة للعجز المالي، وهي سياسة ستطيح بالفقراء في النهاية، ويكملها أيمن نور بيساسات لتمويل الاستهلاك بالقروض للخروج من حالة الركود وهي سياسات مجربة جيدا وثبت فشلها، إذ إنها لا تحرك الاستهلاك إلا في الأجل القصير جدا.
ويظل غائبا كذلك أي موقف من سياسات التطبيع المتسارع مع إسرائيل في وقت لم تلتزم فيه إسرائيل بتسوية القضية الفلسطينية وهذا مستغرب من حزب الوفد بالذات حيث كانت له وقفة مع المعارضة الوطنية ضد توقيع اتفاقية «الكويز».
الخلاصة أخيرا أنه إذا كانت الانتخابات الرئاسية قد شكلت حلقة من حلقات طرح قضية التغيير الديمقراطي، فإن التمسك بحزمة التغييرات الديمقراطية المتكاملة ضرورة في مواجهة تصور الحزب الحاكم لإصلاحات أكثر محدودية، وأن تفعيل دور الشعب المصري في النضال حول هذه المطالب ضروري أيضا، إذ يصعب تحقيقها في ظل اقتصار المطالبة بها علي النخبة السياسية كما أن دخول قوي المعارضة الرئيسية الأخري إلي المعركة وفي مقدمتها التجمع والناصري هو الذي سيكفل استكمال صورة البدائل المطروحة أمام المجتمع المصري للخروج من الأزمة الوطنية والاقتصادية والاجتماعية.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة