تنمو الأجيال التالية نموا يمتزج حماسه وشبابه بالخبرة
والحنكة .. وتتراءي له خطاه آمنة مبصرة .. في " حضّانات "
هذه الخبرات الطويلة تتلاحق خطي الشباب فتأخذ ثم تضيف ،
ولكن الفصم بين الأجيال جناية كبري علي مصركنت مدعواً ،
ولعل ذلك في أواخر 1999 أو أوائل 2000 ، لمحاضرة يلقيها
الشاب / جمال مبارك عن توجهات مصر الاقتصادية ، ومن صفوف
المتلقين ، خرج يومها شيخ يبدو حول الستين أو فاتها بقليل
، ليعقب بتعقيب ففوجئت كما فوجئ غيري به.
يقدم نفسه قائلاً ، أنا " الشاب " صبري الشبراوي ، فضجت
القاعة بالضحك للقفشة الموحية التي لم يدع الدكتور
الشبراوي مجالاً للخطأ في تحصيل مغزاها ، فأردف يقول :
قلتم من سنوات تعالوا إلي مصر ، إنها في حاجة إليكم ،
فتركت موقعي الرفيع في إحدي الجامعات الأمريكية التي درجت
علي التدريس فيها منذ سنوات ، وشددت الرحال إلي مصر مليئاً
بحماس هائل للعطاء ، فقلتم لنا رويداً ، لأنك لم تصل بعد
إلي سن الشيوخ الذين إليهم الحل والعقد ، فما هي إلاّ
سنوات والعمر القصير ينصرم ، حتي سمعت من يقول : لقد فاتكم
السن ، ولحقت بكم الشيخوخة ، ولم يعد للاستعانة بكم محل
بعد أن عدلنا إلي الشباب .. لذلك ، فأنا أقدم نفسي لكم:
"أنا الشاب صبري الشبراوي " !
لا أحسب أن المجال كان مجال ضحك ، أو يجوز فيه الضحك ، ما
لم يكن ضحكاً كالبكاء ! .. فمن قبلها بسنوات خرج الكاتب
الساخر أحمد رجب بشخصية " عبده مشتاق " ومحل عصير عبد
الجواد .. أحزنني وأدهشني أن الرمز الحقيقي للكاريكاتير
ضاع في غمرة الأخذ بالظاهر وإطلاق السخرية والنكات علي "
المشتاقين " دون أن يدرك أحد أن الاشتياق ـ وهو طموح طبيعي
في النفوس البشرية ـ يترجم عن حالة جمود أغلقت الرتاج
بالضبة والمفتاح ـ تحت شعار الاستقرار !!! ـ أمام التغيير
وتواصل الأجيال !! ـ قد فهمت أن المغزي البعيد للكاريكاتير
وشخصية " المشتاق " ترمز إلي شيوع الركود والجمود وانغلاق
أبواب الأمل أمام القامات والأجيال في المشاركة ، وهي قسيم
الاحساس الواجب بالانتماء ، ولكن النكتة مضت في الفلك
بالمعني المغلوط والذي أعطي لها ، ولعله راق أو أرضي
مطلقها ، فسكت عن بيان المقصود أو الذي يجب أن يكون
مقصوداً !! 0
ظلت الأيام تمضي حتي ضربت أرقاماً قياسية في جميع المواقع
والمجالات بلغت بشاغليها ربع قرن تزيد أو تنقص قليلاً ! ..
وطال ذلك مناصب الوزراء ، بل وضرب رئيس للوزراء رقماً
قياسياً للبقاء في منصبه ، وطال ذلك رئيسي مجلسي الشعب
والشوري اللذين مكثاً سنين عدداً ناهز أحدهما الثمانين
وجاوزها الآخر ببضع سنوات ، وطال الوزراء الذين نيف بعضهم
في مواقعهم علي ربع قرن ، وحتي نيف بعضهم علي الثمانين ! ـ
وامتد إلي الصحافة ، وإلي مواقع الحزب الحاكم الذي طاله
جمود بالغ لم يحظ بأي تغيير أو تبديل ! وأعجبت الصورة باقي
الأحزاب ، فبقي رؤساؤها في مواقعهم لــم يفصلهم عنها إلاّ
" الموت " ( الأحرار والوفد ) أو " حل الحزب " ( العمل )
!! ومضي الركود والجمود التام علي حاله ، حتي انشق صدر أحد
أبناء النظام ، فانطلق الدكتور مصطفي الفقي بمقال له في
الأهرام يقول إنه من الجيل المسروق ، أو ما يسمي
«الميزانين» علي حد تعبيره ، فقد كان سفيرا ، وأعطي رئاسة
لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشعب بعد تعيينه فيه ، ولكنه
رأي الجمود قد طاله فأوقف نموه الذي أراده !!0
واقع الأمر أن الجمود الذي ران طال كل شئ .. فانقطع توالد
القامات العالية لأن المناخ لم يعد يثمر ما كانت تثمره
الحياة الولادة في مصر المحروسة .. يكفيك أن تنظر في ثراء
الماضي ، وأن تقارن به إجداب الحاضر ! .. لن يخدعك بعض
البقايا التي نبتت واقعاً في الزمان المولي ! ما الذي
قدمته الحياة الراكدة بالجمود والتجميد بديلاً أو امتداداً
في الفكر والأدب للعقاد وطه حسين والحكيم ولطفي السيد
وهيكل ويحيي حقي وزكي نجيب محمود وسلامة موسي والمازني
ونجيب محفوظ ويوسف إدريس والتيمورين وغيرهم ، ومن الذين
قدمتهم في الموسيقي امتداداً لسيد درويش وعبد الوهاب
وزكريا أحمد والسنبـــاطي والقصبجي وصالح عبد الحي وفريد
الأطرش والموجي وبليغ والطويل ، أو من ملأ ساحة الغناء محل
أم كلثوم وليلي مراد وأسمهان وفتحية أحمد وشهرزاد وأحلام
وعبد المطلب وكارم وقنديل وشادية ونجاة ورشدي والعزبي وعبد
العزيز محمود وإبراهيم حموده وعبد الغني السيد ؟! وأين هي
المدارس التي ملأت في المسرح مكان مدارس عزيز عيد وجورج
أبيض ويوسف وهبي والكسار والريحاني .. لحق بهؤلاء مدبولي
والمهندس وأدركا عن السابقين رسالة التواصل والإنبات ،
ورأيت بعيني إبان كنت طالباً بالجامعة كيف يحمل كل من
مدبولي والمهندس محفظة متواضعة ملأي بالنصوص يجوبان بها
فرق الجامعة المسرحية .. من عباءتهم خرج من مسرح الجامعة
عادل إمام وصلاح السعدني وسمير غانم وغيرهم .. كان التوليد
والتواصل هَمّ وشاغل قامات ذلك الزمان لأنه هكذا جرت وكانت
تجري الحياة .
قاد البارودي وإسماعيل صبري وأترابهما حركة الإحياء في
الشعر للخروج من وهدة الشعر المملوكي الركيك بإحياء الشعر
العربي القديم ، ومن التواصل مع هؤلاء خرجت مدرسة شوقي
وحافظ ، ورغم التصادم الظاهر بهما ، فإن مدرسة الديوان
للعقاد والمازني وشكري كانت من آثار هذا التلامس مهما كانت
أشكاله ، لتتوالي جماعة أبوللو ، ومجموعة الرومانسيين ،
إلي حركة الشعر الجديد الذي ما زلت أري من أقطابه ، أحمد
عبد المعطي حجازي لا يترك أمسية نلتقي فيها مع مجموعة
الأصحاب إلاّ ويعني بأن يقرأ علينا من شعر العقاد في إقرار
جميل بأن حماس الشباب هو الذي جرأهم علي هذه القامة
العالية في الشعر وغيره ، والتي يجد شاعرنا حجازي سلواه
وغذاءه في الاطلال علي معينه مقراً بعبقريته الشعرية وغير
الشعرية .. لست أريد أن أطيل عليك ، ولكن قل لي ، عرفنا في
الصحافة التابعي وفكري أباظة ومصطفي أمين وعلي أمين و كامل
الشناوي والحمامصي وحافظ محمود وهيكل والصاوي محمد وأحمد
بهاء الدين وإحسان عبد القدوس والشرقاوي وواكد والخولي
وأمينة السعيد وغيرهم من القامات العالية التي سلمت الراية
لمن تولوا رئاسة الصحف لنحو ربع قرن .. تري من قدمت
الصحافة المصرية في ظل التجميد والركود امتداداً لهؤلاء ..
ما الذي حدث في مصر حتي أجدبت الساحة كل هذا الإجداب ؟!
وهل هي حقيقة أجدبت أم أننا قتلنا وبددنا في الواقع
قاماتنا العالية أو التي كانت في الطريق إلي ذلك العلو !!
.. ألم نجمد الأوضاع تجميداً تاماً ربع قرن من الزمان ؟!
.. تري كم عدد الأوراق التي تساقطت في هذه السنوات موتاً
أو يأساً أو إحباطاً ؟! كم عدد الذين قفلنا أمامهم أبواب
الأمل فبقوا علي " دكة الاحتياط " كلاعب الكرة المركون
الذي يفقد لياقته ويعلوه الصدأ أو ينساه الناس ؟! .. هل
كان النسيان تلقائيا ، أم فرضته بالأحري سياسة " التجميد "
؟!! أليس " التجميد " دعوة ظاهرة أو مستترة للموجود للتمسك
بوجوده وتجاهل غيره والإمعان بالوعي وباللاوعي في الانغلاق
والتمحور في " الأنا " التي لا تري إلاّ نفسها ، ثم
الانزلاق ـ وأيضا بالوعي وباللاوعي ـ إلي الضن بما لديها
والإحجام عن إفساح السبيل لمن يمكن أن يحل محلها ؟!!
في الزمن الذي به لحقنا ، لم يكن هذا هو الحال .. مازلت
أذكر ، وربما في كل مناسبة ، أفضال أستاذي وأبي الروحي
محمد عبد الله محمد .. أذكره ولا أنساه لأنه احتضنني
وأعطاني زبدة ما لديه ، لم يخش أن أزاحمه في المحاماة، فظل
وفيا لأستاذيته لي إلي أن فارق الحياة ، وأرجو أن أظل
عارفاً بفضله إلي أن أموت .. لم يكن هذا هو شأن محمد عبد
الله محمد فقط ، بل كان شأن جيله والمناخ الذي عاشوه فجعل
منهم " حضّانات " تعاف الأثرة وتبذل كل مالديها لتوالد
وتواصل الأجيال .. هـل بعيد عنـا ماكان يفعله طه حسين
والأساتذة الكبار جداً الذين خرجوا من عباءته فملأوا
الدنيا ؟! هل بعيد عنا صالون العقاد الذي كان يقيمه كل
أسبوع ليحتضن البراعم مع القامات ويعطيها زبدة ما لديه حتي
صاروا كباراً ملأوا الحياة من بعده واستكملوا رسالته ؟! هل
نسينا كيف تبني عبد الوهاب والموجي والطويل ثم بليغ موهبة
عبد الحليم حافظ ؟! .. هل نسينا نجوم اليوم الكبار الذين
بدءوا " كومبارس " في مسرح المهندس أو مدبولي ومن قبلهما
الريحاني ويوسف وهبي ؟!!
مرة ثانية ، ما الذي حدث في مصر فأسلم النظام لهذا "
الجمود " و " التجميد " الذي أفلس الحياة وأتي علي الأخضر
واليابس ؟! .. هل تستطيع حين تتوقف وتتجمد ربع قرن علي
أشخاص بذواتهم في السياسة والوزارة والصحافة والثقافة
والإعلام 000 إلخ ، أن تجد بعد ذلك أحداً تراه عينك أو
تقدره بصيرتك لإجراء التغييرات والتبديلات الواجبة حتي
لاتتجمد الحياة .. هذه الحياة التي تتجمـد مع تجمد الناس
الذين لابد أن يصيبهم الجمود وانعدام القدرة علي الرؤية
والابتكار من طول البقاء والاطمئنان إلي استمرارهم الذي ما
عاد أحد يتظنن مجرد تظنن في احتمال انقطاعه ، فانطلق كل
علي سجيتـه ـ إلاّ الأفذاذ الأتقياء الأنقياء ـ يعيثون في
مواقعهم بما شاء لهم أن يعيثوا ، لم ينج من ذلك اغتراف
أموال الناس ؟!!
ليس الاعتراض علي " الجمود " أو " التجميد " اعتراضاً
بالضرورة علي كل قامة موجودة أو كانت موجودة في النظام ،
ففيهم ـ أو في بعضهم ـ خبرات مشهودة ، ولهم ـ أو لبعضهم ـ
قامات عالية غير منكورة . الاعتراض ليس بالضرورة اعتراضاً
علي شخص كل منهم ، وإنما هو اعتراض علي طول أو جمود البقاء
بلا تغيير أو تبديل ، لأن ذلك يزين للناعم الباقي المطمئن
للبقاء في موقعه ، أو الطامع في التمسك به ـ أن يصادر علي
كل موهبة موجودة أو تبشر بالظهور ، وقد يعرقل مسارها ويوقف
نموها ويقوض أي فرص لتصعيدها .. هذه " المواهب " المبددة
رصيد " فاقد " " مبدد " قد حرمت منه مصر .. وقد حاول
النظام مرة ـ بعد أن بحت الأصوات ـ أن يداوي ولو بعض هذا
الداء الوبيل ، فأعلن أنه سيكون إلي جوار كل وزير نائب ،
إلاّ أن هذه الدعوة ـ أو البشارة ـ قتلت في مهدها ! ..
قتلها أصحاب الحول والطول ، فلم تر النور أو تدخل حيز
التنفيذ قط ، وسارعت أو أُسرع بها إلي طوايا أو أضابير
النسيان !
هذا قضاء علي البراعم الواعدة بالظهور ، بيد أنه لم يكن كل
مصابنا في تبديد طاقاتنا البشرية بفعل سياسة الجمود
والتجميد ، فأشر ما كان -ولايزال- فيها أنها بددت قامات
عاليه قادرة علي العطاء ، بأكفأ وبأكثر من القابعين
مطمئنين في المواقع الخالدة !! .. كانت هذه القامات
العالية " موازية " ـ عمراً علي الأقل ، للشاغلين للأماكن
المحجوزة !! طال بقاؤهم علي دكة الاحتياط ـ وانزلق بعض
المشاهدين أو اللاعبين إلي اعتناق سخرية الاستهزاء منهم
بقالة إنهم " مشتاقون " ، دون أن يتوقف أحد ليسأل فيم يكون
جرم " الاشتياق " لحمل النصيب من المسئولية ، أو ليسأل
ماهو الجمود الجامد الراكد الذي حول الجميع إلي مشتاقين
لأن اللاعبين علي المسرح غير قابلين تحت أي بند للتغير
!!.. بعض هذه القامات العالية المتجاهلة ( بفتح الهاء )
قتلها الانتظار واليأس والإحباط ففارقت الحياة غير آسفة
علي مفارقتها ، والبعض عاش عيشة أمض من الموت ، لأنه يعاني
المرارة التي لم يعد يكابدها الذين ماتــوا !! .. هذا "
التبديد " للقامات هو تبديد لكل فرص مصر في النمو والتقدم
، وأشر منها أن عدواها تتفشي فتقضي ـ وقد قضت ـ علي تواصل
الأجيال ، وأعدمت أجيالاً وراء أجيال ، دون أن يتفطن أحد
إلي أن التآكل ثم الرحيل لاحق أيضا بالمتبوئين الذين
داعبهم الخلود دون أن يدركوا أن كل شيء إلي نهاية !! ..
هنالك حين تقع الواقعة ويرام التغيير الذي تفرضه الظروف أو
يفرضه الموت فرضا ، لايجد الموكل إليه الاختيار مجالاً
يختار منه الصالح اللائق الجاهز لحمل المسئولية ، لأنه وإن
حاز " القدرة " ، إلاّ أن الصدأ قد علاها من طول الركن
وانقطاع التواصل مع المجريات الحاصلة التي يغدو الالمام
بها لازمة لاغناء عنها لاكتمال القدرة الجاهزة علي حمل
المسئولية!!
قد يبدو أن فقراً أو جدباً يبرر ـ ولا مبرر ـ تعثر اختيار
البديل ، وهذا التذرع كاذب ويسقط ويتجاهل أننا صانعوه
المتسببون فيه ، علي أن الأخطر من هذا وبالاً ، أن يقفز
التغيير فوق أربعة أو خمسة أجيال ، يتجاهلها أو يعصف بها
بمنطق المقصلة ، وينصرف عن قامات عاليه قائمة واثقة قادرة
علي العطاء ، ليختزل الاختيار في شريحة عمرية أصغر بثلاثة
أو أربعة أجيال ؟!! ماذا يعني هذا ؟! هل يعني أن الاختيار
لم يجد فيما بين الأربعين والسبعين قامات جيدة لائقة صالحة
بحكم الجمع بين العلـم والمعرفـة وبين الخبرة والحنكة لحمل
المسئولية ؟! .. إن أحدا ـ مهما أصاب الحول والغرض والهوي
منطقه ـ لا يستطيع أن يزعم هذا الزعم !!! وذلك يعني أن
تجاوز هؤلاء ، بمنطق المقصلة ، تحركه أغراض ؟! ـ ولكن ماهي
هذه الأغراض ما دمنا نبحث عن الأصلح لمصر ؟! .. هل يضير
الشاب اللامع الصالح للانتقاء ، أن يكون إلي جوار كبار
جمعوا إلي العلم الذي تعلمه ما قد يزيد عليه ، وجمعوا إلي
جواره خبرة طويلة ليست له ؟! .. لماذا إذن هذا الاختزال
إلاّ أن يكون كما يقال تهيئة لمسرح يخلو من القامات
العالية حتي يستطيع أن يلي القمة من قد يجد غضاضة في أن
المرءوسين أو المعاونين أو المشاركين في حمل المسئولية ،
أعرض علما ومعرفة ، وأطول خبرة ودراية ، وأعلي قامة ؟!
فإذا كان ذلك ، وهو كذلك ، فما هي الثروة البشرية الهائلة
التي تبددها مصر بهذا الاختزال !! إن الطاقات البشرية ،
والخبرات الانسانية ، هي الثروات الحقيقية للأمم .. وهي
أبقي وأمضي وأبلغ أثرا من الثروات المادية التي تروح وتجيء
، فإن جاءت فإنما تجيء بفضل الطاقة البشرية ، وهل كانت
تجربة ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية إلاّ
شاهدا مشهودا علي ذلك !! كانتا كلتاهما قد تحولتا إلي دمار
كامل تنعق فيهما البوم ، فما هي إلاّ سنوات قصار إلاّ
وارتفعتا بطاقاتهما البشرية إلي قمة الاقتصاد العالمي وقوة
التأثير السياسي والاقتصادي في بقاع الأرض ؟!!
ياسادة أي طاقة بشرية بددناها وأتينا عليها وكدنا نكون قد
أعدمناها في سنوات التجميد التي بلغت ربع قرن؟! ، وأي طاقة
بشرية نتجاوزها الآن ونقصيها ونحكم عليها بالموت صبرا ونحن
نختزل مصر ليستقيم دست الحكم للمروم أن يتبوأه وتحته قامات
أصغر لأن القامات العالية سوف لا تطاق ؟! ألا يترفق أحد
بمصر لوجه الله .. والوطن ؟! .
ففيما يبدو أنه استجابة لأهداف أخري غير دواعي التغيير
الذي صُمت الآذان عنه ربع قرن ، انعطفت السياسة المصرية
انعطافة حادة يحسبها الظمآن ماءً ، وهي في الواقع علقم !
.. بدت وكأنها أخيرا وبعد طول إلحاح قد استجابت ولبت
واقتنعت بوجوب التغيير والتجديد والإحلال ! .. بيد أن الذي
حدث لا يمت بصلة للتجديد والإحلال الذي عرفته الدنيا يجري
تدريجيا ووفق منظور وحسابات تطعم وتجدد ولا تبدد أعز ما
لدي الأمم من ثروات ، وهي ثروتها البشرية من أصحاب المعرفة
والعلم والخبرة الذين يتشكلون بمعاناة ومكابدة السنين ! ..
سبقت الاحلال والتبديد حملة عجيبة لا تدعو ـ كما يقول
ظاهرها ـ للشباب ، فلا أحد ضد الشباب ، هم أولادنا
وأحفادنا ولا غناء لهم أيضا عن علم الآباء العريض وخبراتهم
الطويلة ، وإنما وكأنها تومئ إلي وجوب التخلص من " الشيوخ
" كأنهم خيول الحكومة التي شاخت ويتوجب ضربها بالرصاص ..
الشيوخ المقصودون بالتخلص في هذه الحملة المريبة في
أغراضها ومآربها ـ هم " زبدة " و " عصارة " و" بهريز" و "
خبرة " و " عقل " و " بصيرة " مصر .. والعجيب أن مطلقي هذا
المنظور الملبوس هم الذين استخدموا رجالا حتي جاوزوا
الثمانين بعدة سنوات ، ولم يزحزحوا إلاّ بطلب أحدهما ،
والآخر لدواعي إحلال شخص آخر محله ريم تحريكه من موقعه
الوزاري الذي احتله ربع قرن ! .. يومها رأيت الدموع تطفر
من عيني الشيخ الكبير الذي جاوز الثمانين وكأنه يفارق
الحياة ، مع أنه مكث سنين عددا في موقعه ، وبلغ منتصف
الثمانينات .. لم تكن الحملة إذن كظاهرها المخادع المعطي
لها ، وإنما كانت تبريرا مقصودا لتجاهل واستبعاد القامات
العالية ، وكأنه قدر علي القامات العالية أن تضيع بدداً
بين التجميد والاختزال !! .. نعم ، الحملة الجديدة وإن
حملت رداء التجديد ، إلاّ أنها في واقعها وحقيقتها حملة "
اختزال " تستهدف تبديد واستبعاد أربعة أجيال بكاملها مرة
واحدة ، للقفز إلي جيل معين بين الثلاثينيــات وأول
الأربعين يوري الانحصار فيه والاقتصار عليه أنه مخطط مرسوم
لإعداد المسرح لقادم ما لا يستقيم أن يكون في إدارته قامات
عالية !!
هذا الاختزال المكشوف لا يستطيع أن يواري أغراضه بأنه قد
صار ضرورة بزعم تآكل القامات بفعل السنوات الماضية ، فهذه
تعلة مفضوحة المغالطة والغرض والهوي . نعم سقطت خلال سنوات
التجميد والجمود أوراق ، ونعم خسرت مصر قامات كبيرة بفعل
الموت المادي أو المعنوي ، بيد أن مصر لا تزال حافلة
بقامات عالية ، وكيف لايكون فيها قادرون علي العطاء من
أبناء الخمسين والستين والسبعين ، وها هو مثلا نجيب محفوظ
يكتب أحلام فترة النقاهة وأصداء السيرة الذاتية وقد جاوز
التسعين بثلاثة أعوام .. هل صدقنا قانون تصفية أساتذة
الجامعات واعتبرنا كل من نحاهم في سياسة إهدار غريبة غير
قادر حقيقةً علي العطاء ؟!.. أليس في صفوف الاعلاميين
الأحياء الذين يملأون الدنيا من أبناء الستين وأوائل
السبعين من يملأ بعلمه وبخبرته العريضة في مجاله مقعد
الاعلام ويعرف ويدرك ما يقال وما لا يقال ـ وهذا أول دروس
الاعلام !!
لست أريد أن أدخل في رصد أو إحصاء ، فكل مصري يعرف أن مصر
لم تخل من القامات العالية القادرة علي العطاء في الفكر
والأدب والثقافة والسياسة والإعـلام والتعليـم والصناعـة
والنقل 000 إلخ ، وأن تجاهلهم في هذا " الاختزال " الجاري
لا يعني أنهم غير موجودين ، وإنما يوري بأنهم غير مرغوبين
لغرض في نفس يعقوب أو اليعاقبة ! . لم يعد يفوت أحداً أو
ينطلي عليه أمر ما في نفس "اليعاقبة" الذين صار تدبيرهم
باديا كفلق الصبح يدفع الأمور دفعاً في اتجاه الاعداد
والترتيب لشخص بذاته تحت دعوي الاخلاص، وهم إنما يسعون
لأنفسهم أو لما يظنون أنه سوف يكون لهم تحت بند "رد الجميل
"، يندفعون إلي ذلك دون أن يعوا دروس التاريخ ، ودون أن
يهتز لهم رمش عن مصلحة مصر وحقها في ألا تبدد طاقاتها
وقاماتها العالية بذريعة هذا الهدف الملبوس !!
ليس هذا حديثا ضد الشباب ، ولا حتي ضد من يرتبون له .. إن
القامات العالية بعلمها وخبراتها هـي " الحضّانات " لسداد
وتوفيق خطي الشباب بغير عثرات ولا اندفاعات .. تواصل
الأجيال يعني اندماج الأجيال شبابا ووسطا مع جيل الكبار في
العلم والمعرفة والخبرة .. في أحضان علم ومعرفة وخبرات هذه
القامات ، تنمو الأجيال التالية نموا يمتزج حماسه وشبابه
بالخبرة والحنكة .. وتتراءي له خطاه آمنة مبصرة .. في "
حضّانات " هذه الخبرات الطويلة تتلاحق خطي الشباب فتأخذ ثم
تضيف ، ولكن الفصم بين الأجيال جناية كبري علي مصر .. أخطر
ما في " الاختزال " الجاري الآن أنه يقطع التواصل ويبدد
دفعة واحدة أربعة أجيال كاملة من القامات العالية التي
تنفق الدول أعماراً في تكوينها !!
الاختزال الجاري هو اختزال لمصر، يبدد أغلي ثرواتها ، ولا
يخدع أحداً أو يخفي سراب المرام المقصود ! .. ماجري ويجري
يأباه العقلاء وتأباه الدول ذات الحضارات .. ليس يصح في
عقل عاقل ، ولا في دولة عاقلة ـ أن يقفز الاختيار لإدارتها
هذه القفزة الهائلة من جيل الخمسينات والستينات والسبعينات
، إلي جيل الثلاثينات وأول الأربعين ؟! .. وكيف يجري هذا
ويصح في عقل عاقل بينما رئيسها القادم يبدأ فترة رئاسته
القادمة وهو في السابعة والسبعين ؟! .. ألا يرينا هذا ويري
من لايري أن القفز عبر أربعة أجيال قفز غير مفهوم وغير آمن
، ويحرم مصر من " عصارة " و" زبدة " خبراتها ؟! إن ما يجري
الآن من تبديد الثروة البشرية من القامات العالية القيمة
والمقدرة هو جناية علي مصر قبل أن يكون تجنيا عليهم ! هذه
الجناية لا يرتضيها مصري يتقي الله في أمانته ووطنه !