يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1243 (31 أغسطس - 6 سبتمبر) 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

الإنجازات الحقيقي في عهد مبارك «السعيد» (1)

 
 

انهيار مؤشرات الأداء والمكانة الاقتصادية

 
 

أحمد السيد النجار

 

  تطالعنا الأجهزة الإعلامية الحكومية يوميا بحكايات طويلة عن الإنجازات الاقتصادية لعصر مبارك، والتقدم الاقتصادي الهائل الذي حققته مصر في عهده السعيد مستخدمة في ترويج ذلك كل البيانات المزيفة التي تصدرها الحكومة. لكن أي مقارنة بين أداء الاقتصاد المصري في عهد مبارك وحزبه الحاكم، وبين أداء اقتصادات نامية كانت مصر تتقدم عليها سوف يوضح إلي أي حد تدهورت المكانة الاقتصادية لمصر في عهده هو وحزبه الوطني، بعد أداء يقل كثيرا عن أداء الكثير من الدول النامية التي كنا نسبقها وصرنا نتعثر خلفها بمسافات طويلة في الوقت الراهن بعد الجمود والترهل والفساد والتباطؤ الطويل الأجل والبطالة في عهد مبارك.
وعلي أي الأحوال فإننا نحتاج للنظر لاقتصادنا بروح موضوعية لإدراك وضعه الحقيقي وتطور مكانته الإقليمية والدولية في الواقع وليس في خيالنا. وهذا الإدراك لا يكون بمقارنة الاقتصاد المصري حاليا بسنوات ماضية وفقط، وإنما وهو الأهم، بمقارنة حركة الاقتصاد المصري عبر الزمن مع حركة اقتصادات أخري بدأت مسيرة تطورها معه أو حتي بعده. فالطبيعي تماما أن يكون الاقتصاد المصري شأنه شأن أي اقتصاد آخر قد حقق تقدما في قيمة ناتجه المحلي الإجمالي ونصيب الفرد منه والمؤشرات المعبرة عن تطور وتقدم أي اقتصاد، ببساطة لأن هذه هي طبيعة الأشياء ولأن كل بلدان العالم فعلت ذلك، من منظور المقارنات التاريخية.
لكن فعالية هذا التقدم الذي حققه للاقتصاد المصري في التأثير علي مكانته الإقليمية والدولية، تتحدد من خلال مقارنة هذا التقدم، بالتقدم الذي أحرزته الاقتصادات الأخري فيما يتعلق بتطور حجم الناتج المحلي الإجمالي، وتنوع هيكله، وبامتلاك قطاع متطور للصناعات عالية التقنية، وبتحقيق درجة عالية من تشغيل قوة العمل والجهاز الإنتاجي، وفيما يتعلق أيضا بتحقيق القدرة الذاتية علي النمو المتواصل، وتحقيق العدل النسبي في توزيع الدخل بشكل يضمن مكافحة الفقر وتحقيق التنمية البشرية من جهة، ويضمن تعظيم حوافز النمو من جهة أخري. وتتحدد فعالية هذا التقدم أيضا من خلال مقارنة تأثيره علي تطور القدرة التنافسية للاقتصاد التي تتجسد في تطور قدرته علي تصدير السلع والخدمات وتنعكس علي قدرة الاقتصاد علي تحقيق التوازن في موازينه الخارجية، وذلك بالمقارنة مع الاقتصادات الأخري. وتتحدد فعالية التقدم الاقتصادي في التأثير علي مكانة الاقتصاد المصري أيضا من خلال مقارنة ما حققته الاقتصادات الأخري، مع ما أحرزه من تقدم في مجال التطوير التكنولوجي، وفي إنتاجية العمل ورأس المال، وفي ضبط المواصفات القياسية في السوق لضمان السلامة والصحة العامة من جهة ولضمان وجود فرص عادلة للمنافسة داخل السوق، وفي تطوير درجة الشفافية ومكافحة الفساد في الاقتصاد، وفي مدي وجود أو غياب آليات رسمية وشعبية لمراقبة المالية العامة للدولة بشكل صارم ولمراقبة أداء الشركات المساهمة والمدرجة في البورصة لمنع التحايل والنصب علي صغار ومتوسطي المستثمرين، من قبل المستثمرين الكبار وشركات السمسرة والمديرين التنفيذيين. كما أن وحدة السوق ووحدة أو تقارب أسعار السلع والخدمات وعناصر الإنتاج داخل السوق، تشكل تعبيرا عن وجود معايير داخل الاقتصاد وعن تطوره إلي اقتصاد موحد بالفعل. كما أن وجود نظام قانوني متسق وبالذات في مجال التشريعات الاقتصادية، ويحظي بالاحترام بشكل صارم ويقف الجميع أمامه سواء، يشكل أحد ملامح التقدم الاقتصادي. كما أن الفعالية الاقتصادية للمجتمع الأهلي المتمثل في القطاعين الخاص والعائلي، وقدرة هذا المجتمع الأهلي علي تحقيق التطور الاقتصادي وتحقيق الاختراقات المطلوبة للتقدم الاقتصادي والصناعي بصفة خاصة، تشكل أحد الملامح الرئيسية لحركية المجتمع علي الصعيد الاقتصادي. وفي حالة ضعف هذه الفعالية الاقتصادية للمجتمع الأهلي، فإن الدولة تكون مدعوة للقيام بالنشاط الاقتصادي بالوكالة عن المجتمع العاجز عن القيام به بصورة فعالة، أو أن تتخلي عن هذا الدور وتترك الاقتصاد في يد قطاع خاص عاجز عن تحقيق التطور.
وهذه المقارنات هي التي تحدد كيف يتحرك الاقتصاد المصري عبر الزمن وسط اقتصادات أخري متحركة أيضا خلال الزمن نفسه. أو بمعني آخر، فإن هذه المقارنات تحدد هل حقق الاقتصاد المصري في عهد مبارك تقدما حقيقيا أم أنه أصيب بالتخلف بالمقارنة بالوسط التاريخي الذي يتحرك في إطاره وهو اقتصادات العالم عامة. وعندما نقوم بمثل هذه المقارنات بضمير عادل فإن صورة الاقتصاد المصري في عصر مبارك سوف تكون واضحة وسنري الوضع الاقتصادي الذي قادنا إليه بدون أقنعة.

زيارة بطيئة
أولا: انهيار المكانة.. مقارنة بين تطور الناتج والصادرات في مصر ودول أخري
والحقيقة أن وضع الاقتصاد المصري إقليميا وعالميا في الوقت الراهن، قد وصل لمستوي درامي من التدهور إذا قارناه بوضعه الإقليمي والدولي قبل ربع قرن، وهو أمر توضحه أي مقارنات بسيطة بين مصر وبين عدد من الدول النامية التي كانت ظروفها متشابهة مع ظروف مصر، أو كانت مصر تسبقها في المؤشرات الرئيسية المعبرة عن حجم وفعالية اقتصادها.
ورغم نمو الاقتصاد المصري وناتجه المحلي الإجمالي ومتوسط نصيب الفرد منه، إلا أن ذلك يتم ببطء لا يمكن أن يسفر عن اختراق حقيقي في النمو والتطور الاقتصادي والاجتماعي والتقدم العلمي والتقني، فليس لدينا دورات طويلة من النمو الاقتصادي السريع والمتواصل مثل تلك التي حققتها الصين ودول شرق وجنوب شرق آسيا، وانتهت بتحولها لدول صناعية جديدة أو حتي متقدمة مثلما هو الحال بالنسبة لكوريا الجنوبية وإقليمي تايوان وهونج كونج الصينيين. وما لدينا في مصر هو ومضات من النمو السريع، سرعان ما تنطفئ بفترة من التباطؤ أو حتي الركود، وهو وضع لا يسمح بتحقيق اختراق اقتصادي علي الإطلاق، بل يسمح فقط بالحركة البطيئة للاقتصاد المصري والتي ندركها كلنا علي الصعيد العملي والحياتي، والتي تؤكدها أيضا المؤشرات الاقتصادية.
لقد كان الناتج المحلي الإجمالي لمصر في عام 1982 عند بداية حكم مبارك، نحو 29.8 مليار دولار، في وقت كان الناتج المحلي الإجمالي لكل من الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا وتايلاند وتونس والمغرب قد بلغ نحو 266.2، 74.5، 26.8، 35.7، 8.1، 15.4 مليار دولار في العام نفسه. وفي عام 2003، وهو آخر عام صدرت عنه بيانات في مطبوعات صندوق النقد الدولي الصادرة عام 2005، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي المصري إلي نحو 67.5 مليار دولار، وارتفع الناتج المحلي الإجمالي في الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا وتايلاند وتونس والمغرب بالترتيب إلي نحو 1434، 605.4، 103.2، 143.2، 25.1، 43.7 مليار دولار، أي أن الناتج المحلي الإجمالي المصري قد زاد خلال الفترة من عام 1982 حتي عام 2003، بنسبة 126.5%، بينما زاد الناتج المحلي الإجمالي في الدول محل المقارنة بالترتيب بنسبة 438.7%، 712.6%، 285.1%، 301.1%، 208.6%، 183.8% خلال الفترة نفسها.
وكنتيجة للزيادة البطيئة في الناتج المحلي الإجمالي المصري والزيادة الأسرع في البلدان الأخري، فإن الناتج المحلي الإجمالي المصري الذي كان يشكل نحو 11.2% من نظيره الصيني عام 1982 قد تدهور إلي مجرد 4.7% منه عام 2003، كما تراجع من نحو 40% من نظيره الكوري الجنوبي عام 1982 إلي 11.3% منه عام 2003، كما تراجع من 111.2% من نظيره الماليزي عام 1982 إلي 65.2% منه عام 2003، كما تراجع من نحو 83.5% من نظيره التايلاندي عام 1982 إلي 47.1% منه عام 2003، كما تراجع من نحو 367.9% من نظيره التونسي عام 1982 إلي 268.9% منه عام 2003، كما تراجع من 193.5% من نظيره المغربي عام 1982 إلي 154.5% منه عام 2003 .
وإذا عدنا للوراء إلي العهد الناصري سنجد أن الناتج المحلي الإجمالي المصري كان يوازي نحو 170% من نظيره الكوري الجنوبي، ونحو 177% من نظيره الماليزي، ونحو 125.8% من نظيره التايلندي، ونحو 510% من نظيره التونسي، ونحو 196% من نظيره المغربي في عام 1965 ، ثم انخفض بصورة درامية علي النحو الذي أشرنا إليه آنفا. وقد أدي هذا إلي تحويل مصر من عملاق اقتصادي بالمقارنة مع دول كبيرة في العالم النامي مثل كوريا الجنوبية وماليزيا وتايلاند في عام 1965، إلي قزم اقتصادي بالمقارنة بهذه الدول في الوقت الراهن، نتيجة ضعف الأداء الاقتصادي والانفجار السرطاني للفساد في مصر منذ منتصف السبعينات وحتي الآن وبالذات في عهد مبارك.
أما عن تطور القدرة التنافسية للاقتصاد المصري، والذي يعكسه عمليا، التطور في قيمة صادراته السلعية، فإنه سيئ للغاية بالمقارنة مع العالم عموما ومع الدول محل المقارنة. فقد زادت الصادرات السلعية المصرية من نحو 3120 مليون دولار عام 1982، إلي نحو 6300 مليون دولار عام 2003، بنسبة زيادة بلغت نحو 101.9%. وبالمقابل زادت صادرات الصين من 21.9 مليار دولار عام 1982 إلي نحو 438 مليار عام 2003، بنسبة زيادة بلغت 1904% تقريبا، وزادت صادرات كوريا الجنوبية من 21.9 مليار دولار عام 1982 إلي 194 مليار دولار عام 2003، بنسبة زبادة بلغت 788% بين العامين المذكورين، كما زادت صادرات ماليزيا من 12031 مليون دولار عام 1982 إلي 99400 مليون دولار عام 2003، بنسبة زيادة بلغت نحو 726%، وارتفعت صادرات تايلاند من 6945 مليون دولار عام 1982 إلي 81000 مليون دولار عام 2003 بنسبة زيادة بلغت نحو 1066%، وارتفعت صادرات تونس من 1986 مليون دولار عام 1982 إلي نحو 8000 مليون دولار عام 2003، بنسبة زيادة بلغت نحو 303%، وزادت الصادرات المغربية من نحو 2062 مليون دولار عام 1982 إلي نحو 9473 مليون دولار عام 2003، بنسبة زيادة بلغت نحو 359%. كما ارتفع إجمالي الصادرات العالمية من 1719.2 مليار دولار عام 1982 إلي 7430.8 مليار دولار عام 2003 بنسبة زيادة بلغت نحو 332%.

الفساد المروع
وفي نفس السياق فإن الصادرات المصرية التي كانت تمثل نحو 14.3%، 14.3%، 25.9%، 44.9%، 157.1%، 151.3% من صادرات كل من الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا وتايلاند وتونس والمغرب بالترتيب في عام 1982، قد تدهورت لتصبح مجرد 1.4%، 3.3%، 6.3%، 7.8%، 78.8%، 66.5% من صادرات الدول المذكورة بالترتيب في عام 2003. كما تدهورت حصة الصادرات المصرية من إجمالي الصادرات العالمية من نحو 0.18% عام 1982 إلي 0.085% عام 2003.
وكما هو واضح بصورة قاطعة من كل البيانات السابقة فإن القدرة التنافسية للاقتصاد المصري قد تدهورت، وحدث انهيار حقيقي للقدرة التصديرية لمصر التي تدهورت حصتها من الصادرات العالمية بصورة مأساوية، وتدهورت نسبتها إلي صادرات الدول الناهضة وبعض الدول العربية غير النفطية بصورة مأساوية أيضا، وهو نتاج طبيعي لاقتصاد يدار من خلال قيادات ضعيفة الكفاءة وينتشر فيه الفساد بصورة مروعة. كما يعود تدهور وضع مصر كقوة تصديرية إلي أن الرأسمالية المصرية لا تقبل معدلات ربح معتدلة تساعدها علي المنافسة سعريا، لذلك فإنها تعتمد علي ضمان الانفراد بالمستهلك المصري واستغلاله بأسوأ الأشكال لتحقيق معدلات ربح مرتفعة، بحيث أن البيع في السوق الداخلية يصبح أكثر ربحية من التصدير، ويصبح هم الرأسمالية المصرية هو كيفية إبقاء السوق المصرية مغلقة أمام الواردات الأقل سعرا والأكثر جودة. وقد ساعدت بعض القرارات الحكومية الفاسدة علي تكريس استغلال الرأسمالية المصرية للمستهلكين المصريين، مثل قرار فرض ضرائب مانعة علي واردات الملابس الجاهزة الذي صدر في بداية يناير 2002، والذي دعم أسوار الحماية الجمركية العالية وعزز من انفراد الرأسمالية المصرية بالمستهلك المصري لتستغله بلا رحمة، في غياب المنافسة الخارجية. كذلك فإن التقادم التكنولوجي للكثير من الوحدات الاقتصادية العاملة يقلل من قدرتها علي إنتاج سلع قادرة علي المنافسة من زاوية الجودة، وهي تحتاج بالفعل للتجديد والتطوير. كما أن محدودية الزيادة في الناتج أو بمعني آخر، ضعف معدلات نموه الحقيقية، تجعل المتاح من الإنتاج المحلي للتصدير، محدود أصلا، وهو أمر لا يمكن تغييره إلا بتحقيق دورة قوية من النمو السريع للإنتاج الجيد والرخيص، بشكل يتجاوز الزيادة في الطلب المحلي.
كذلك فإن عدم ضبط المواصفات في السوق المصرية يضر بقدرة مصر علي التصدير، لأنه لو كان هناك ضبط للمواصفات القياسية للسلع الصناعية ومراعاة للاعتبارات الصحية والبيئية في السلع الزراعية الموجودة في السوق المصرية، فإن كل سلعة تنتج في مصر تكون قابلة للتصدير. أما عندما تكون الضوابط علي المواصفات القياسية والمعايير البيئية والصحية مقصورة علي السلع التي تتوجه للتصدير، فإن ذلك يضع قيودا علي إمكانيات التوسع في التصدير. كما أن تسرب أي سلع غير مطابقة للمواصفات أو للمعايير البيئية والصحية إلي خارج مصر، يضر بسمعة الصادرات المصرية إجمالا ويتسبب في الكثير من المشاكل حتي للصادرات التي تتوافر فيها المواصفات القياسية والمعايير البيئية والصحية.
وقد كان أمرا غريبا حقا أن يتم تخصيص مساحات من الأراضي لزراعة المحاصيل الزراعية التي سيتم تصديرها لأوروبا، حيث تتم مراعاة الاعتبارات البيئية والصحية وتوضع حدوداً لاستخدام المخصبات والمبيدات حتي تبقي في الحدود الآمنة تماما، ويمنع استخدام المنشطات الهرمونية، في حين أنه لا توجد رقابة في هذا الصدد علي السلع الزراعية المخصصة للسوق المحلية، كأن المواطنين في الداخل لا يستحقون ما يستحقه الأوروبيون من مراعاة للاعتبارات البيئية والصحية!!
كذلك فإن عدم ضبط المواصفات القياسية في السوق وعدم حماية المستهلك، يشجع الرأسمالية المصرية علي الانكفاء علي السوق الداخلية التي تحقق فيها ربحا كبيرا، دون التزامات صارمة في مجال المواصفات أو الأسعار المعتدلة، بدلا من التصدير الذي لا يمكن أن يتم إلا إذا تمت مراعاة المواصفات القياسية لضمان جودة المنتج، وتم تحديد الأسعار بشكل معتدل لضمان القدرة علي المنافسة سعريا.
وكان من الطبيعي في ظل هذا الوضع ان تتدهور مكانة مصر كقوة تصديرية، فبعد أن كانت رابع أكبر قوة تصديرية عربية بعد ثلاث دول نفطية هي الكويت والعراق والسعودية بالترتيب في عام 1960، أصبح ترتيبها هو الـ 12 بين القوي التصديرية العربية، خلف كل الدول العربية المصدرة للنفط مضافا إليها المغرب وتونس. ولا يأتي خلف مصر سوي السودان وجزر القمر وجيبوتي وموريتانيا والصومال ولبنان واليمن!!
ثانيا: تدهور الاستثمارات الأجنبية وضعف الادخار والاستثمار وتدهور القدرة التنافسية
تنعكس القدرة التنافسية للاقتصاد المصري علي جاذبيته للاستثمارات الأجنبية المباشرة التي يعتبر البعض أن عدم تدفقها علي مصر رغم كل المميزات الممنوحة لها لغزا. فمنذ أن فتحت مصر المجال لتدفق الاستثمارات الأجنبية في منتصف سبعينات القرن العشرين وحتي منتصف عام 2003، لم تتجاوز مساهمات العرب والأجانب في رؤوس الأموال المصدرة للشركات الاستثمارية نحو 39.5 مليار جنيه مصري طبقا لبيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة في مصر. ولأن تلك الأموال قد تدفقت إلي مصر طبقا لأسعار صرف مختلفة للجنيه المصري مقابل الدولار، فإن رصيد الاستثمارات العربية والأجنبية المباشرة في مصر، بلغ نحو 20983 مليون دولار في نهاية عام 2003. وهناك جانب مهم من هذه الاستثمارات عبارة عن عمليات شراء للأصول العامة التي طرحت للبيع في إطار برنامج الخصخصة، أي أنها تدفقت لمصر لتداول أصول قائمة فعليا ولم تضف أصولا جديدة للاقتصاد المصري.

حالة الاستثمار
وقد كانت حصة رصيد الاستثمارات الأجنبية (أجنبية وعربية) المباشرة في مصر من إجمالي رصيد الاستثمارات الأجنبية في العالم أكثر من 0.6% عام 1985، فتراجعت حتي بلغت نحو 0.25% من ذلك الرصيد العالمي عام 2003. كما كانت مصر تحتل المرتبة الـ25 بين الدول التي يوجد بها رصيد للاستثمارات الأجنبية المباشرة عام 1985، فأصبحت في المرتبة 44 عام 2003.
ونتيجة لهذا التراجع في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلي مصر، أصبحت مصر في عام 2003، تحتل المرتبة الـ16 بين الدول الإفريقية المستقبلة للاستثمارات الأجنبية المباشرة بعد المغرب وغينيا الاستوائية وأنجولا والسودان ونيجيريا وتشاد وجنوب إفريقيا وليبيا والجزائر وتونس وغيرها من الدول الإفريقية، بعد أن كانت مصر تحتل المرتبة الثانية بعد نيجيريا في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي، وتتأرجح بين المرتبة الأولي والثانية والثالثة في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي.
كما جاءت مصر في عام 2003، في المرتبة الـ 11 بين الدول العربية المستقبلة للاستثمارات الأجنبية المباشرة، بعد ان كانت الأولي في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي، وكانت تحتل أحد المراكز الثلاثة الأولي في النصف الثاني من تسعينات القرن العشرين. كما تراجعت مصر في عام 2003 لتحتل المرتبة 91 بين الدول المستقبلة للاستثمارات الأجنبية المباشرة عام 2003، مقارنة بالمرتبة الـ 48 التي كانت تحتلها في النصف الأول من تسعينات القرن العشرين. وهذا الوضع ناتج عن المشاكل الجمة التي يعاني منها مناخ الاستثمار في مصر، فضلا عن التراجع العام لحركة الاستثمارات الأجنبية المباشرة عبر العالم، ويمكن الرجوع للدراسة الخاصة بمناخ الاستثمار في مصر للتعرف علي المزيد من التفاصيل بشأن مناخ الاستثمار في مصر والآليات الممكنة لإصلاحه.
وقد بلغت قيمة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لمصر، نحو 237 مليون دولار فقط في عام 2003، مقارنة بنحو2279، 1349، 700، 634، 584، 517، 480، 400، 379، 358 مليون دولار تدفقت كاستثمارات مباشرة إلي كل من المغرب والسودان وليبيا والجزائر وتونس والبحرين والإمارات وقطر والأردن ولبنان بالترتيب في العام نفسه. وكانت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلي مصر قد بلغت نحو 1076، 1065، 1235، 510، 647 مليون دولار في الأعوام 1998، 1999، 2000، 2001، 2002 بالترتيب.

شراء الأصول
وإن كان من الضروري الإشارة إلي أن هذه الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تدفقت إلي مصر حتي في سنوات ارتفاعها، كانت بالأساس عبارة عن عمليات شراء للأصول العامة المطروحة للخصخصة، مما يعني أن الجانب الأعظم منها لم يضف طاقات إنتاجية جديدة للاقتصاد المصري، بل كان مجرد تداول لأصول إنتاجية قائمة فعليا وناجحة ماليا كما هو الحال بالنسبة لشركات الأسمنت والمشروبات وشركة الزجاج المسطح وغيرها من الشركات التي تم بيعها للأجانب في السنوات الأخيرة.
وتبعا للتدهور في تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلي مصر بدءا من عام 2001 وحتي عام 2003، وهو آخر عام توجد بيانات دولية عنه، تراجعت نسبة هذه الاستثمارات من إجمالي تكوين رأس المال في مصر إلي نحو 2% فقط عام 2003، مقارنة بنحو 8.9% سنويا خلال الفترة من 1992 إلي عام 1997، ونحو 5.9%، 5.7%، 6.7%، 3.2%، 4.3% في الأعوام 1998، 1999، 2000، 2001، 2002 بالترتيب، وهي نسب متدنية إذا قارناها بالنسب التي حققتها الصين والتي بلغت نحو 13.6%، 11.3%، 10.3%، 10.5%، 11.5%، 12.4% في الأعوام 1998، 1999، 2000، 2001، 2002، 2003 بالترتيب، أو حتي النسب التي حققها المغرب والتي بلغت نحو 5.3%، 10.2%، 2.7%، 37.4%، 5.8%، 22.2% في الأعوام المذكورة بالترتيب.
وهناك عقلية اتكالية بالفعل في مصر في التعامل مع قضية جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فالتصور العام هو أن هذه الاستثمارات ستأتي لتصنع دورة نمو وازدهار في الاقتصاد المصري، في حين أن العكس هو الذي يحدث عادة بالذات منذ انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق وانتهاء الاستقطاب السياسي وما كان يتبعه من تحرك جانب من الاستثمارات المباشرة عبر العالم طبقا لاعتبارات سياسية تفوق أحيانا الاعتبارات الاقتصادية. فالاستثمارات الأجنبية المباشرة في القوت الراهن، تتوجه إلي البلدان التي تحقق دورة قوية من النمو والازدهار الاقتصادي حتي تتقاسم معها ثمار هذه الدورة من الازدهار. وأبرز مثال علي ذلك هو الصين الاشتراكية التي لم تتجاوز الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتراكمة فيها والعائدة في غالبيتها الساحقة للصينيين أو ذوي الأصول الصينية من المقيمين في بلدان أخري، نحو 10.5 مليار دولار عام 1985، في وقت كانت الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتراكمة في مصر قد بلغت نحو 5.7 مليار دولار. أي أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتراكمة في مصر كانت تشكل نحو 54.3% من الاستثمارات الأجنبية المتراكمة في الصين حتي عام 1985. ومع استمرار الصين في تحقيق معدل نمو حقيقي للناتج المحلي الإجمالي بلغ نحو 10% سنويا في المتوسط لمدة خمسة عشر عاما، تدفقت الاستثمارات الأجنبية إليها كالطوفان، حتي بلغ رصيد الاستثمارات الأجنبية المتراكمة فيها حتي نهاية عام 2003، نحو 501.5 مليار دولار. وبالمقابل، فإن رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتراكمة في مصر التي تعاني من تذبذب معدل النمو ومن الدخول في دورات قصيرة متعاقبة من النمو ثم التباطؤ أو الركود، لم يتجاوز نحو 21 مليار دولار في نهاية عام 2003، أو ما يوازي نحو 4.2% فقط من نظيره الصيني.
ومن الصعب تصور تحقيق الاقتصاد المصري لدورة من النمو السريع أو حتي المعتدل في ظل مستويات الادخار والاستثمار السائدة فيه فمصر تحقق واحدا من أدني معدلات الادخار في العالم، حيث بلغ هذا المعدل، نحو 15% في عام 2003، مقارنة بنحو 21% في المتوسط العالمي في العام نفسه، وذلك وفقا لبيانات البنك الدولي المأخوذة من بيانات حكومية مصرية.
وبالرغم من أن المصريين العاملين في الخارج يضخون تحويلات كبيرة لمصر، إلا أن معدل الادخار القومي لم يتجاوز نحو 15.1% في العام نفسه.
وإذا أخذنا بالبيانات الرسمية المصرية، فإن تقديرات معدل الادخار المحلي (نسبة الادخار المحلي إلي الناتج المحلي الإجمالي)، تشير إلي أنه بلغ نحو 14.9% في العام المالي 2003/2004،(المصدر: وزارة التجارة الخارجية، النشرة الاقتصادية الشهرية، أكتوبر 2004، جدول 1، صـ 1) وهي تقديرات قد تكون مبالغا فيها خاصة أن الأعداد الحديثة من النشرة المذكورة قد غيرت البيانات تماما عن السنوات الماضية بالمقارنة مع البيانات التي نشرت عن تلك السنوات في أعداد قديمة من النشرة المذكورة التي كانت تشير إلي أن متوسط معدل الادخار في الفترة من العام المالي 1997/1998 حتي العام المالي 2003/2004، قد بلغ نحو 13.6% سنويا (المصدر: وزارة التجارة الخارجية، النشرة الاقتصادية الشهرية، أكتوبر 2004، جدول 1، صـ 1). وفي كل الأحوال فإن هذا المعدل منخفض للغاية، بالمقارنة مع المتوسط العالمي لمعدل الادخار الذي أشرنا إليه آنفا، وهو أمر راجع بصورة أساسية إلي سيادة ثقافة استهلاكية لا تتناسب إطلاقا مع مستوي الإنتاج والدخول في مصر، وهي ثقافة تروج لها أجهزة الإعلام وبالذات التليفزيون من خلال الإلحاح الرهيب علي المستهلكين بكم هائل من السلع والاختيارات التي تتجاوز متوسط الدخول في مصر، والتي أصبح استنزاف المدخرات التي تم تكوينها محليا أو أثناء العمل في الخارج، بل وأصبح الاقتراض من المصارف لتمويل استهلاكها، أمرا عاديا في الوقت الراهن، بما يشجع الاستهلاك ويقلل الادخار والاستثمار.
كذلك فإن تدني معدل الادخار، يعكس حالة من التواكل "القومي"، والانتظار للمنح والقروض الأجنبية وللاستثمارات الأجنبية التي من المفترض أن تقدم لمصر رؤوس الأموال وتمول الاستثمارات وتحقق دورة من النمو والتقدم، وهو وهم كبير لا يظهر إلا لدي الحكومات والشعوب التي تتوهم أنها يمكن أن تحقق التنمية دون معاناة واقتطاع من الدخل الآني في صورة مدخرات لتمويل الاستثمارات التي تضيف طاقات جديدة للجهاز الإنتاجي وترفع مستويات التشغيل والدخل وتحقق النمو الاقتصادي السريع في المستقبل.

تدهور الادخار
وفي ظل هذه المعدلات المنخفضة للغاية من الادخار المحلي والقومي، فإنه من الصعب تحقيق معدلات مرتفعة أو حتي معتدلة للاستثمار والنمو الاقتصادي، لأن تحقيق مثل هذه المعدلات المرتفعة دون وجود معدلات مرتفعة للادخار، سوف يتطلب الاقتراض من الخارج والتورط في أزمة مديونية كبيرة، أو جذب استثمارات أجنبية كبيرة، وهو ما لم تنجح الإدارة الاقتصادية المصرية في تحقيقه في ظل غياب الكثير من العوامل الضرورية لجذب الاستثمارات الأجنبية.
وبالنسبة للاستثمار المتحقق في مصر أو في أي بلد في العالم، فإنه يتكون من إجمالي الإنفاق علي تكوين رأس المال الثابت أي السلع الاستثمارية الجديدة (الآلات) والإنفاق علي تحسين السلع الاستثمارية القائمة والإنفاق علي كل أعمال البناء تحت الإنشاء، ويضاف إلي ذلك، التغير في المخزون من المواد الأولية والسلع المصنعة ونصف المصنعة. ومن البديهي أن الغالبية الساحقة من الاستثمار الإجمالي، هي عبارة عن الإنفاق علي تكوين رأس المال الثابت. أما معدل الاستثمار فهو نسبة إجمالي الاستثمار إلي الناتج المحلي الإجمالي.
وبالنسبة لمعدل الاستثمار في مصر، فإن بيانات البنك الدولي، تشير إلي أن إجمالي تكوين رأس المال كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، لم يتجاوز 17% في عام 2002، بالمقارنة مع 21% كمتوسط عالمي، ونحو 44% في بلد سريع النمو مثل الصين، ونحو 38% في دول شرق آسيا إجمالا، ونحو 28% في دول الدخل المتوسط المنخفض التي يتراوح متوسط نصيب الفرد فيها بين 735، و2934 دولار سنويا حسب تصنيف البنك الدولي والتي تعتبر مصر واحدة منها.
وهذا المعدل المتدني لتكوين رأس المال في مصر، لا يمكن أن يكون كافيا لتحقيق نمو اقتصادي سريع أو متوسط، بل هو في الحقيقة، ملائم تماما لتحقيق النمو البطيء للغاية للاقتصاد بصفة عامة والذي ينطوي علي ركود بعض القطاعات بشكل عميق، كما هو الحال في مصر منذ سنوات طويلة.
أما بالنسبة للبيانات الرسمية المصرية، فإنها تشير إلي أن معدل الاستثمار في مصر قد بلغ نحو 16.7% فقط في العام المالي 2003/2004، مقارنة بنحو 21.6%، 19.6%، 18.3%، 18.3%، 17.1% في الأعوام 1998/1999، 1999/2000، 2000/2001، 2001/2002، 2002/2003 بالترتيب.
وللعلم فإن المخزون الكبير الناجم عن حالة التباطؤ الاقتصادي والركود في بعض القطاعات في الاقتصاد المصري، يشكل جزءا من قيمة إجمالي الاستثمار، ومن معدل الاستثمار. أما الجزء المهم بالفعل من الاستثمار والذي يشكل إضافة حقيقية للجهاز الإنتاجي ولقدرة الاقتصاد علي إنتاج السلع والخدمات، فهو تكوين رأس المال.
وترتيبا علي المستوي الراهن لمعدلي الادخار والاستثمار في مصر وفقا للبيانات الرسمية، فإنه من الصعب علي الاقتصاد المصري أو أي اقتصاد يحقق مثل هذه المعدلات المتواضعة للادخار والاستثمار، أن يحقق نموا اقتصاديا سريعا أو حتي متوسطا، بل إن قدره هو أن يحقق معدلات منخفضة للنمو تعكس حالة من التباطؤ يمكن أن تصل لحد الركود في بعض الأحيان، بما يعنيه ذلك من تدهور مستوي التشغيل وتزايد معدلات البطالة، وضعف الجاذبية للاستثمارات الأجنبية المباشرة.

الإعفاءات
والحقيقة أن الحكومة المصرية تعول دائما علي الميزات المالية لجذب الاستثمارات الأجنبية من خلال الإعفاءات الضريبية لوقت طويل، أو تخفيض معدلات الضريبة بشكل كبير.
والحقيقة أن التعويل علي الحوافز المالية في جذب الاستثمارات الأجنبية هو وهم كبير، لأن العوامل الأكثر أهمية في جذب الاستثمارات الأجنبية لأي سوق هي حوافز السوق التي تتمثل في وجود ازدهار ونمو اقتصادي جيد في الدولة التي ترغب في جذب الاستثمارات الأجنبية، وتتمثل في تمتع الدولة بقدرات تنافسية عالية، كما تتمثل عوامل جذب الاستثمارات الأجنبية في توافر آليات قوية لضبط المواصفات القياسية بالنسبة للسلع المنتجة في هذه السوق حتي تكون هناك فرصة عادلة للمنافسة، وضمان عدم التجاوز علي حقوق الملكية الفكرية فيه، وسهولة إجراءات تسيير الأعمال فيه بصورة توفر الوقت والجهد وتغلق الكثير من أبواب الفساد الذي تتزايد فرصه كلما تعقدت الإجراءات البيروقراطية، وانفتاح السوق المحلية علي العالم لضمان سهولة الحصول علي السلع الأولية والوسيطة من جهة، وضمان سهولة التسويق الخارجي للسلع المنتجة من جهة أخري، وارتفاع مستوي الشفافية وتوافر آليات شعبية ورسمية فعالة لمكافحة الفساد، وتوافر قوة العمل متنوعة المهارات وبأجور تمكن من يوظفها من الإنتاج بشكل تنافسي، وتوافر الشريك المحلي الكفء الذي يحترم حقوق شريكه الأجنبي، ووجود نظام فعال لمنع التهريب السلعي حتي تكون هناك فرصة عادلة للمنافسة علي أسس واضحة. وإضافة لكل هذا لابد من وجود عملة مستقرة سواء تم ذلك من خلال تسعير تحكمي ثابت لها مثلما هو الحال بالنسبة للصين وماليزيا اللتين تلقيتا بالترتيب نحو 53.5، 2.5 مليار دولار كاستثمارات أجنبية مباشرة في عام 2003، كما بلغت قيمة الاستثمارات الأجنبية المتراكمة فيهما بالترتيب حتي عام 2003، نحو 501.5، 59 مليار دولار.
أو أن يتم تحقيق الاستقرار للعملة من خلال آليات السوق بما يتطلبه الاستقرار في هذه الحالة من توازن في الموازين الخارجية ومن توافر احتياطيات كبيرة من العملات الحرة من خلال تراكم الفوائض في الموازين الخارجية وليس من خلال القروض، كما هو الحال في تايوان وكوريا الجنوبية والهند وسنغافورة التي تملك احتياطيات دولية من العملات الحرة، بلغت قيمتها لهذه الدول بالترتيب نحو 235، 178.3، 115.7، 105.8 مليار دولار في أكتوبر من العام 2004..
وإضافة لكل ما سبق فإن التقييم الائتماني لمصر المبني علي كل ما سبق وعلي قدرتها علي الوفاء بالتزاماتها الخارجية، يسهم في تشكيل صورة الانطباع العالمي عن الاقتصاد المصري وعن حدود جاذبيته للاستثمار الأجنبي المباشر. وفي نهاية عام 2003، احتلت مصر المرتبة الثامنة من بين 12 دولة عربية أجري تقييما لدرجة المخاطرة فيها، وكان التقييم الانتماني لمصر هو BB+، وهو مستوي يعني درجة مضاربة ودرجة مخاطرة مرتفعة مع زيادة حالة عدم اليقين مع قدرة ضعيفة علي السداد.
كما احتلت مصر المرتبة 13 من بين 16 دولة عربية طبقا لمؤشر التنافسية العربية، بحيث أنه لم يأت خلف مصر في هذا الصدد سوي اليمن وموريتانيا والسودان. (راجع، مناخ الاستثمار في الدول العربية 2003، المؤسسة العربية لضمان الاستثمار، الكويت، صـ 130) وبالنسبة للتعقيدات البيروقراطية التي تواجه تأسيس المشروعات في مصر، فإنها تشكل عقبة رئيسية أمام تطور الاستثمارات المحلية والأجنبية في مصر، فرغم أن عدد الإجراءات المطلوبة لتأسيس الأعمال هو 13 إجراء وهو عدد يزيد علي الإجراءات المطلوبة في الإمارات وتونس والمغرب وسورية وموريتانيا، ويقل عن عدد الإجراءات المطلوبة في بلدان عربية أخري مثل السعودية، والعدد لا يمثل المشكلة الحقيقية، وإنما الزمن الذي يستغرقه هذا العدد من الإجراءات هو المشكلة الحقيقية خاصة في ظل تعدد الجهات التي يتم التعامل معها حيث لم يطبق حتي الآن نظام الشباك الواحد للمستثمرين. كما أن الحصول علي موافقة الجهات الأمنية يستغرق وقتا طويلا يزيد علي ستة أشهر، مقارنة بنحو 48 ساعة في بلد عربي مثل الأردن. والحقيقة أن الإجراءات البيروقراطية المعقدة والتي تستغرق زمنا طويلا، تفتح الباب أمام انتشار الفسد والرشوة التي استشرت في مصر، كآلية فاسدة لحفز الموظفين البيروقراطيين الذين يملكون منح التراخيص أو تمرير الإجراءات، للإسراع في إجراءات تأسيس الشركات.
وفضلا عن كل ما سبق فإن الأزمات التي اجتاحت مجتمع الأعمال في السنوات الأخيرة وأدت إلي تعثر العديد من رجال الأعمال الجادين، وإلي هروب بعض المحتالين بعد أن حصلوا علي قروض ضخمة من البنوك دون ضمانات وجدية كافية للحصول علي هذه القروض، قد أشاع صورة انطباعية سلبية عن الاقتصاد المصري وعن مناخ الاستثمار فيه، خاصة وأن المخالفات التي حدثت في مجال الإقراض قد انطوت علي درجة عالية من سوء استخدام النفوذ السياسي والفساد لاختراق القوانين وللتحلل من تقديم ضمانات كافية وإظهار الجدية اللازمة قبل الحصول علي القروض. كما أن تعامل الدولة مع رجال الأعمال المتعثرين في سداد القروض للبنوك أو في سداد مستحقات الدولة ووزاراتها وأجهزتها المختلفة، قد انطوي علي تعامل تمييزي، فصغار المتعثرين لم يعاملوا كالكبار، والكبار أنفسهم كان هناك تمييز فيما بينهم.
وعلي صعيد آخر، يعتبر الأمن شرط ضروري لتدفق الاستثمارات الأجنبية لأي بلد في العالم، ومن الصعب تصور تدفق الاستثمارات الأجنبية لبلد يعيش بشكل متواصل في ظل قانون للطواريء، رغم أنه ليس في حالة حرب أو كوارث طبيعية، فالتفسير الوحيد في مجتمع الأعمال العالمي لهذا الوضع، هو أن هذا البلد غير آمن، وبالتالي فإن ضخ الاستثمارات المباشرة إليه بكثافة يعد مخاطرة غير محمودة العواقب. ومهما قيل عن توفر الأمن في مصر، وهو متوفر حقيقة، فإن المستثمرين الأجانب لن يقتنعوا بذلك مادام استمر قانون الطواريء. وإذا قيل أن هذا القانون مكرس فقط لمكافحة الإرهاب، فإن هذا يعني أن مصر بها إرهاب يستعصي علي القوانين العادية مكافحته وبالتالي فإنها غير آمنة ولا يتوفر لها شرط الأمان الضروري لتدفق الاستثمارات الأجنبية. باختصار لن تتدفق استثمارات كبيرة إلي مصر مادام استمر العمل بقانون الطواريء الذي ينبغي إلغاؤه والاعتماد علي قوانين عادية لمكافحة الإرهاب كما تفعل الدول المتحضرة، كتوصية ضرورية وتسبق كل التوصيات الاقتصادية، لجذب الاستثمارات الأجنبية.
وخلاصة ما سبق أنه لا يمكن جذب الاستثمارات الأجنبية بكثافة إلي مصر، بدون معالجة كل العوامل السلبية التي تعرقل تدفق هذه الاستثمارات إلي مصر والتي أوردناها آنفا.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة