يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1243 (31 أغسطس - 6 سبتمبر) 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

محلاها عيشة.. فلاح مبارك!

 
 

محمد فهمي

 

 
فلاح مبارك.. فلاح سعيد.. وله زوجة تعد له الشاي.. اسمها.. سعدية!.
كلما تابعت الجولات الانتخابية للرئيس مبارك في قري الدلتا والصعيد.. شعرت بالندم!.
شعرت بالندم لأنني احترفت الكتابة الصحفية.. وأضعت 20 سنة من عمري مراسلا صحفيا في ألمانيا.. أتنقل بين مدن وعواصم وقري شرق وغرب أوروبا.. بالسيارة تارة.. وبالقطار تارة ثانية.. وبالطائرات تارة ثالثة.
من أيسلاندا في أقصي الشمال وحتي تركيا والمجر وبلغاريا ورومانيا.. ومن سويسرا وحتي إسبانيا واليونان.. وهلم جرا.
الآن.. وبعد كل هذه السنين الضائعة.. أجد أن فلاح مبارك يتمتع بكل ما كنت أتمناه لنفسي.
فلاح مبارك.. فلاح سعيد.. وله زوجة تعد لضيوفه من رؤساء الجمهوريات الشاي بيديها.. وتقدمه بانحناءة محببة للنفس.. وعندما تستيقظ في الصباح تقول له «هاي»!!.
وفلاح مبارك الذي نشرت جميع صحف الحكومة صورته في الصفحة الأولي يوم الجمعة 26 أغسطس.. هو الفلاح الذي أحسده!.
إنه يعيش تحت خميلة.. جميلة.. تطل علي نهر النيل مباشرة في مدينة المنيا.. ويجلس فوق أريكة زاهية الألوان يحلم بمثلها رئيس جمهورية إندونيسيا الأسبق عبدالواحد.. قبل أن تعصف به السيدة الفاضلة ميجاواتي.. وتطيح به.. وتجعله «يوحشنا»!.
ورأينا.. فلاح مبارك.. الحاج فتحي محمود حسن.. وهو يستقبل الرئيس مبارك.. وقالت صحيفة «الجمهورية» إن الرئيس مبارك تناول الشاي في «كوخ» الحاج فتحي.. وقالت صحيفة «الأخبار» إن الحاج فتحي استقبل الرئيس في «عشة» صغيرة.. وقالت الأهرام «في منزله المتواضع»!.
وبحثنا في الكوخ الواقع علي ضفاف النيل فلم نجد له أي أثر.. لا كوخ.. ولا عشة.. ولا منزل متواضع!.
كل ما رأيناه هو الأريكة الزاهية الألوان تتمدد فوق «تراس» علي كورنيش النيل مباشرة.
هو واحد من فلاحي مبارك.. بسم الله.. ما شاء الله.
له خميلة.. جميلة.. علي ضفاف النهر الخالد.. يستقبل بها ضيوفه.. ابتداء من البسطاء، من أمثالنا، وحتي رئيس الجمهورية.. مرورا بالوزراء.. والمحافظين.. ونجوم المسرح.
يحتسي معهم الشاي.. ويلقي عليهم أبياتا من الشعر.. ويناقشهم في الجدار العازل.. والانسحاب من غزة.. ومواعيد وصول اللحوم الأثيوبية والصومالية والأريترية والموريتانية والسودانية لمطار القاهرة.
إنه فلاح مبارك.. ومحلاها عيشة فلاح مبارك!.
إنه يتمرغ علي أرض براح.. ومتهني قلبه ومرتاح!.
فلاح مبارك فلاح سعيد.. وله زوجة اسمها «سعدية» عبدالحكيم أمين.. لم تنشر الصحف صورتها لترحمنا من الإحساس بالمزيد من الحسرة!.
هو الفلاح الذي تقدمه الدعاية الانتخابية للرئيس.. لتعطينا صورة من أحوال الفلاحين بعد 24 سنة من حكم مبارك.
قالت صحف الحكومة إن الحاج فتحي استقبل الرئيس بأبيات من الشعر قائلا:
يرعي الله رجالا حققوا معجزات لم تحققها السنون.
يرعي الله رجالا نزعوا الأغلال عن «قدس» العرين.
أقسم بالله يا مبارك.. أنا بك مغرم ومتيم.
قد أقسمت لك بالشمس وضحاها.
ويبدو أن الرئيس مبارك.. أعجب بأبيات الشعر.. وراح يسأل الحاج فتحي:
الشعر ده كله منين؟ هل هو من تأليفك؟!.
فأجاب الحاج فتحي: أنا حافظه.. ده شعر الشيخ عمران من جبل الطير.
المهم.. جاءوا بالشاي الذي أعدته زوجة الحاج فتحي، واحتسي الرئيس رشفة.. وقال له الحاج فتحي:
- يا ريس.. أنا عايز سكن في المنيا (!!!).
فقال الرئيس:
- انت عندك هنا بيت.. وفيه بلكونة!!.
فقال الفلاح:
- لا.. ماعندناش بلكونات.. عندنا شبابيك.. يا ريس!.
وعدت أتأمل الأريكة زاهية الألوان التي تتناسب مع أزهي عصور الديمقراطية.. ولم أعرف أيهما أصدق.
صورة الحاج فتحي.. مع الرئيس مبارك؟!
أم كلام الحاج فتحي.. للرئيس حسني مبارك؟!
وهل كان كل ما رأيناه.. تمثيلا في تمثيل؟!.
أم أنه أحد ألوان الغش التجاري؟.
لست وحدي الذي يحسد الفلاح الذي احتسي الرئيس مبارك في «كوخه» الشاي الذي أعدته زوجته بنفسها.. وإنما يحسده معي ملايين الفلاحين الذين تطلعوا لصور الحاج فتحي تطلعهم للفنان العالمي شون كونري في أحد الأفلام التي يعرضها «نادي السينما».. ليلة السبت.
الفلاح الحقيقي جلس يتابع الحوار بين مبارك.. وفلاح مبارك.. وهو في غاية الذهول.. ويري في هذا الحوار.. علامة من علامات الساعة.
الفلاح الحقيقي الذي جاء في رواية «الحرام» ليوسف إدريس.. هو فلاح التراحيل.. وهو لا يزال يعيش بيننا إلي هذه اللحظة.. مع فارق كبير.
الفلاح الذي كان يعاني في قصة يوسف إدريس.. كان يعاني داخل أرض مصر.
في وطنه.. وفي بلده!.
أما فلاح ربع القرن الأخير.. فكان يعاني خارج حدود الوطن.. في الغربة.
الفلاح الحقيقي هاجر في ظل الحزب السرمدي إلي العراق والكويت والسعودية والأردن وليبيا.. والإمارات.
هاجر بعد أن أغلق النظام السياسي كل أبواب الأمل والرزق في بلده.. ودفعه للعمل خارج بلده.. تحت رحمة «كفيل».. كان في بعض الحالات لا يعرف الرحمة.
الفلاح الذي لم يكن.. يعبر الترعة.. في ناحية.. بات يقف في الطوابير.. في المطارات العربية.. يرتدي ملابسه التقليدية.. يعبر الأجواء للبحث عن لقمة عيش.
وفي سنة 1982.. وبعد توقيع الاتفاق الرباعي بين الرئيس مبارك وصدام حسين والملك حسين وعلي عبدالله صالح.. أراد الرئيس العراقي المخلوع أن يحتفظ بورقة ضغط علي مصر.. فاقترح مشروعه الكبير بمنح كل مصري يهاجر إلي العراق خمسة فدادين وجاموسة.
كان العرض مغريا .. لاسيما أن المشروع كان تحت رعاية الرئيس العراقي «شخصيا».. وهاجر ما يزيد علي أربعة ملايين فلاح مصري للعراق.
وكانت تلك هي البداية.
البعض عاد في نعوش.
والبعض لايزال يعيش في العراق.. يكابد الحرب.. والإرهاب والجوع والفقر.. ويخشي في نفس الوقت «الضياع» عند العودة إلي أرض الواطن.
ملايين الفلاحين.. سافروا إلي العراق.. واشتركوا في حروب ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، وضاعت حقوقهم.. ولاتزال آثارهم باقية في العراق حتي هذه اللحظة.
آثار امتهان كرامة الفلاح المصري!.
ولا أريد الدخول في موضوع التعويضات الخاصة بالمصريين في العراق.. ولا الأموال التي صادرتها السلطات المصرية من الفلاحين العائدين من العراق.. وحكاية المواطن رضا حامد الدخاخني خير شاهد علي التجاوزات التي مارسها الحزب السرمدي ضد ضحايا نظام صدام حسين.
الآن.. وبعد 23 سنة من مشروع صدام.. جاء الحزب الحاكم.. وبمناسبة الانتخابات الرئاسية.. ليعلن في برنامجه الانتخابي أنه «سوف» يمنح كل أسرة عشرة فدادين.. وقرضا قدره مائة ألف جنيه من بنك التنمية والائتمان الزراعي.. بدلا من الجاموسة التي جاءت في مشروع صدام حسين.
وفي جولته الانتخابية في المنيا.. أعلن الرئيس مبارك أنه «ينوي» استصلاح مليون فدان (!!).
و«ينوي» إقامة 400 قرية في الظهير الصحراوي!!.
و«ينوي» تشجيع الفلاح علي البقاء في أرضه.. وعدم الهجرة إلي ليبيا ومنها إلي اليونان وإيطاليا (!!!).
بعد 24 سنة من الانفراد الكامل بالسلطة المطلقة.. تتردد كلمات «ننوي».. و«سوف» و«سنعمل علي».. علي ألسنة الحكام.. بلا ملل و«اللي نبات فيه نصبح فيه»!.
أما الشعب المصري.. فلا تجري علي لسانه سوي جملة:
ما كان من الأول!.
والعجيب في الموضوع أن علاقات الطبقة السياسية التي بيدها الحل والربط.. انقطعت بالريف منذ سنوات طويلة.. وبالتالي فهي تتطلع لمشاكله تطلع المستشرقين الأجانب لقضايا العالم الثالث.
تتصور أن حل مشكلة الفلاحين يكمن في عشرة فدادين ومائة ألف جنيه.. أو بناء قرية لكل فلاح.. أو توفير خميلة.. جميلة لكل فلاح.. يمكن أن تحظي بموافقة الأجهزة الأمنية.. قبل أن يزورها الرئيس مبارك.. ويحتسي الشاي مع مالكها الفصيح.. ثم نكتشف من الحوار أنه ليس مالكها.. وأنه يطلب من الرئيس تحقيق حلمه بالحصول علي شقة في المنيا!.
هي تتصور ذلك.. لأنها لا تري الفلاحين إلا في مسلسلات التليفزيون.. وفي أدوار الفلاحة ليلي علوي أو نرمين الفقي!.
هي لا تراهم.. وهم يصطفون فوق الأرصفة.. وأمام كل واحد «أجنة» مدببة من الحديد.. في انتظار زبون يسعي لهدم جدار أو اختراق حائط.. أو ضم شقة جاره لشقته!.
هي لا تراهم.. وهم يصطفون فوق الأرصفة.. يرتدون ملابس الشرطة.. ويقفون بالساعات الطويلة.. في طوابير التشريفة.. التي تمتد من المطار.. وحتي قصور الرئاسة.
هي لا تراهم.. وهم يشغلون الوظائف الأكثر تواضعا في دواوين الحكومة.. كالحراس.. وعمال النظافة.. والسعاة.
هي.. لا تراهم.. وهم يزدحمون بالآلاف أمام الأبواب للبحث عن عمل في أي بقعة خارج مصر.
ملايين الفلاحين.. غادروا قراهم.. وجاءوا للبحث عن عمل في العاصمة.
تطاردهم شرطة البلدية.. وشرطة المرافق.. وشرطة المرور.. وشرطة المباحث.. وكلهم أيضا من الفلاحين الذين غادروا قراهم لنفس الأسباب.
فلاح.. ضد.. فلاح.
فلاح قديم.. وفلاح جديد والقضية واحدة.. وهي قضية سوء الإدارة السياسية للبلاد.. لما يزيد علي 24 سنة.
24 سنة تفرغت خلالها الإدارة السياسية.. للقيام بالرحلات الخارجية.. وأخذ زعماء العالم بالأحضان والقبلات.
وتفاقمت مشاكل الفلاحين.
ويقول تقرير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عن الأمية في العالم العربي إن مصر.. هي الدولة العربية رقم واحد.. في عدد الأميين الذين لا يعرفون القراءة والكتابة.. تليها السودان.. ثم الجزائر.. فالمغرب.. فاليمن.
يقول التقرير إن واحدا من بين كل أربعة مصريين يعاني أمية القراءة والكتابة.
ويقول التقرير إن هذه النسبة المرتفعة تعادل ضعف المتوسط العالمي المعترف به.. في شأن الأمية.
17 مليون مصري لا يعرفون القراءة والكتابة.. وكلهم من الفلاحين.
17 مليون مواطن.. رقم يعادل سكان عدة دول.
و24 سنة لم تكن كافية لمحو الأمية.. حتي تستعيد مصر عافيتها.. وتحول هذا العدد الهائل من أميين إلي منتجين.. يقللون الفجوة بيننا.. وبين العالم المتحضر من حولنا.. والسخيف في الموضوع أن الطبقة السياسية عندنا.. لا تكل ولا تمل من الشكوي من الزيادة السكانية.. والانفجار السكاني وأن الزيادة السكانية تلتهم ما تحققه من تنمية.. دون أن يخطر ببالهم.. العلاقة بين انتشار الأمية.. وزيادة النسل.
بين انتشار الأمية بين أكثر من 17 مليون مواطن.. وبين فشل برامج تنظيم الأسرة.
بين الخيبة الثقيلة في حل مشكلة الأمية.. والخيبة الثقيلة في حل مشكلة تنظيم الأسرة.
والقيادة السياسية.. لا تريد أن تدرك.. أو تستوعب.. أن البلاد تعاني من طاقة بشرية هائلة.. ومعطلة وقابلة للانفجار في أي لحظة.
هي خطر علي مصر.. كما هي خطر علي الدول المجاورة.. والدول الأوروبية المطلة علي البحر المتوسط.
فالقضية ليست في منح الأسرة الريفية عشرة أفدنة.. ومائة ألف جنيه مصري.. وإنما القضية هي تحويل الطاقات البشرية المعطلة بسبب الأمية إلي طاقات منتجة.
طاقات تختار مرشحيها في الانتخابات بالأسماء.. وليس برموز الهلال.. والفانوس والنخلة.. وتساهم في انتخاب المحافظين وقادة المحليات.
أريد أن أقول.. إنني كنت أتمني أن يكون البرنامج الانتخابي للرئيس مبارك أكثر عمقا وأكثر تشخيصا لمشاكلنا.. لأنه الوحيد بين المرشحين الذي أمضي في السلطة 24 سنة.
لا يكفي أن نري فلاح مبارك.. يستقبل الرئيس مبارك فوق أريكة زاهية الألوان.. تتمدد علي كورنيش المنيا.. ويلقي عليه أبياتا من الشعر.
المطلوب.. هو أن نري كل فلاح في مصر يعرف القراءة والكتابة.. ويتابع ما تنشره صحف الحكومة.
عندها.. لن يجد الفلاح المصري.. وقتا للإنجاب.. ولن أشعر بالندم لأنني احترفت الكتابة الصحفية!.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة