لست أدري لماذا تذكرت هذه الواقعة0
لعلها تداعيات الأحداث الجارية، وإسقاطات هذه الدعايات0
ومحاولات البعض إيهامنا بأن الأمر جد، وأنه وبمناسبة
التجديد الرئاسي عبر الانتخابات سوف يتغير فيغير كل شيء0
المهم 00 كنا ونحن صغار نستيقظ علي صوت بائع الفول المدمس
«عم محمد» يصرخ من قمة شارع القهوجي بالمنصورة بما يوقظ
جميع الأحياء، مناديا «اللوز» علي فول ليس بمستوي اللوز
ولا حتي الفول السوداني، لكنه كان يحتكر المكان ويفرض
بضاعته علي الجميع فلا حيلة لهم إلا أن يتسللوا إلي شارع
سيدي عبد القادر حيث مطعم ليس أكثر جودة ، لكن مثل هذا
التسلل كانت ترصده عين يقظة يطلقها عم محمد دوماً يراقب من
اشتري ومن لم يشتر، ويراقب طبقا أو سلطانية يتسلل بها
صاحبها خلسة ليصرخ ويشكو ويحتج وينهي ويأمر فهذا الحي كله،
حيه هو وحده وليس لأحد أن يتحدي احتكاره لبيع المدمس لكل
سكانه0 وظل الأمر مستمراً حتي افترش الناحية الأخري من
الشارع بائع آخر من أبناء الحي، وله سطوة وسلطان0 دخل عم
محمد ميدان المنافسة وتربع فوق فوهة القدرة غطاء من نحاس
لامع0
وإذا بالنداء المحموم يتغير، صاح عم محمد بأعلي صوت أيقظ
به الجميع : «الغطاء الخيش يجيب الميكروب» احتدمت المنافسة
إذن، فقرر عم محمد أن يواصل احتكاره واشتري غطاء نحاسيا
لامعا ليغطي به قدرة الفول بدلا من قطعة خيش متسخة كان
يحشرها في قمة القدرة0
دهش الناس00 لقد تسلطت عليهم القدرة بغطائها من الخيش
القذر سنوات عديدة، وإذا كان غطاؤها يجيب الميكروب، فكم من
ملايين الميكروبات تسللت عبر أفواههم كل صباح؟ ولماذا
الآن، والآن فقط تذكر عم محمد أن الغطاء القذر يجيب
الميكروب؟
00 واستمرت المنافسة أياما وهي تزداد اشتعالا 00 صراخ من
ناحية عن محاسن «اللوز» ومن ناحية أخري عن الخيش اللي يجيب
الميكروب0
وقرر البائع المستجد أن يجرد الخصم من سلاحه، فأرسل طفلا
تسلل بحذر، وفيما كان عم محمد منشغلاً بالحديث مع زبون وهو
يستخرج له الفول بمغرفة أشد قذارة من الخيش، امتدت يد
الطفل فسرقت الغطاء النحاسي0
وفي الصباح التالي أتي صوت عم محمد واهنا «اللوز» 00
وعرفنا أنه فقد الغطاء النحاسي، وأن قطعة الخيش القذرة
عادت لتحتل مكانها القديم0
الآن تذكرت لماذا تذكرت هذه الحكاية0
بدأت معركة الانتخابات الرئاسية0 وبدأ معها سيل البرامج0
وعلي غير المسموح به قانونا أفردت صحفنا القومية مساحات
متسعة لتنشر البرنامج الذي أعلنه الرئيس مبارك0
ونتأمل البرنامج فنتصور أن هناك حالة غريبة يمكن تسميتها
استئجار «برنامج بنظام المفروش» أي برنامج مؤقت، يعلن، ثم
يتخلي عنه من أعلنه بعد فترة وجيزة0
ونقرأ في البرنامج كثيراً مما طالبنا به، ومما نحلم به0 بل
إن كثيراً من وعوده سبق أن وردت نصاً في «برنامجنا
للمشاركة الشعبية»00 وقرر الرئيس أن يستعيرها0
ولسنا نمن علي أحد، ولا نملك الحق في ذلك0 كما أننا لا
نزعم أننا أصحاب حقوق الملكية الفكرية لهذه المطالب، هي
مطالب الشعب كله تبني البعض بعضها، وتمسك البعض ببعضها
الآخر، وما فعلناه في برنامجنا هو أننا لم نخترع برنامجاً،
بل استجمعنا الأحلام والآمال والطموحات المصرية واستلهمنا
مشاعر وتجارب وخبرات شعبنا00 وكان برنامج المشاركة الشعبية
الذي أصدرناه منذ عدة أعوام0
أعلناه فاستنكروه، وقالوا عنه كل نقيصة، وفي أحسن الأحوال
تجاهلوه، وكأنه «ميكروب» يتعين تجنبه0 وكلما انتقدنا ما
يطبقون من سياسات قذفونا بقذائف تقول : أنتم تكتفون
بالنقد، ولا تقدمون بديلاً، بينما نحن من قدم بديلاً
متكاملاً لمشكلات شعبنا السياسية والاقتصادية
والاجتماعية00 ناضلنا من أجله، لكنهم قاومونا، واعتبروا ما
نطالب به مزايدات، ومواقف أيديولوجية لا تثمر في أرض
الواقع0
ثم كان ما كان0 وجاءت الانتخابات الرئاسية واحتاج المرشحون
إلي برامج يقبلها الناس فإذا ببرنامجنا في أغلبه يعود
ليتردد الكثير منه في حديقة الأزهر وعبر قناة دريم، ثم
ينشر متسعاً وبدون مراعاة للتكافؤ علي صفحات الصحف
القومية0 وهذا جميل0 فقط إن كان الأمر جداً، وليس مجرد «فك
مجالس» أو استئجار غير مدفوع الأجر لبرنامج علي طريقة
المفروش00 أي لمدة تسعة عشر يوما0
وعلي أية حال، فلا شك أن استعارة الحزب الحاكم ولو بأسلوب
«المفروش» لبرنامج يمثل الأحلام الجماهيرية، والإرادة
الشعبية هو أمر محمود في أساسه، فهو يعني - علي الأقل- أن
الحكم برغم كل ما يفعل ، وكل ما ارتكب ويرتكب من أخطاء
وخطايا، يكتشف - ولعله قد اكتشفت ذلك منذ البداية- أن ما
يرتكبه من سياسات في مختلف المجالات لا يمثل -ولو بأقل
قدر- مصالح الوطن، ولا يستجيب لمطالب الشعب0 وأن برنامجنا
ومطالبنا هي الأقرب إلي ضمير الشعب ووجدانه0
لكن إعلان الرئيس لهذا البرنامج الإصلاحي يثير عديدا من
التساؤلات0 وهي تساؤلات لا تستهدف إحراج أحد، وإنما
استجلاء الأمر وإيضاحه0
برنامج الرئيس يريد وبعد (أربعة وعشرين عاما) إصلاح
الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدستورية
والقانونية، ويستهدف إصلاح أوضاع حقوق الإنسان المصري
وحرياته00 ونسأل، نسأل ببراءة فعلية لا تمتلك أي قدر من
المكر أو أية رغبة في إحراج أحد00 إصلاح هذا كله0 فهل هذا
كله مُعوجّ، وغير صالح؟
وإذا كان هذا كله يحتاج إلي إصلاح فمن وضعه في الموضع
الخاطئ الذي يستوجب إصلاحا؟ أليست هي سياسات الحكم؟ وعلي
سبيل المثال00 يعلن الرئيس أنه سيخوض معركة ضد البطالة،
فهل نسي أن الحكومات المتعاقبة التي اختارها الرئيس، وأن
السياسات التي طبقت برضائه هي التي أنتجت هذه الثمرة
المريرة التي أحالت نسبة عالية من شبابنا إلي متعطلين؟
وكذلك الحال بالنسبة لبقية المشكلات : الديون- الفساد- خنق
الحريات- أزمة الإسكان- الصحة- التعليم - الدروس
الخصوصية00إلخ، أليست هذه جميعا وفي واقع الأمر مجرد ثمار
مريرة لسياسات مفعمة بالخطأ والخطايا؟! فهل من السهل الآن
أن نأتي وببساطة وبعد قرابة الربع قرن من الانفراد بالسلطة
والسلطان - وهو انفراد مطلق لا مشاركة لأحد فيه - لنقول
وببساطة بكومة هائلة من الواجبات التي تستهدف إصلاح أوضاع
صنعتها سياسات صنعها وحماها وأيدها وأكدها وباركها من
يطالب الآن بإصلاحها؟
إن السؤال الملح هو : هل المطلوب إصلاح أخطاء صنعتموها
بأيديكم، أم تغيير سياسات خاطئة أدمنتم تطبيقها، وأفسدتم
بها مختلف مناحي الحياة، ووضعتم مصر في هذا الموضع الصعب؟
وثمة سؤال آخر00لو أننا استعدنا مجمل الأوضاع المطلوب
إصلاحها والتي تمتد من السياسة إلي التشريع إلي الدستور
إلي الحريات إلي الاقتصاد إلي البطالة إلي الإسكان
والتعليم والإعلام والصحة والدواء00 وكل مناحي الحياة، نعم
كل مناحي الحياة00 أفلا يعتبر هذا اعترافا بفشل ما كان من
سياسات وقرارات0 ونسأل : أين وفي أي مجال تركت إنجازاتكم
بصمات تستوجب الإصلاح؟
00 لكن ذلك كله بكاء علي اللبن المسكوب0 والذي انسكب مرات
ومرات دون أن تهتز شعرة واحدة من رءوسكم0
ثم00 وهذا هو الأهم0
من يضمن لنا أن غطاء القدرة النحاسي سيبقي قادراً علي
الوجود بديلا عن الغطاء الخيش «اللي بيجيب الميكروب»0
وبشكل أوضح من يضمن لنا أن هذا البرنامج سوف يتحقق؟ أو حتي
بعض منه؟
لقد استمعنا عشرات المرات إلي برامج وقرارات لم تجد لنفسها
محلا في الواقع العملي00 أقول عشرات المرات تأدباً فالواقع
العملي يقول إنها مئات المرات0
هل تريدون أمثلة؟ إليكم بعضاً منها0 وسوف أختار أشياء سهلة
كان يمكن أن تتحقق بقليل من الجهد لو خلصت النوايا،
واستقامت الأمور، وجاءت اختيارات المسئولين علي أساس صائب،
والسياسات علي أساس عقلاني0
هناك مثلا مسألة محو الأمية0 راجعوا الخطابات الرئاسية
أمام مجلسي الشعب والشوري0 كم مرة تقرر فيها تحديد موعد
زمني للقضاء علي الأمية؟ فهل قضي عليها؟ أم أن الأمر
يتدهور، فمع انخفاض مستويات المعيشة ومع سياسات الإفقار
ومع تدهور العملية التعليمية بحيث نجد كثيرين ممن أنهوا
التعليم الابتدائي أميين0 أميين فعلاً0 وبحيث تزداد نسبة
تسرب التلاميذ تحت وطأة الحياة القاسية00 المهم نختلف أو
نتفق علي هذه العبارة أو تلك لكن الشيء المؤكد أن الأمية
باقية وهي مؤهلة لأن تبقي إذا ما استمرت سياساتكم الفاشلة0
وكم مرة جري حديث واتخذت قرارات بشأن البطالة؟ وكم مرة
ترددت أحاديث وردية عما أسمي بالتدريب التحويلي، وإعادة
تدريب الخريجين0 وكم تحدثوا عن مشاريع مثيرة للسخرية فمصر
غنية جداً لدرجة أنها تنفق الملايين التي بلا حصر لتخريج
جامعيين00 من كليات الحقوق والآداب والتجارة والزراعة
وغيرها ثم تعود لتنفق عليهم كي تدربهم علي مهن حرفية
(بنائين ونقاشين ونجارين وسباكين) ثم بعد ذلك كله لا يجدون
عملا، ولا حتي كسباكين0
وكم مرة أصدر الرئيس قرارات بإنجاز مشروع الرقم القومي كي
تعد جداول الناخبين علي أساسه وتجري الانتخابات بجداول
حقيقية خالية من التكرار ومن أسماء الموتي؟ عديدا من
المرات، خاصة في خطابات السيد الرئيس أمام مجلسي الشعب
والشوري00 ولم يحدث، فهل ثمة أيد تريد له ألا يحدث لكي
تسيطر علي عملية التصويت أصوات الموتي والغائبين؟ أم أنه
الأمر المعتاد أن نقول ولا ننفذ؟0
00 الأمثلة عديدة بغير حصر0 ولو أردنا حصراً لاستغرق ذلك
كتباً ومجلدات0 لكننا اكتفينا بأمثلة بسيطة ولا خلاف عليها
ويسهل تحقيقها لو انتهج الحكم سياسات صائبة، ولو تخلص من
سياسات الإملاء التي تحملها رياح خارجية أصبحت تجد لها
مندوبين معتمدين في وزاراتنا العتيدة0 لكن الحكم لم يخضع
لصوت الشعب الذي هو صوت العقل، وداس علي مصالح الجماهير
إرضاء لنزوات حفنة تزايد ثراؤها فتزايد جشعها، وتزايدت
سطوتها، ثم هو يأتي الآن ليقدم ومن جديد وعوداً00 فمن
يصدقه ويصدقها؟
00 ونكاد لو تأملنا الماضي وما فيه من تجارب، والحاضر وما
يلفه من سياسات محبطة، نكاد نقول إن الغطاء النحاسي اللامع
للقدرة لن يبقي طويلاً00 فقط أياما معدودة حتي ينتهي
أوكازيون البرامج والوعود، ثم تعود ريمه لعادتها القديمة00
ويعود الغطاء الملئ بالميكروبات ليعشش في سياسات الحكم
والحكام00
صدقوني00 برنامج مؤقت بنظام الإيجار المفروش لن يزيد
الأمور إلا تعقيداً0 فالشعب لم يعد قادراً علي النسيان،
لأنه لم يعد قادراً علي الاحتمال، لا احتمال سياساتكم ولا
احتمال نتائج هذه السياسات0
ونؤمل - أقول نؤمل- أن يخيب ظننا، فما كان لنا إلا أن
نتمني الخير لوطننا وشعبنا، نؤمل أن تقوموا بما لانتوقع،
وما لا يتوقعه الكثيرون00 أن تصنعوا شيئا مفيداً، مفيداً
حقاً، يحقق أماني هذا الشعب حقاً0
يخلصه من الفقر والإفقار حقاً، يرفع مستوي معيشته حقاً،
ويصلح سياسات التعليم والصحة والإسكان والمواصلات حقاً00
نؤمل وإن كنا لا نتوقع0 فالأفعال هي ذاتها، والخصال هي
عينها، ورجالكم يبقون كما كانوا، فإن تغيروا فإلي الأسوأ0
ومع ذلك نقول : غيروا سياساتكم، غيروا نزعاتكم، تخلصوا من
إصراركم علي منهج لم يؤد إلا إلي ما نحن فيه من ترد وتدهور
وفساد وإفساد0 افعلوا ذلك00 افعلوه الآن0 وإلا فلا أحد
يضمن أن يستمر هذا الشعب صابراً أكثر مما فعل، محتملاً
أكثر مما احتمل، ولن تسكته عن انتزاع حقوقه أية مسرحيات
هزلية00 وانتخابات صورية0 الشعب يريد خبزاً وعملاً وسكناً
وحريةً00 يريد ذلك كله وغيره وبقدر كاف يكفل له حياة
معيشية تليق بالبشر00
الشعب يريد00 وسوف يأخذ ما يريد إن طوعاً أو قسراً00
والويل لكم إن اجبرتموه علي الاختيار الأخير00 فآخر الدواء
- كما يقول العرب القدامي- الكي0 والكي لا يكون إلا
بالنار، والنار لا تلتهب هادئة00 وإنما صاخبة محرقة00
فإياكم، إياكم أن توقعوا أنفسكم في وهدة هذا المصير!