يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1243 (31 أغسطس - 6 سبتمبر) 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

تطهير البيت أولا.. من الفساد!

 
 

رءوف توفيق

 

 
من السذاجة أن نتصور أن وعود المتسابقين علي منصب رئيس الجمهورية.. من الممكن أن تتحقق - أو يتحقق حتي ربعها - ما لم نصعد السلم من أول درجاته!
أول درجة .. هي تطهير البيت من الثعابين السامة والعقارب والفئران المتوحشة!
أول درجة هي إعلان الحرب علي الفساد.. ضرب جذوره.. ومحاصرة ذيوله التي امتدت إلي كل مكان.. وقضت علي أحلام الكبار والصغار في الحياة الآمنة وتكافؤ الفرص وعدالة القانون الذي يطبق علي الجميع..
أول درجة.. هي حرث الأرض تماما.. واقتلاع كل الأعشاب الضارة.. ومحاربة كل عناصر التلوث البشري المدرب علي التسلق وامتصاص الحياة حتي النفس الأخير ليتركها أشباحاً هشة منكسرة فاقدة الروح.. فاقدة الهمة.. فاقدة الرغبة في البقاء علي هذه الأرض:
واسألوا جموع الشباب الذين يقفون بالأيام والأسابيع علي أبواب السفارات الأجنبية في انتظار أن يفتح لهم رجال السفارات نافذة ضيقة وباستعلاء شديد يمطرون المتقدمين لهم بوابل من الأسئلة عن سبب طلب تأشيرة السفر مع آلاف التحذيرات من مخالفة القواعد والقوانين إذا حاول أحدهم العمل في الخارج.. يحدث هذا في تأشيرات السفر المحدودة المدة.. فما بالك بطلبات الهجرة، وكم العراقيل والإجراءات المشددة التي قد تستغرق شهورا وربما سنين.. وبعد طول انتظار يأتي الرد غالبا بالرفض..!
واسألوا الذين ارتضوا أن يسلموا أنفسهم لعصابات تسفير الشباب إلي الخارج.. وضحوا بكل ما يملكون.. وباعوا.. واستلفوا من الأهل والأصدقاء حتي يسددوا الثمن المطلوب منهم.. ثم فوجئوا بأنهم ضحايا مراكب صيد متهالكة تحملهم عبر عواصف وأهوال البحر بلا طعام أو حماية لتلقي بهم في النهاية في مواجهة فرق الأمن وحرس الحدود علي شواطيء اليونان أو إيطاليا أو أسبانيا.. لتعيد اصطيادهم وشحنهم من جديد بكل الإذلال والمهانة.
اسألوهم لماذا قبلوا كل هذا العذاب.. ولماذا فكروا أساسا في الهرب من مصر.. ولن تجدوا في إجاباتهم المؤلمة منفذا لأن تسألوهم عن معني الانتماء للوطن.. لأنكم تشعرون بغباء هذا السؤال..
فالانتماء للوطن.. لن يتحقق بالشعارات أو بالأغاني.. وإنما بتوفير حق الحياة بكرامة وعدل.. أن يعرف كل فرد موطيء قدميه والطريق الذي يحلم باجتيازه.. بجهده وعلمه وكفاءته.. دون أن يتصادم في كل خطوة مع أخطبوط الفساد والرشوة والمحسوبية.. ودون أن يشعر أن حصيلة جهده قد سرقها اللصوص.
هل نكتب كلاما معادا ومكرراً.. ربما..
ولكن ما يدعونا إلي التكرار.. والتنبيه والتحذير هذه المرة.. أن أغلب وعود المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية ركزت علي أحلام القضاء علي البطالة .. وزيادة المصانع.. وبناء مدارس أكثر.. ومستشفيات أكثر.. ومساكن أكثر وأكثر.. وهي كلها أحلام مشروعة لرفع العناء عن المواطن العادي.
ولكن هذه الأحلام لا يمكن أن تتحقق بالصورة المثلي.. علي أرضية من الفساد.
ستأتي فرص عمل جديدة للعاطلين.. ولكن ستمتد إليها أيادي أصحاب الوساطات من أقارب المسئولين.. ومن أعضاء مجلس الشعب.. ومن قيادات الحزب الوطني.. ومن فرق القنص في الحكم المحلي.. لتلتهم أغلب الكعكة الجديدة من الوظائف، ولا تترك سوي الفتات للذين لا سند لهم ولا ظهر... وكأنك يا أبو زيد ما غزيت..!!
وستبني المساكن الجديدة.. وستدخل شركات المقاولات في صراع للحصول علي هذه الصفقات.. فتؤول بعد ذلك إلي شركات المقاولات من الباطن.. ومعها أساطين الغش في مواد البناء.. وعباقرة الفهلوة والخداع في التشطيبات.. وتمتد الرشاوي في كل اتجاه لتعمي عيون الرقابة والمتابعة.. لنحصل في النهاية علي مساكن مطلية من الخارج بألوان زاهية.. بينما الشروخ تمتد من الأساسات للأعمدة وللحوائط.. وأرضيات من أردأ الأنواع.. والأبواب والشبابيك غير متساوية ولا تعمل.. ومواسير المياه والصرف الصحي تنشع بالمياه علي الجدران.. لتختصر سنوات من العمر الافتراضي للمبني.
ولكنها في النهاية.. نسميها مساكن جديدة.. نفرح بها.. دون أن نفكر في محاسبة الذين لهفوا من أموال هذه الصفقة في بدايتها.. والذين غشوا بعد ذلك في مواصفات البناء.. والذين أغمضوا عيونهم في المحاسبة والرقابة!..
ثم نأتي لمعركة توزيع هذه المساكن الجديدة.. والمفروض أن تذهب لمن يستحق.. ولكن الواقع الذي نعرفه.. أنها ستذهب في الأغلب الأعم إلي أصحاب الوساطات من أعضاء مجلس الشعب.. ومن قيادات الحزب الوطني.. ومن فرق القنص في الحكم المحلي.. إنها نفس المجموعة الجاهزة تماما للاستفادة من أي شيء.. وبأي أسلوب.
وسيتكرر هذا في بناء المدارس الجديدة.. والمستشفيات الجديدة.. والمصانع الجديدة.
وسيتكرر هذا في مشروعات توسيع الرقعة الزراعية.. ومشروعات شق الطرق ورصفها..
وكأنك يا أبو زيد.. ما غزيت.
ولست متشائما علي الإطلاق.. ولست من أنصار ضرب كرسي في كلوبات الفرح الموعود.. ولكنها خلاصة تجارب عشنها كان الفساد فيها هو مفرق الجماعات وهادم اللذات.
وطالما نادي كبار الخبراء والمفكرين وأساتذة الاجتماع بضرورة الوقوف بحسم وحزم مع عناصر الفساد التي استشرت ببجاحة منقطعة النظير.. وبوحشية فاقت كل الحدود.. حتي وصلت إلي مرحلة البلطجة العلنية دون ردع من قانون صارم يكشف بالأسماء والوقائع عن جرائم هؤلاء اللصوص المفسدين..
كان الرأي الذي يحاول التقليل من خطر هذا الفساد.. يقوم علي منطق أن فضح أباطرة الفساد قد يؤدي إلي الإساءة لسمعة مصر.. وتطفيش المستثمرين الأجانب.. ولكن ثبت بالتجربة ومن خلال الواقع.. أن قضايا الفساد لم تعد سرا مكتوما في عصر السماوات المفتوحة وأجهزة جمع المعلومات والبيانات من مختلف المصادر!
ولم يكن هروب المستثمرين الأجانب من التعامل مع مصر.. سببه الوحيد هو ما عرفوه عن قضايا الفساد.. ولكن في الأساس ما صادفوه من تعقيدات روتينية وإجراءات عقيمة وحجم رشاوي أنهكهم تماما.. فهربوا بجلدهم من هذه الورطة..
مما لا شك فيه أنه حدث تطور هائل في البنية الأساسية من شق الطرق إلي تجديد وتوسيع شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والتليفونات.
ولكن .. مما لا شك فيه أيضا.. أننا تركنا الخلل والتشوهات في البنية الاجتماعية منذ هوجة الانفتاح العشوائي أيام السادات.. وسعار الكبت لتكوين الثروات المشبوهة في عمليات السمسرة والتوكيلات.. وظهور الطبقة الجديدة من الأثرياء بلا جذور حقيقية وتوحش تضخيم ثرواتهم عن طريق الإغراءات والرشاوي وتبادل المصالح مع أصحاب النفوذ.. حتي أصبح هذا أسلوبا متعارفا عليه.. ومسكوتا عليه أيضا من كل أجهزة الرقابة والمحاسبة.
وتوارت القيم الاجتماعية الأصيلة أمام هذا الهجوم من التتار الجدد..
وانكمشت الطبقة المتوسطة بكل رصيدها من المفكرين والعلماء والمثقفين.. وأصبحت بين نارين.. نار السقوط إلي الطبقة السفلي ماديا واجتماعيا.. ونار السعي بكل الطرق للإمساك بذيول طبقة الأغنياء وحلم الحياة السهلة المرفهة مهما كان الثمن!
وظل الضحايا الأكثر صبرا واحتمالا.. والأكثر تعاسة وفقرا.. هم أغلبية المجتمع.
واستمر الوضع الشائك.. دون أي محاولات جدية لمعالجة الخلل الذي أصاب التركيبة الاجتماعية.
وتحول الانفلات من حالات فردية.. إلي ظاهرة عامة أصابت المجتمع ككل..
ورغم كل الأصوات المخلصة التي طالبت الدولة بأن تستعيد هيبتها وقوتها أمام عناصر الفساد والمفسدين.. إلا أن هذه الأصوات لم يكن لها أي صدي أمام اتجاه قوي وغريب يدعو إلي التكتيم وعدم إفشاء عن أسماء وعمليات الإفساد من نهب الأموال العامة والمتاجرة بالمصالح الخاصة علي حساب المجتمع ككل..
وكان من نتيجة ذلك أنه تم اختراق مؤسسات الدولة.. وأصحاب المواقع القيادية في الوظائف العليا سواء في شركات قطاع الأعمال.. أو البنوك الوطنية.. أو قطاعات الجمارك والضرائب والرقابة.
وتحولت بعض المؤسسات - ومنها مؤسسات صحفية - إلي عزب خاصة يتحكم فيها أشخاص تصوروا أنهم بعلاقاتهم ببعض رجال الدولة أو الحزب.. يملكون القوة للسيطرة الكاملة والإطاحة بكل من يعترض علي أخطائهم ونزواتهم المدمرة والتي تمادوا فيها بمنطق أنهم فوق الرقابة وفوق المحاسبة من أي نوع!!
ورغم كل هذه الأخطاء التي كشفت عنها تقارير الرصد والمتابعة.. إلا أنه لم يقدم أحد منهم إلي التحقيق والمحاكمة.. إلا في بعض الحالات القليلة.. وظل باقي طابور المفسدين العظام خارج دائرة الاتهام والمحاسبة.. دون مبرر مقبول!!
وظل الضحايا ينتظرون تصحيح الأوضاع.. وإعلان الحقائق بكل شفافية ووضوح.. علي الأقل حتي يشعروا بقدر من التعويض المعنوي عن عذابات انكسار الروح.. وانكسار الهمة.. وانكسار الانتماء.
ولكن حتي هذا التعويض المعنوي.. لم يحدث!!وظل نهب الأموال مستمرا.. وظلت عذابات الانكسار تتفاقم.. وظل التكتيم مستمرا علي جرائم المفسدين بدون مبرر مقبول!!
وما أكثر الضحايا بين أجيال من الشباب اهتزت الأرض تحت أقدامهم.. وفقدوا اتجاه الطريق الصحيح بين التيارات المتصارعة حولهم.. إما الاستسلام لماكينة الفساد ليصبحوا أحد تروسها.. وإما الاستسلام للعزلة والسلبية وترديد الشكاوي ليصبحوا طعما سهلا، وعجينة جاهزة للتشكيل بين أيدي قوي التطرف.
أي أن خسارتنا كانت كبيرة.. خسارة اقتصادية.. وخسارة اجتماعية!!
فهل نعترف الآن.. بأن تطهير البيت من الفساد.. ومطاردة ومحاكمة رموز الفساد وعصابات المفسدين الكبار منهم والصغار.. هو المطلب الشعبي الأول في البرنامج الانتخابي لأي مرشح لمنصب رئيس الجمهورية!
لقد حان الوقت لذلك.. حتي تمضي سفينة الوطن بسلام إلي بر الأمان!
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة